نشيد وعلم وعيد وطني ..؟!

آراء وأفكار 2020/09/09 06:36:46 م

نشيد وعلم وعيد وطني ..؟!

البحث عن اليوم المجهول في حكم الانتداب والحصون

 حسين رشيد

بعد نيسان 2003 وسقوط النظام السابق وبعد فترة قصيرة تم الاتفاق على أن يكون نشيد (موطني) العربي كنشيد مؤقت لجمهورية العراق، فيما بقي العلم على حاله فقط تم تغيير عبارة (الله اكبر) وجعلها بالخط الكوفي بدلاً من خط صدام، وتم حفظ الموضوع في أدراج الكثير من الساسة ورجال الدين، إذ حرص كل طرف منهما على إرضاء الطرف الآخر وخاصة في موضوع إبقاء عبارة (الله اكبر)

والتي ابتكرها صدام إبان الحملة الإيمانية التي أطلقها منتصف التسعينيات والتي كانت سبباً في ظهور التيارات الدينية المتشددة والوهابية، والتي فتحت الباب أمام تداول كتب بن لادن وغيره من كبار الارهابيين بشكلٍ علني في الشوارع والمكتبات.

عملية الإرضاء بين الطرفين استمرت، الساسة يريدون من رجال الدين إبقاء الناس على ما هم عليه من انتماء وانقسام طائفي وخوف على المذهب، ورجال الدين ينظرون الى الأموال السابحة في فضاء الساسة والمسؤولين والتي أخذت تطفو في أيدي رجال الدين من كل حد وصوب.

مع كل دورة انتخابية تتبنى لجنة الثقافة والإعلام النيابية موضوع النشيد الوطني والعلم العراقي، وتُشكل لجاناً فنية وأدبية لاختيارهما، حتى أن هذه اللجان تأخذ الأمر بشكل جدي، وتعقد اجتماعات وتختار القصائد وتعلن عن مسابقات لتصميم العلم العراقي وعن مبلغ الجائزة، ويشرع الفنانون بالتصميم وشرح الألوان وبعد أن ينتهي التقديم تأخذ التصاميم وتخزن في مكان ما ، إذا لم تُهمل أو تُرمى، ويبقى العلم "علم" البعث والنشيد "نشيد" (موطني) فيما تغط لجنة الثقافة والإعلام في سبات عميق طوال الدورة الانتخابية دون أي نشاط أو حراك او اهتمام بما كلفت بها من مهام وواجبات.

في الدورة البرلمانية السابقة حاولت لجنة الثقافة والإعلام اختيار نشيد وطني لكنها لم تكن مهنية الأمر الذي تسبب بخلاف مع اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الذي رشح قصيدة للجواهري ومنظمات ثقافية أخرى بل حتى أن الكثير من المثقفين والأدباء رفض مشروع لجنة الثقافة والإعلام في حينها، علماً أن ذات اللجنة لم تفكر بما هو أهم من النشيد والمقصود العلم العراقي الذي يرفع في كل أرجاء البلاد وفوق سفارات العراق في العالم، ومكاتب الأمم المتحدة وكل المنظمات الدولية التي يحمل العراق فيها صفة العضو.

بين آونة وأخرى يُعلن عن تصميم لعلم عراقي جديد ويتحول الى نقاش وسجال عبر مواقع التواصل الاجتماعي وكل شخص يدلو بدلوه ، إذا كان من أهل الاختصاص أو من عامة الناس ممن لاعلاقة لهم بالتصميم ورمزية اللون وابعاده التاريخية، رويدا رويدا يختفى العلم وتختفي الصفحات التي روجت له إن كانت خاصة أو حكومية، والأمر ذاته مع موضوع النشيد الوطني الذي هو الآخر أخذ جدلاً واسعاً دون أن يحسم بشكل نهائي فالأمر هنا خاضع لمجسات السياسة وطوائفها التي لاتقبل بعلم يمثل العراق وحده ولاترضى بنشيد وطني دون الاتفاق على الشخصيات المنفذة فالذي يبدو أن كل طائفة وقومية تريد لها ممثلاً في تنفيذ العلم والنشيد الوطني ورمزاً يشير لها.

