الخرافات وبناء البلدان..

آراء وأفكار 2020/09/06 06:49:31 م

الخرافات وبناء البلدان..

 سلام حربه

لم تزل الخرافات سارية في التاريخ البشري منذ نشأة الإنسان على الأرض وحتى يومنا هذا والسر في ديمومتها أن معظم هذه الخرافات قد أُلبست لباس الدين وأقحمت في نصوص ( مقدسة ) كما في الديانة الزرادشتية والهندوسية والبوذية وغيرها من الأديان الأرضية أو أن بعض النصوص الدينية في الأديان السماوية قد جرى تأويلها خرافياً، استناداً لدلالات قِبْلية،

لتصبح يقينيات لا يمكن الإقتراب منها والجدل فيها لأن مَن يفكر في هذا الأمر قد يعرض حياته للخطر، فما جاء في هذه النصوص وحسب تفسير العلماء والفقهاء ملزم لكل الشعوب واجب الاتباع والعمل بحذافيره وتسخير كل الامكانيات المادية والبشرية من أجل تحقيقه..الخرافة قرينة الجهل وهي نتاج العقل البدائي، هذه الخرافات التي تجسدت في الأساطير الأولية وتسللت نصوصها الى الديانات الوضعية الأولى وذابت في أسفار الخلق والتكوين وفي كتب هذه الأديان الأرضية ونصوصها وتم رفع خالقي هذه الخرافات الى درجة التأليه والنبوة علماً بأنهم بشر عاديون لكنهم فلاسفة ومصلحون كبوذا وزرادشت وبراهما الهندوس. . أرادو أن يغيروا من نمط الإيمان والتفكير الإنساني وأن يرتقوا بالإنسان ويبعدوه عن الغرائز الحسية واللذات الجسدية والوصول الى الصفاء الروحي وكمال الذات ..المشكلة ليست في هذه الأديان بل في القائمين عليها من كهنة معابد وتجار دين الذين أذاقوا المجتمعات الويلات من محاولات تحقيق البعض من هذه الخرافات وجعلها واقعاً عينياً وإن تطلب الأمر ارتكاب المجازر والفظائع ضد كل من يرادوه الشك في قداسة هذه النصوص أو التنقيب في صدق تاريخيتها أو زمكان حدوثها والجهر بها أو تدوينها من قبل مصلحي أو انبياء تلك الديانات الأرضية. حصلت - وعبر التاريخ - الحروب وأبيدت الأقوام والتجمعات البشرية واستعبدت شعوب من أجل إقناع أتباع ومريدي هذا الدين على صحة البعض من الخرافات وإمكان تطبيقها على أرض الواقع والعيش في كنفها وما تحققة من سعادة ورخاء ومستقبل زائف لشعوبها.. الخطر الأكبر الذي واجهته الشعوب وحتى يومنا هذا هو في نفاذ البعض من هذه الخرافات الى الديانات السماوية لكن ليس بصيغها القديمة ولكن باسلوب حداثي ينسجم مع خطابها المتطور ولغتها البلاغية الرصينة وأسلوبها السردي الشعري للتاريخ وإن لم تظهر على شكل نصوص مستقلة. ونتيجة الإبهام والغموض والترميز في بعض نصوص الكتب المقدسة هذا الأمر شجع الفقهاء والباحثون ورجال الدين أن يؤولوا هذه النصوص وفق منهجهم ويوجدون لها مرجعيات تاريخية وتوظيفها لأغراض دينية وسياسية وأيديولوجية كما حصل في الديانة اليهودية وفي كتاب العهد القديم حين جعلت من اليهود شعب الله المختار ومن حدود مملكتهم الممتدة من أقاصي النيل الى النهر الكبير نهر الفرات، هذا النص الذي يشك بمرجعيته التاريخية ويرتبط اكثر بالحركة الصهيونية العنصرية التي حاولت عقلنة خرافته وجعله مقبولاً في الوجدان اليهودي. ما زالت شعوب العالم ومنطقة الشرق الاوسط تدفع أثماناً مضاعفة من حياتها ووجودها واستقرارها ومستقبلها الاجتماعي والسياسي لأن المؤامرات والحروب والاغتيالات وشراء ذمم الأنظمة السياسية قائم على قدم وساق من أجل تحقيق هذا الحلم الأسطوري وجعل مملكة إسرائيل وحدودها التي يدعون وجودها في التوراة أو كتاب البيبل حقيقة واقعة، لكن هذا الحلم العنصري لا أساس تاريخي له فقط يتنمر في العقل الصهيوني والذي حاول، منذ مئات السنين، توفير الموارد المالية الضخمة وجلب أقوام غريبة لا علاقة لها عرقياً باليهود وإسكانهم في أرض فلسطين واستغلال كل إمكانيات الغرب وامريكا الرأسمالية وهيمنتهما على سياسات واقتصاد البلدان من أجل تحقيق هذا الحلم العنصري ودفع العالم كله في آتون المحارق والحروب وإذاقة شعوب المنطقة العربية الويلات والقتل الجماعي ومنذ أكثر من قرن من الزمان. لكن سيصحو يوماً هذا العقل المريض وهذه النزعة العدوانية للامبريالية وحليفتها الصهيونية العالمية من أن هذا الوعد مجرد خرافة لا وجود لها إلا في عقولهم الفصامية، وتنقشع الغشاوة عن عيون اليهود الفقراء المساكين ويعرفوا، بعد فوات الأوان، إن كل ما حدث لهم من دمار وخسائر وللبشرية جمعاء لم يكن نصاً مقدساً بل كلام أجوف استثمره العقل الصهيوني من أجل توسيع أطماعه وتحقيق المصالح العنصرية والفئوية والحزبية..