من أين ينبغي أن يبدأ الكاظمي برنامجه الإصلاحي؟

فخري كريم 2020/08/31 09:29:05 م

من أين ينبغي أن يبدأ الكاظمي برنامجه الإصلاحي؟

 فخري كريم

قدم السيد مصطفى الكاظمي في جلسة التكليف البرلمانية، برنامجًا إصلاحيًا موجزًا، طموحًا، حدد فيه ملامح الخطوات العملية للمرحلة الانتقالية، 

ووجد الباحثون عن الأمل المغيب، فيها وما قدمه من التزامات ملموسة لتنفيذها، مساحة للتفاؤل المضيّع طوال سنوات القحط السياسي في الحكومات المتعاقبة.

 وهو ما يمكن أن يداري مواجع العراقيين وفقدانهم الثقة بإمكانية استشراف مستقبل بديل. لقد ظل الشعب العراقي ينتظربحسرة، المرتجى المعاق ليلوذ بساحات الاحتجاج والانتفاضة بحثًا عن وطن وسط جثامين مئات الشهداء وآلاف الجرحى والمصابين.

وكان من حظ السيد الكاظمي، أن المنتفضين استقبلوا ولايته بقدر من التسامح والتفهم للعوامل المقيّدة التي تحيط به. فالآباء المؤسسون للعملية السياسية الطائفية فاقدة الصلاحية، هم أنفسهم أصحاب الولاية، يديرونها كيفما شاءت مصالحهم وأهواؤهم المحاصصاتية، وحيتان الفساد لهم الدور الأبرز في تكييف الولاية، وضبط مساراتها.

فالمصاهرة الكاثوليكية بين الآباء المؤسسين ورموز الفساد، في حالة يقظة دائمة وأسلحتهم مشرعة تراقب كل خطوة خارج سياقات برنامجها وتصوراتها، وتتحرك علنًا وليس من وراء ستار، لتبويش نواياه والحيلولة دون تمكينه من الإقدام على خطواتٍ ملموسةٍ، نوعيةِ، لمعالجة المحاور المشخصة اهتداءً ببرنامجه وما يستلزمه من مفردات تُرتِّب عليه التزامات عملية تدخل في صلب المرحلة الانتقالية.

العراقيون لا ينتظرون من الكاظمي حلولًا سحرية لما ورثه من الحكومات المتعاقبة. لأن مثل هذه المهمة أكثر من عصية مع بقاء منظومة المحاصصة والفساد متسيّدة على المشهد السياسي، والمقيِّدة لأي تحركٍ في المجهول خارج مساحة خارطتها السياسية.

وإذا كانت الانتخابات المبكرة استحقاقًا قائمًا وفقًا للتوقيتات التي وضعها رئيس مجلس الوزراء، فإن عامل الوقت يداهمنا، ولا سبيل لإنجاز استحقاقاتها دون الشروع فورًا بتحديد الآليات اللازمة لتحويلها من مجرد أخبارٍ الى واقعٍ متحرك.

إن تجاوز الأزمة المالية وتداعياتها من تعطيلٍ للمشاريع الستراتجية وتفكيك شبكة المصالح الطفيلية لا يدخل في صلب مهام السيد الكاظمي والمرحلة الانتقالية. بل ما هو آنيٌ على جدول العمل، يتجسد في إنجاز تعديل قانون الانتخابات ودوائرها، وقانون مفوضيتها وإعادة النظر في تركيبتها، بحيث توضع تحت الإشراف المباشر للأمم المتحدة، وبمنأى عن كتل المحاصصة وأحزابها. وتبقى الانتخابات مجرد فصلٍ آخر في مسلسل التزوير والقهر ما لم يبدأ بإجراء انعطافةٍ جذريةٍ على ما هو قائم من منظومات متداخلة تكبح أي تطورٍ في اتجاه التغيير. وتبقى هذه الانعطافة عصيّةٌ ما لم يجر نزع سلاح الميليشيات المنفلتة، وتحويلها الى أحزاب، وليس كما هي عليه الآن خلافًا للدستور ولقانون الانتخابات والأحزاب، ومتقاطعة مع إرادة العراقيين، أحزاب مدججة بالسلاح الفاسد مهيمنة على القرار السياسي، يشكل وجودها في البرلمان ومؤسسات الدولة وأجهزتها السيادية تكميمًا للأفواه ومصادرة لإرادة حتى حلفائها في التجمع الشيعي غير المسلح بالمستوى التنافسي.

وبدون ذلك لا شفاعة للعراق من استشراف مستقبلٍ مغايرٍ يعبر عن إرادته وتطلعات شعبه ولو بالحدود الدنيا.

لقد تجرأ السيد رئيس مجلس الوزراء فأقدم على خطوات إيجابية كانت موضع ارتياحٍ شعبي، أضاءت بعض آمالهم. لكنها تظل هامشية ما لم ترتبط بما هو ملحٌ وآني، بتنظيف البيئة العراقية من أشباح الملثمين والأطراف الثالثة المفضوحة، وخلق حاضنة آمنة لكل مواطنة ومواطن.

ليس بإمكان رئيس مجلس الوزراء اجتراح المعجزات. لكن بإمكانه وضع مجلس النواب المنتَهكة ولايته بالأشباح، وكذلك الآباء والأبناء الفاسدون من قادة العملية السياسية ورموز الفساد أمام المخاطر التي قد تودي بالعراق، وتأتي على ترسانتهم العسكرية وحواضنهم السياسية وامتداداتهم.

ولابد كخطوةٍ أولى، من تشكيل لجنة وطنية عليا تضم الأحزاب والتجمعات والنقابات والجمعيات والشخصيات بمختلف تجلياتها ورجال الفقه القانوني والمثقفين والفنانين ورجالات الصحافة والإعلام غير الملوثين بأدران السلطة والمال السياسي.

الكاظمي أمام تحدٍ لا يقبل المساومة. إما التقدم باعتماد دعم الشعب وساحات نضاله في البلاد، وهي مهيئة لمثل هذا الدور أو إبقاء ذكرى مؤلمة تؤشر إلى مساحة مرسوم فيها بخطٍ كوفي موشّحٍ بالسواد : من هنا مر شابٌ خمسيني، ضاعت معه فرصة الخروج من النفق المظلم...!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top