تاريخ السينما الإيرانية

تاريخ السينما الإيرانية

عادل حبه

تجاوزت السينما الإيرانية أكثر من قرن على بداياتها. . لقد استطاع العاملون في مجال السينما الايرانية بفعل جهودهم المثابرة وابداعهم ان يرتفعوا بهذا الفن الى مستويات ومكانة عالمية. ان هذه المكانة، بدون اية مبالغة، دليل على الهوية الثقافية للشعب الايراني امام العالم اجمع .

أن السينما باعتبارها ظاهرة جديدة في القرن العشرين قد جلبت تاثيرات وتحولات كبيرة الى المجتمع الايراني بشكل لم يستطع اي فن اخر القيام بهذا الدور. واصبحت السينما الايرانية خلال ما يزيد على القرن منذ ولادتها مظهرا من مظاهر التحديث للمجتمع الايراني. ولم تستطع الافكار المتحجرة الرجعية ولا التعصب الديني ولا الحكومات الرجعية المتعاقبة ان تقف حائلاً امام انتشار هذا الفن في المجتمع الايراني . 

ومنذ بداية دخول السينما الى ايران واجه هذا الفن معارضة قوية من قبل القوى المحافظة. ومن ناحية اخرى، استقبلت قوى الحداثة هذا الفن استقبالا حافلا بسبب عكسه بدقة الطبيعة الانسانية وواقعيه . أن إقتراب المعالجات السينمائية من المشاكل الانسانية قد اجبرت حكاما مثل الحكام الحاليين في ايران الى التراجع بعد سلسلة من القيود التي وضعها الحكم اثر سقوط الشاه . 

دفعت التاثير الكبير للسينما على المجتمع حكام ايران خلال القرن المنصرم الى تشديد قبضتهم والرقابة الصارمة على الانتاج السينمائي. غير ان كل هذه الرقابة خاصة تلك التي طبقت بعد الثورة، لم تستطع ان تخمد شعلة الابداع لدى السينمائيين الايرانيين .

في المرحلة الأولى، جلب الشاه القاجاري مظفر الدين السينما الى ايران اثر زيارة قام بها الى اوربا في عام 1900. فقد تسنى لمظفر الدين شاه اثناء زيارته لباريس ان يرى جهاز التصوير السينمائي الذي اثار عجبه. وقد صاحبه في هذه الزيارة ابراهيم خان عكاس باشي المصور الخاص للشاه، واول مصور سينمائي في ايران. 

وطلب مظفر الدين شاه من ميرزا ابراهيم خان ان يشتري جهازا سينمائيا كاملا مع جميع ملحقاته وتم شحنه الى طهران . وبعد مرور شهر، صور ميرزا ابراهيم خان اول فيلم ايراني في مدينة اوستاند البلجيكية وبحضور مظفر الدين شاه .

ومنذ دخذل السينما الى ايران اصبحت وسيلة لتسلية القاطنين في البلاط الملكي فحسب. ولم تتمكن السينما من التغلغل الى الشارع الايراني. ولكن بمرور الوقت استطاع اعيان البلد واشرافهه ان يتمتعوا بها الفن خاصة اثناء حفلات الاعراس والختان. وقام ميرزا ابراهيم خان بعد رجوعه من جولة في اروبا وامريكا الشمالية في عام 1904 من تاسيس اول دار

عامة للعروض السينمائية. وقد اقتصر العرض على شهر رمضان فقط حيث كانت تعرض الافلام الصامتة القصيرة. ويورد ميرزا ابراهيم خان صحاف باشي، احد مناضلي المشروطة، الصراعات التي خاضها مع البلاط ومع الشيخ فضل الله نوري حول نشر دور السينما . وكان الشيخ فضل الله قد اصدر فتوى يتهم بالكفر كل من يقوم بانشاء دار للسينما في ايران. وقام البلاط باغلاق دار السينما التي يمتلكها صحاف باشي، وقام الاخير بتسليم جميع معدات دار السينما الى ارداش باتماكريان المعروف باردشير خان . وكان لكل من اردشير خان وكل من خان بابا معتضدي وعلي وكيلي دورا كبيرا في انتشار دور السينما في ايران .

وقام اوانيس اوانسيان، وهو مهاجر ارمني، بتاسيس اول مدرسة للفن السينمائي في ايران . وقامت الدفعة الاولى من خريجي المدرسة باخراج اول فيلم ايراني صامت في عام 1911، وهو "حاجي اقا ممثل سينمائي"، الذي يوضح الصراع بين الافكار المحافظة والفن السينمائي. وفي نفس السنة، اي في عام 1911، قام عبد الحسين سبنتا باخراج اول فيلم ناطق ايراني هو " بنت اللر " في الهند الذي مثل تحولا كبيرا في السينما الايرانية .

