إبادة الأيزيديين وسبيهم الداعشي دروس ومناعات مستقبلية

آراء وأفكار 2020/08/05 07:07:30 م

إبادة الأيزيديين وسبيهم الداعشي دروس ومناعات مستقبلية

 جاسم السدر

في آب ٢٠١٤ أوغلت عصابات داعش المجرمة بكرامة العراقيين ومارست بكل وحشية عمليات إبادة ممنهجة استهدفت فيها الأيزيديين الأبرياء العزل، فقتلت الرجال وسبت النساء والأطفال،مما سبب جرحاً دامياً في الذاكرة العراقية المعاصرة، يستوجب بعد ٦ سنوات من المجزرة إعادة قراءة للإبادة وتداعياتها استخلاصاً واعياً لأهم دروسها، وتأطيرها بمناعات مستقبلية تمنع تكرارها، وتعيد حقوق ضحاياها وتُجرم وتُعاقب مرتكبيها.

المجزرة المروعة التي ارتكبتها عصابات داعش الإجرامية بحق الأيزيديين في آب ٢٠١٤ ليست حدثاً عابراً تذكرنا به روزنامة الأيام، بل مأساة إنسانية دامية تحتم علينا جميعاً أن نأخذ الدروس الواعية من لهيب مشاهدها الدامية عبر تأطير حقوقي قانوني يعترف بالإبادة أولاً، ويُجرم القتلة الفاعلين ثانياً، ويُعيد الحقوق للضحايا الأبرياء ثالثاً .

- دروس الإبادة والسبي الداعشي

١- الاعتراف والاقرار بالجريمة الوحشية المروعة التي تعرض لها الأيزيديون عبر رفض كل الأفكار الظلامية التي تمخضت عنها الممارسات الداعشية الممنهجة، وتجريم القتلة بكل الوسائل القانونية والإعلامية والتعليمية والاجتماعية وغيرها.

٢- المساهمة في مداواة الجراح وترميم الذاكرة الوطنية المعاصرة وإعادة الإعمار للمناطق المدمرة والمساعدة الفاعلة في إرجاع المختطفين من الأطفال والنساء الى ذويهم والتبني القانوني والحقوقي لمعاقبة القتلة المجرمين.

٣- تعزيز مفاهيم التنوع والتعددية وقبول الآخر والسلم المجتمعي والتعايش المشترك في مواجهة نزعات التطرّف العنيف والكراهيات.

٤- اعتماد مفهوم المواطنة المستندة الى القانون كحاضنة للتنوع وكهوية فكرية حقوقية سياسة تستوعب التعددية الاجتماعية وتتقن إدارتها في بيئة تنموية تلهم الحوار والسلم والتكامل المجتمعي كبديل آمن يعزز مفهوم الإنسانية ويشجب ذاتياً كل محاولة لخرقها تحت مختلف التبريرات المستندة الى الأوهام التاريخية.

- المناعات المستقبلية 

يلهمنا تاريخ المجتمعات التي تعرضت للإبادات الوحشية كرواندا وجنوب أفريقيا وغيرها إمكانية إتقاننا لعمليات ترميم الذاكرة مما يستدعي ابتكاراً لمناعات مستقبلية تُجرم الإبادات والسبي عبر تبني وقايات قانونية وحقوقية واجتماعية وإعلامية وتعليمية وغيرها،تمنع تكرار وإعادة الإبادة من خلال تجفيف مستنقعات الكراهية المفضية الى التمثيل بالمختلف وامتهان إنسانيته والارتزاق بكرامته، ولذلك تُعد المناعات المستقبلية جدران صد صلبة تتكسر عليها نزعات الكراهية والتمييز، منها: 

١ - اطلاق منصة عراقية وطنية حوارية تستذكر الإبادة الوحشية وتستنكرها إعلامياً ومجتمعياً وتتبنى معالجات حقوقية لجراح الضحايا.

٢- مغادرة عقلية الشفقة الانفعالية المؤقتة المستنكرة شفوياً للإبادة المروعة وتداعياتها المأساوية الى تبني رؤية حقوقية قانونية تسترد للضحايا إنسانيتهم وتعالج بمراهم الحقوق جراحهم.

٣- تبني فكرة إنشاء متاحف وطنية تُذكر بالإبادة تستعرض مشاهدها الدامية وتداعياتها الأليمة لترى الأجيال بأعين رقمية معاصرة عواقب الكراهيات والتمييز.

٤- تسليط الضوء على الإبادة الأيزيديية والسبي الداعشي في المناهج الدراسية لتأخذ الأجيال دروس الوقاية ولتُسهم بفاعلية في إرساء المناعات المستقبلية.

5- تكامل المبادرات المجتمعية مع الإدارات الحكومية لصناعة بيئات مستقرة وآمنة، تجد فيها الشرائح الاجتماعية مناخاً تنموياً يسمح لها باكتشاف إمكاناتها الذاتية سعياً لخدمة الأهداف المشتركة.

6- تسويق مفاهيم الاستيعاب والتنوع والتعددية والشراكة والحوار والتكامل ترصيناً للنسيج المجتمعي وحماية له من الاختراق بنيران الكراهيات القاتلة.

7- اعتماد التنمية الفكرية والاقتصادية لمعالجة آفات الجهل والأميّة والبطالة والفقر والإحباط منعاً لنموها في الحقول المجتمعية وصيانة لعدم تحولها الى ألغام كراهيات فتاكة تدمر ثراء التنوع وغنى التعددية.

8- تبني المعالجات المؤسساتية لأزمات الكراهيات وتداعياتها،ومغادرة الأفكار الأحادية عبر بلورة رؤية عراقية مستقبلية واعدة تستوعب الشرائح الإجتماعية تراعي أولويتها في السلم والمواطنة والتنمية.

9- إعادة قراءة التاريخ كدافع ومحفز لا ديناميت ألغام ، ودراسة الأديان كفلسفة روحية وعرفانية قيمية تسمو بالروح وتعزز مفاهيم الآخر وقبوله واحترامه ومشاركته عبر منظور المشتركات الإنسانية.

10- توظيف واستثمار تقنيات العصر واتصالاته المذهلة للتواصل والتجسير عبر عقد الحوارات الثرية مساهمة في تفكيك إشكالات عصرنا الكبرى لبلورة أفكار ملهمة ورؤى فاعلة وبرامج تنموية تقي شرائحنا الإجتماعية من الصراعات المفضية الى الفناء.

الإبادة الأيزيدية والسبي الداعشي في آب ٢٠١٤ تستدعي منا جميعاً أن نراجع منظومة قيمنا وأرصدة أفكارنا في محطة تقييم عميقة لرفض ما يخرق نسيجنا الاجتماعي عبر تبني ما يساعدنا جميعاً على العبور الى المستقبل العراقي المشترك.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top