أوجه الاستبداد

آراء وأفكار 2020/08/01 07:23:53 م

أوجه الاستبداد

أوجه الاستبداد

قد تكون السجون والمعتقلات وتكميم الافواه وتغييب كل من يعترض على السلطة في أي بقعة من الأرض هي واحدة من صور الاستبداد على اعتبار ان الممارسات القسرية ضد المواطنين والمعترضين هو انتهاك لكل الحقوق، فكل السير والكتب التي حدثتنا عن تاريخ الأنظمة سواء الأوروبية او الشرق أوسطية.. الخ،

من النماذج مرت بمراحل من الاستبداد الذي لم يكتف بالسجون بل راح يرتكب ابشع المجازر ضد الإنسانية اغلبها ان لم تكن كلها سارت بتوجهات سمتها العنف ضد شعوبها التي اعترضت على سياساتها او احتلالات واشباع الرغبات التسلطية، لكن هذا العنف والاعمال القسرية وغيرها لم تلغ على الاطلاق قضية بناء الدولة ومؤسساتها على الرغم من انها تعمل وفق مزاج وسلوك السلطة فهذه الممارسات كان المستبد يراها تعزيزا لقوة الدولة ومصدر بقائها، فالحروب والصراعات التي مزقت القارة الاوروبية على سبيل المثال جعلت من الاستبداد سمة لصيقة بالحكم والسيطرة وبينت الممارسات وحشية القوانين التي اتبعت في ذلك الوقت، وحتى بعد اعلان الدولة القومية وتحديد الأسس والقوانين التي تؤكد وجودها بقي الاستبداد تحت مسميات التوازن والقوة ظاهراً لينتج حروباً عالمية خلفت الملايين من الضحايا، إلى جانب قضية دعم الاستبداد والمستبد الذي يُعزز من خارج حدود الدول لغرض تمكين جهة على أخرى ودولة على أخرى في سبيل تحقيق مشروع او توجه يراد منه ان يكون نموذجاً فيما بعد، فدول أوروبا الشرقية لم تستطع ان تتعايش مع واقعها الأوروبي والعالمي إلا بعد ان تخلصت من تلك الأنظمة التي كانت ترى الاحداث من عين أيديولوجيتها فكان لها دور في افقار وتأخر هذه الدول وسبباً في معاناتها، والحديث طويل عن دول الشرق الأوسط والعربية التي عانت من استبداد حركات التحرر ونرجسية قياداتها التي كانت مدعومة من قبل الدول الغربية ومازالت تعاني من ذلك الاستبداد المدعوم من الخارج وتجارب كثيرة ما زالت شاخصة امامنا، وبقي الاستبداد ينهض هنا وهناك بأوجه مختلفة وبأفكار متغيرة لا يمكن زحزحتها لاعتبارات الهوية والقناعة والتأثير والدعم، فقد يُمارس الاستبداد لا لكونه سمة من سمات الحكم انما هي أصبحت عادة يمارسها كل من يريد ان يعاقب شعبا او مجموعة او ملة قد تكون هذه بناء على عقدة داخل الحاكم او مجموعة السلطة.

اما في العراق فكل أنواع الاستبداد كانت حاضرة أي ان كل ما يخطر في بال الانسان من عذابات وبؤس وضياع للآمال والاحلام، فالعراقي يتدحرج بين الحين والآخر بين أيديولوجيا قومية ومعتقدات دينية وفي كل الأحوال هو يعاني ومصدر معاناته سلوك ومزاج السلطة اما لإشباع غرور واما عن سوء دراية وفشل، اليوم العراقي معاقب من قبل الماسكين بالسلطة الذين باتوا يرون فيه حملاً ثقيلاً فهو يعاقب في تعليمه وفي صحته ومستقبل أولاده وقوت يومه، والعقوبات مفصلة على فصول السنة هذا غير العقاب اليومي الذي نجد تفاصيله في كل ركن من اركان الدولة في فصل الصيف يجب ان يعيش ضمن أجواء حارة ملتهبة لا يتحملها بشر ووفق قياسات الغليان، وهذه ليست طقوسا سلطوية انما تراكم الفشل الذي صاحب الأحزاب طيلة الـ( 17 سنة) الماضية وإذا ما أراد الاعتراض فانه يعاقب بعقوبات اشد تصل لفقدان الحياة، وفي الشتاء يعيش فوق برك مياه الامطار بعد ان تجتاح الفيضانات المنازل والمدارس وكل ما يمكن ان تصل اليه، يعاقب في المستشفيات من نقص الادوية والإهمال والمتاجرة في حياته بعد ان حول البعض هذه المهنة الإنسانية إلى تجارة، يُعاقب إذا صرح بصوت عالٍ ان الطبقة الحاكمة لا تمثله وتواق لحياة كريمة تجعله يشعر بإنسانيته ويضمن من خلالها مستقبلا افضل لأولاده.

كل شيء في العراق استبداد، كل خطوة يخطوها المواطن تصاحبها عذابات وعذابات، كل فكرة يفكر بها المواطن عليه ان يحسب مقدار الخسارة التي سيجنيها من نتائجها، المعادلة المرعبة اليوم هي معادلة الموت والحياة، الموت للمواطن والحياة لمن في السلطة والمتنفذين، معادلة تلغي كل الحقوق على حساب البقاء والسيطرة والتقاسم والغنائم، اصبح الاستبداد في العراق ثقافة سلطة وبديهية اعتاد عليها الجميع، فالشاذ عندما تجد انصافا وقوانين تراعي حياة الناس، ان مشكلة المستبد في العراق انه لا يريد ان يؤسس لدولة لأنه يعتبرها محددا لا بل أكبر تحدٍ لوجوده واستمراريته، وجود الدولة والقانون والحق والحقوق لا يتناسب مع ما تطمح اليه شريحة او طبقة تحاول جاهدة جعل الدولة جسراً لتحقيق رغباتهم، وكل ما يمر به المواطن اليوم هو مرهون بقرار سياسي اما تحكمه مزاجية الأحزاب الحاكمة او قرار من خارج الحدود فالحياة والممات والحاضر والمستقبل كلها مرهونة برضا هذه السلسلة من العلاقات التي مثلت طيلة هذه السنوات صورة من صور الاستبداد، بالتالي ليس بالضرورة ان يكون الاستبداد سجنا وتعذيبا او اعتقالك على تهمة لم يكن لك فيها لا ناقة ولا جمل فقد يكون الاستبداد الأكبر ان من في السلطة لا يعترف بإنسانيتك فيقتلك حرًا وجوعًا وعطشًا. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top