ولكن كل من اوانيس اوانسيان وعبد الحسين سبنتا اعتزلا السينما بسبب الموقف السلبي للاجهزة الحكومية امام انتشار صناعة السينما في ايران . 

لقد كانت اعوام 1914-1926 فترة ركود للسينما الايرانية. وتغلغلت الشركات السينمائية الاجنبية في السوق الايراني. واصبح من الصعب على ايران انتاج افلام سينمائية في تلك الفترة. ومع ذلك ففي اواخر تلك الفترة تمكن اسماعيل كوشان وشخصيات اخرى من انشاء ستوديو للدبلجة في طهران. واستقبل المشاهدون بحماس هذه الخطوة لحاجتهم الى افلام ناطقة باللغة الفارسية. وفي عام 1925 قام كوشان بانتاج فلم ناطق ايراني اخر هو " طوفان الحياة " والذي اخرجه علي دريا بيكي مما بعث الحياة من جديد في السينما الايرانية. وفي عام 1926 قام نفس المخرج باخراج فلم " الامير السجين ". ولم يكن بمقدور وبطاقة السينما الايرانية ان تتماشى مع الاحوال المضطربة التي رافقت تاميم النفط في ايران في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. ولكن في عام 1949 استطاع ابراهيم مرادي ان ينشا ستوديو للسينما واخرج فلم " قاصم الظهر "، وبذلك تلقت السينما الايرانية دفعة قوية الى الامام . وفي عقد الخمسينيات توسع النشاط السينمائي , ولكن بعد الانقلاب ضد مصدق في عام 1953 اتجهت السينما نحو سينما الرقص والغناء وأضحت تختلف عن المضامين الواقعية التي اعتادت عليها السينما الايرانية في السابق . وكانت الافلم المنتجة هي نسخة ايرانية من الافلام الهندية التي انتشرت في تلك الفترة، خاصة وان هذه الافلام كانت تلقى رواجا كبيرا في الشارع الايراني.

وفي تلك المرحلة برزت نجوم السينما بالشهرة، وبرز يومذاك النجم السينمائي ملك مطيعي ومجيد محسني ومحمد علي فردين . 

وفي اوائل الستينيات راج انتاج الافلام الاجرامية حيث قام المخرج صاموئيل خاجيكيان بانتاج فلم " صرخة في منتصف الليل " و " خطوة نحو الموت ". وبرزت نجوم سينمائية مثل ارمان وايرن وبوتيمار ورضا بيك ايمان وردي وغيرهم . وركزت الافلام الايرانية في تلك الفترة على المواضيع الخيالية التي ليس لها اي اساس واقعي وابتعدت عن الواقعية. واتجه المشاهدون الى مشاهدة هذه الافلام لانبهارهم بها وكوسيلة للتخفيف من مشاكلهم اليومية . وهكذا تم اخراج فلم " كنز قارون " عام 1953 والذي لقي رواجا كبيرا ولعب دورا في تقوية البناء المادي للسينما الايرانية . 

والى جانب هذا النمط من الافلام، بدء بالنمو نموذج جديد من الافلام يرعاه شُلة من المثقفين السينمائيين الايرانيين الذي انهوا دراستهم السينمائية في الخارج، وخاصة في فرنسا واخذوا يضعون الاساس لسينما جديدة في ايران . وكان من ابرز هؤلاء فرخ غفاري وفريدون رهنما، والاخير اخرج فلم " ليلة القوزي " الذي يعبر عن بداية جديدة في السينما الايرانية . ثم قام ابراهيم كلستان باخراج فلم "القش والمرآة "، الذي يعالج مشاكل المحرومين من السكن، وبذلك ركزوا على اهم المشاكل الواقعية في المجتمع الايراني . 

وبرز في قمة هذا الاتجاه افلام انتجت في عام 1967 مثل فلم " الثور " من اخراج داريوش مهرجوئي و" القيصر " من اخراج مسعود كيميائي .

قدم فلم " القيصر " نجما جديدا هو بهروز وثوقي . وعلى الرغم من ان هذا الفلم حافظ على الجانب التجاري ولكن لم يعد بطل الفلم شبيها بـ " علي بي غم " في فلم " كنز قارون ". فالبطل في فلم " القيصر" يبادر الى العمل المباشر ضد الظالمين ويثأر منهم متجاوزا القوانين . ومع ظهور القيصر تغير وجه السينما الايرانية حيث عجت هذه الافلام بالارستقراطيين والحرافيش الذين يعملون على الانتقام منهم . تجار السينما نظروا فقط الى الرواج الذي لاقته مثل هذه الافللام ولم يروا التحول الذي جرى في السينما الايرانية , واكتفوا بالنظرة السطحية من اجل اشاعة ثقافة لا مسئولة وعدمية اي ثقافة الفتوات في المجتمع . الى جانب " القيصر " بدأت تنمو سينما اكثر ثقافة وتلتزم بالادب الايراني . وهكذا جرى انتاج فلم " الثور " المستند على قصة للروائي الايراني المعروف غلامحسين ساعدي . وشارك في الفلم ممثلون مسرحيون بارزون مثل عزت الله انتظامي وعلي نصيريان وبرويز فني زاده وجعفر والي وحتى الكاتب محمود دولت ابادي الذي قام بدور في الفيلم .

