بعبارة أخرى: الجواهري وكلاي.. النزال الأعظم!!

علي رياح 2020/08/03 07:53:29 م

بعبارة أخرى: الجواهري وكلاي.. النزال الأعظم!!

 علي رياح

منذ أمد ليس قصيرًا وأنا لم أتلق هدية العيد، حتى على كِـبر! 

سرح خيالي بعيدًا وذهبت أطيافي إلى سنوات مضت وأنا افتقد بهجة (العيدية)، لقد كبرنا جميعًا عليها أو صارت بعيدة عن المتناول.. واضح أنها ذهبت مع انطواء كثير من صفحات العمر، واندثار الكثير من التقاليد! ولكني احتاج هنا إلى استدراك لأقول: مهلًا، فقد ظهرت بهجة (العيدية) من جديد، لعلها تخترق متاهات الزمن الصعب الذي نعيشه! 

فتحت إيميلي أمس على واحدة من تجليات شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري. في ذكرى رحيله الثالثة والعشرين والتي مرّت الأسبوع الماضي، كانت الهدية والبهجة. أكرمني صديقي القريب إلى القلب عامر عبد الله وهو (طائي) من نسل حاتم كريم العرب، بما رآه اكتشافا، وما رأيته أنا تحفة نادرة: قصيدة كتبها الجواهري عن محمد علي كلاي أسطورة الملاكمة على مرّ العصور والدهور! 

لم أسمع أو أقرأ يومًا أن شاعرنا العبقري الذي كانت أوزان الشعر وقوافيه ومفرداته وأطيافه ومعانيه طوع فكره وبنانه، قد كتب في الشأن الرياضي. اتحدث هنا عن قصيدة كتبها أبو فرات عام 1976 ونشرها الملحق الأسبوعي لجريدة (الجمهورية)، في زمن لم تكن الرياضة فيه قد تخلصت تماما من عقدة النظرة إليها على أنها اهتمام هامشي لدى كثيرين سواء في العراق أو في كثير من المتجمعات العربية .. 

كتب الجواهري هذه الرائعة ليمهد طريقا كان غير مأهول وربما موحشا في نتاج المثقفين.. بعضهم كان يحيط الرياضة بنظرة متعالية، ولكن عبقرية الجواهري التي سبقت سواه مسافات وآمادًا واستشرفت الوقائع والتحولات، لم يكن يصعب عليها أن تقع في حب أو لنقل مديح كلاي يوم كان في علياء شأنه وهو يحسم نزاله مع كين نورتن.. 

القصيدة حملت هذا العنوان (يا سيّـدَ اللكماتِ شامخًا).. يقول في جانب منها: 

يا سيدَ (اللكماتِ) يَسحرُها 

ذهبًا.. بذهنٍ منه مشبوبِ 

نحنُ الرعيةُ.. عشتَ من مَلكٍ 

بمفاخرِ (العضلاتِ) مَعصوبِ 

زندٌ لزندٍ.. والورى تـَبَعٌ 

لكما، وعرقوبٌ بعرقوبِ 

سلمتْ يداك.. أأنتَ صُغتهما 

أم صوغُ ربٍ عنكَ محجوبِ 

المُلهـِمون أأنتَ ترسُمهم 

خـَولًا من الشبانِ والشيبِ؟! 

* * * 

(بائية) الجواهري بأبياتها الاثنين والستين، تحمل إعجابا منقطع النظير بأداء كلاي في نزاله.. واضح تماما أن (المتنبي الثاني) قد وقع أسيرًا لتحولات النزال.. فباللغة الجزلة البليغة يُضمِّن الجواهري أبياته بعضا من المفردات التي تصف ما يجري على الحلبة.. ولكنه ليس كأي وصف.. الجواهري ليس ناقدًا رياضيًا. إنه أكبر وأعمق ورؤيته هنا مختلفة.. رؤية يعهدها كل ناقد رفيع المستوى متخصّص في الأدب، يرى شاعرًا استبدّ به العشق فترك لانثيالات الشعر أن تقول، وأن تصل بنا إلى قصيدة عصماء.. فيها (نزال) جبل مع جبل! 

* * * 

يختم شاعرنا العملاق قصيدته النادرة وهو ينادي كلاي، كأن الجواهري هو من يقرع جرس النهاية ويعلن نتيجة النزال وهو من يتولى بنفسه تتويج البطل، وعلى رؤوس الاشهاد: 

يا أيها (العملاق) نازعَـه 

قـزمٌ على سببٍ.. وتسبيبِ 

كم جاءَ دهرُك بالأعاجيبِ 

من كل مرفوضٍ ومشجوبِ 

* * * 

ثم تأتي الذروة في القصيدة عند بيتها الأخير: 

شسعٌ لنعلك كلُّ موهبةٍ 

وفداءُ زندك كلُّ موهوبِ 

بالقطع واليقين، هذه قصيدة اتصور أن شاعرًا لن يكتبها ذات يوم، وأن بطلًا رياضيًا لن ينالها تكريمًا وحظوة، فلقد مضى الجواهري.. والجواهري نسيج وحده، في ذلك الزمان، وكل زمان!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top