هذا الأمر حصل أيضاً في الديانة المسيحية حين حاول بابوات هذا الدين أن يحكموا العالم وفق نصوص العهد الجديد ونصبوا الملوك الأتباع وأقاموا المحاكم الدينية وقطعوا الرؤوس وشنو الحروب ضد كل من يقف ضد عقيدتهم التبشيرية سواء من نفس الدين ومذاهبه المتعددة أو من يحاول أن يسفّه أفكارهم وتصوراتهم المرضية ووقفوا ضد كل منطق علمي كعقوبتهم لغاليلو الذي حاول أن يثبت كروية الأرض التي تتقاطع مع معتقداتهم وجهلهم العلمي فلقي أسوأ مصير. فقهاء المسيحية حاولوا أن يجعلوا من الخرافات حقائق حياتية فكان مصيرهم الفشل والاندحار أمام منطق الثورة العلمية والصناعية التي تفجرت في أوروبا قبل قرون مع اختراع الماكنة البخارية وقفزات العلم المذهلة ما أجبر الكنيسة وعقلها القاصر الى الانزواء والانكفاء على ذاتها لأن أسلحتها لم تعد صالحة لمقارعة منطق العلم وأسلوبه التجريبي ومبدأ الشك والنسبية وفرضيات العلم قوانين لها، لكنها لم تلق بكامل أسلحتها فما زالت تعتبر النظام الرأسمالي وفلسفته المثالية وعولمته التي سنّها من صلب الديانة المسيحية عونا لها في مقارعة العلم وثورته التكنولوجية التي أذهلت العقل البشري..أما في الإسلام فما زالت مجتمعاته عناوين للجهل والتخلف والحياة فيها بربرية بدوية خرافية من تدني سبل العيش الكريم وتفشي الأمية وخراب الحاضر والعيش في الماضي ورفض فتح صفحة المستقبل..من يوم ظهور الاسلام قبل أكثر من الف واربعمئة سنة كدين أصلاح وحداثة مجتمعات والمحاولات مستمرة منذ ذلك التاريخ من أجل حرف هذا الدين عن رسالته الإنسانية والأخلاقية ومحاولة تخريبه من الداخل، الحقد والكراهية من البلدان التي فرض عليها الاسلام عنوة، فظهرت العديد من الجماعات والتيارات والمدارس الاسلامية والمذاهب التي حاولت أن تكون بديلا عن الدين الاسلامي ونجحت في ذلك كل النجاح بحيث أن من ينظر الى الدين الان لن يتعرف عليه ولا يجد فيه الا التأويلات المرضية الغريبة لنصوصه المقدسه وزحفت اليه نصوص الديانات الأرضية من زرادشتية وعودها الأبدي والعادات والعبادات البوذية والهندوسية وبدل منطقه العلمي إمتلأ بالحكايات والنصوص البديلة الساذجة والطقوس الغريبة والشرك والوثنية وعبادة الشخوص والأصنام وما السلفية والقاعدة وداعش إلا الوجه الخرافي الذي لبسوه وادعوا أنه الإسلام الحقيقي، والإسلام منهم براء، معتمدين في ذلك الى فقهم وتأويلاتهم وشروحهم وأوهامهم فظهرت الى الوجود ما يسمى بدول الشرع الإسلامي كما في افغانستان طالبان او حكومات إخوان المسلمين في مصر والمغرب العربي أو ما حصل في العراق ما بعد 2003 وسقوط البلد بيد الاحتلال الامريكي وظهور القاعدة والحركات السلفية الدموية وآخرها تنظيم داعش الذي قتل مئات الإلوف من البشر وسبى النساء وخرب المدن العراقية التي احتلها عام 2014 والتي أدعى أنه سيعيد الخلافة الاسلامية وكان سلوكه وحشياً همجياً دموياً فتك بالصغير والمرأة وكبير السن وكل هذا، كما يصرحون، باسم الإسلام ورسالته الأولى. اسلامهم هذا تحول، بسبب عقلهم الأسطوري الخرافي، الى دين إرهابي ما زالت البشرية تدفع يومياً الخسائر البشرية والمادية ويشكل تهديداً للحياة والوجود في هذا العالم..الديانات السماوية جاءت لتتمم مكارم الأخلاق وتبني روح الإنسان وتدعم الخير والفضيلة، ومن يبحث في نصوصها يجد أنها لا تحتوي على انظمة سياسية لبناء البلدان بل أن هذه الاديان تديم الجانب الروحي النفسي الأخلاقي للمجتمعات وتقوي النظام السياسي الاقتصادي السائد ولا تكون بديلاً عنه لأن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. من يحاول أن يستعير بعض النصوص ويمنحها بعداً لا منطقيا لبناء بلد ما فمصيره الفشل مهما جند من طاقات بشرية وإمكانيات مادية وعقل عنصري إجرامي لأن الواقع متغير كل يوم والنصوص الدينية يقينية ثابتة تحتاج الى عقل إنساني متحضر حتى يجعلها منسجمة مع الواقع اليومي الجديد لا عقل متخلف يحرفها عن رسالتها الإنسانية..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top