وهكذا ومنذ السبعينيات نما اتجاهان منفصلان في السينما الايرانية . الاتجاه الاول يعرف بموجة الحداثة. اما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه التجاري اي بما يعرف بـ "فلمفارسي " .

ان التحولات الاجتماعية وتوسع الانتاج الراسمالي وتوسع المدن والتغيرات السياسية الايرانية وظهور حركات الانصار ادت الى بروز عدة اتجاهات متفاوتة في السينما الايرانية . فمن نهحية كان كل من مسعود كيميائي و امير نادري يوليان اهمية للمردود المالي لانتاجهم السينمائي. وفي الوسط يمكن الاشارة الى داريوش مهرجوئي وخسرو هريتاش، ومقابل هؤلاء وجد سينمائيون آخرون مثل برويز كيمياوي وبهرام بيضائي الذي انتج في اواخر السبعينيات فيلم " سهراب الشهيد الثالث " وهو فن سينمائي مختلف كليا عن الأفلام السابقة، وينطوي على مضامين اجتماعية . وقام آخرون من الذين نشطوا ضمن ادارة تربية الاطفال والفتيان بانتاج افلام لهذا المركز ومن بينهم عباس كيا رستمي الذي لم يكن معروفا قبل الثورة . 

ومع اندلاع الثورة الايرانية وسقوط الشاه، خيم الركود مرة اخرى على السينما الايرانية . ويعود السبب في ذلك الى المواقف المتحجرة للذين استلموا السلطة بعد الثورة . فقد كانوا ينظرون الى السينما خلال عدة سنوات من عمر الثورة على انها ظاهرة معادية للمعتقدات الاسلامية. وعين افراد على راس مؤسسة السينما ممن ليس لهم اية علاقة بهذا الميدان الابداعي. ولكن بعد عدة سنوات، وعلى اثر تخفيف القيود على النشاط السينمائي، بدات السينما الايرانية تعاود نشاطها من جديد . 

لقد ادرك المسؤولون في السلطة على الجاذبية الكبيرة للسينما وارادوا بواسطتها فرض ايديولوجيتهم تحت ذريعة ما يسمونه ب " السينما الاسلامية " . وقد منعوا استيراد السينما الاجنبية، لكي يركزوا على انتاج افلام تتناسب مع موقفه الايديولوجي . الا ان السينمائيين المسلمين الشباب من ذوي الخبرة المحدودة في البداية والذين سايروا السلطة في مخططها في البداية، اخذوا يبتعدون عن نهج الحكام. وهكذا برز سينمائيون مثل محسن مخملباف ومجيد مجيدي والى حد ما ابراهيم حاتمي كيا وآخرون من الشباب المسلمين في بداية الثورة سرعان ما ادركوا وبينوا المزايا السحرية للسينما، وشرعوا بتحرير السينما من الافكار الجامدة . 

ان السينمائيين المنضوين تحت لواء الموجة الجديد، وبعد عدة سنوات من الصمت واللاءات والتردد شرعوا بابداعهم وانتجوا اعمال تليق بهذا الفن. واستطاع هؤلاء العبور من سيف الرقابة الصارم وعبروا عن افكارهم ونقلها الى العالم الخارجي . وخلال تلك السنوات العصيبة، قام السينمائيون الايرانيون بجهد كبير واستطاعوا المشاركة في المهرجانات السينمائية العالمية . 

واستطاعت المرأة الإيرانية العامة في مجال السينما، على الرغم من القيود التي فرضت على النساء بعد الثورة، ان تنشا جيلا جديدا من السينمائيات الايرانيات . 

وهكذا تحولت السينما الايرانية الآن الى قطب من اقطاب السينما العالمية وجرى التعبير عن بجائزة النخلة الذهبية التي حصل عليها كيا رستمي وجائزة الاسد الذهبي التي حصل عليها اخيرا جعفر بناهي في مهرجان فينيسيا . 

وعلى ارضية هذه الجهود , فان الحكام الايرانيون المتعصبون لم يستطيعوا بناء "سينما اسلامية " فحسب، بل وأنهم يتراجعون يوميا عن مواقعهم في هذا الميدان الابداعي .

ان تاريخ السينما الايرانية هو عبارة عن تاريخ مساعي الحريصين على اعلان شاأن هذا الفن ، وهو أيضاً تاريخ آلام السينمائيين الايرانيين .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top