قبل أيام تبنت وزارة الثقافة موضوع العيد الوطني للبلاد واختارت يوم الثالث من تشرين الأول 1932 أن يكون عيداً وطنياً مبررة الأمر أنه يوم متفق عليه دون بقية الأيام والأعياد والمناسبات مثلما بين ذلك وأكده السيد وزير الثقافة والسياحة والآثار د. حسن ناظم دون أن يبين كيف أنه يوم متفق وألية الاتفاق ومع من تم التشاور والتباحث بهذا الشأن المهم. إذ إن من المفترض أن يكون العيد الوطني اليوم الذي يعبر عن مرحلة انتقالية مهمة في حياة الشعب معبرة عن طموحات الناس وتكون واضحة المعالم والدلالات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية وليس مرحلة تعد إشكالا تاريخياً سياسياً كبيراً خاض فيها الشعب وقواها الوطنية نضالاً طويلاً ضد حقبة حكم عليه ما عليه من مؤشرات إذ يكفي إحصاء عدد التظاهرات والانتفاضات والحركات الاحتجاجية ضد الحكم الملكي كي يتبين لنا ماهية تلك المرحلة التي يراد أن يكون أحد أيامها عيداً وطنياً للبلاد. فخلال تلك الفترة استقالت الحكومة قرابة 40 مرة نتيجة التظاهرات والاحتجاجات على السياسيات المتبعة من قبلها.

بالعودة الى التاريخ الثالث من تشرين الأول 1932 والذي يجهله أغلب أبناء الشعب تقول وزارة الثقافة إن هذه اليوم هو إعلان دخول العراق على عصبة الأمم المتحدة وحسب مراجعة المعاهدة التي نصت على عقد حلف أمده 25 عاماً بين العراق وبريطانيا، وبالمقابل تعهدت بريطانيا بتأييد دخول العراق الى عصبة الأمم سنة 1932 مع إعلان استقلال وانتهاء مسؤوليات الإنتداب البريطاني فيه بدءاً من دخول العصبة. هذه المعاهدة جوبهت بالرفض كبقية المعاهدات السابقة من قبل الحركة الوطنية والشعب العراقي، على اعتبار أنها قيدت العراق بشروط تناقض الإستقلال التام الذي كان مطلوباً، وأن بريطانيا احتفظت بموجبها بإمتيازات ومصالح عديدة تعارض كرامة البلاد واستقلالها، فقد سمحت المعاهدة إبقاء القواعد البريطانية في الأراضي العراقية، حصانة كاملة للقوات التي يسمح لها التنقل في أرجاء البلاد، كما يسمح لقوات أخرى عبور الأراضي العراقية والتوجه الى أي صوب (اين الاستقلالية بالموضوع)، أما في السياسية فقد بينت أنه ستتم هناك مباحثات بين الطرفين ويتم تبديل المندوب السامي الى سفير، لكن كان في الاسم فقط، وما حدث بعد حركة رشيد عالي الكيلاني 1941 وكيف استخدمت القوات البريطانية القوة المفرطة في تدمير قطعات الجيش العراقي المشاركة بالحركة والإبقاء على الحكم الملكي فهو خير دليل على شكل تلك المعاهدة.

دافع نوري السعيد (رئيس الوزراء) آنذاك عن المعاهدة ورد على آراء المعارضة بالطريقة التي كانت الحكومة تتعامل بها وقتها والتي لاتخلو من عنجهية وتعصب. وإثر ذلك قامت حكومة نوري السعيد بحل مجلس النواب تمهيداً لانتخاب مجلس جديد يعهد إليه أمر التصديق على المعاهدة وهذا الأمر حتماً لن يتم دون مساعدة المندوب السامي البريطاني حينها وهذا دليل آخر على رفض تلك المعاهدة من قبل القوى الوطنية واشكالية هذه اليوم. 

شكل السعيد حزباً برلمانياً اسماه (حزب العهد العراقي لإسناده في مجلس النواب وتمرير المعاهدة، وأصدر جريدة (صدى العهد). وعرضت حكومة "نوري السعيد" المعاهدة على مجلس النواب بجلسته المنعقدة في 16 تشرين الثاني 1930 لمناقشتها واقرارها. ورغم اختلاف النواب إلا أن حزبه الذي أسسه "العهد العراقي" وأعضاءه اعتبروها "جيدة وفيها نفع للبلاد" وأنه طالما "أن العراق كان ضعيفاً فعليهم القبول بالمعاهدة" و"عندما نصبح أقوياء فبإمكاننا أن نمزق المعاهدة". علماً أن المفاوضات العراقية – البريطانية لعقد المعاهدة بدت في 2 نيسان 1930 واستغرقت حوالي ثلاثة أشهر منتهية بإتفاق الطرفين على صيغة معاهدة جديدة في 30 حزيران 1930 نشر نصها في الصحف العراقية يوم 19 تموز 1930. ونصّت المعاهدة على عقد حلف أمده 25 عاماّ بين العراق وبريطانيا، وبالمقابل تعهدت بريطانيا بتأييد دخول العراق الى عصبة الأمم سنة 1932 مع إعلان استقلال وانتهاء مسؤوليات الإنتداب البريطاني فيه بدءاً من دخول العصبة. وليس من الصعب مراجعة بنود الاتفاقية أو معرفة أي تفاصيل عنها بضغطة زر على البحث في السيد (كوكل) الذي لن يبخل بشيء .

تعليقات الزوار

  • غياث أنور

    مقال مهم جداً

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top