كيف نؤسس عيدنا الوطني؟

آراء وأفكار 2020/09/13 05:51:54 م

كيف نؤسس عيدنا الوطني؟

 علي المدن

في ندوة إلكترونية أقامتها وزارة الثقافة شارك فيها مجموعة من الباحثين العراقيين حسمت الوزارة قرارها باختيار يوم الثالث من تشرين الأول لعام 1932، وهو تاريخ انضمام العراق لعصبة الأمم، عيداً وطنياً للدولة.

ومع أن المعلومات المؤكدة تقول إن ملف تحديد "عيدٍ وطني" للبلاد كان مطروحاً في أروقة رئاسة الوزراء منذ وقت ليس بالقصير، وإن إعادة إحياء هذا الملف سبقت تسلم الدكتور حسن ناظم لحقيبة وزارة الثقافة إلا أن ما يحسب للدكتور حسن أنه من دفع به للواجهة؛ وَإِنْ في مسارٍ جديدٍ مُخْتَلفٍ عليه.

المقترح عرض على مجلس رئاسة الوزراء ووافق عليه المجلس ثم أحاله بدوره إلى البرلمان للتصويت عليه. منذ تلك اللحظة والموضوع مثار نقاش لدى شرائح واسعة من المجتمع العراقي ، وصل الحد ببعضها إلى الاعتراض على طريقة تعاطي الوزارة مع هذا الموضوع واتهامها بالتقصير في عدم عرض القضية على الرأي العام، وأن ذلك حال دون تمكين بقية العراقيين، ولاسيّما المثقفين الآخرين الذين لم يشاركوا في تلك الندوة، من الإدلاء بآرائهم ووجهات نظرهم. معطيات من داخل الاجتماع الوزاري تقول إن اختيار هذا اليوم لم يكن محل اتفاق من قبل الجميع وأن عدم الاعتراض عليه علناً في الصحافة ووسائل الإعلام لا يعني قبول الكل به بقدر ما هو سلوك تضامني حكومي في عدم إظهار الخلاف والتباين في عمل هذا الفريق. 

من أجل الوقوف على مقاربة أخرى لهذه القضية أرى من المناسب السؤال عن فلسفة اختيار يوم معين عيداً وطنياً؟ ما هي أهدافه والغاية منه؟ وما هو المعيار أو الإطار المرجعي الذي نختار هذا اليوم على أساسه؟

العيد الوطني هو مناسبة رسمية عامة (للدولة والشعب معا) يعبّر فيه المحتفلون عن احتفائهم ببلدهم ومكانته التاريخية ودوره المنتظر في المحافل الدولية. ومع أنه يغطّي حاجة برتوكولية للدولة في مجال العلاقات الدولية من أجل تبادل التهاني وإظهار حُسن النوايا والرغبة في تطوير العلاقات إلا إنه يمثّل على المستوى الداخلي، وهذا هو الأهم، نحواً من "الحلم"!! حلم سياسي / ثقافي يستجيب لمشاعر الفخر لدى المواطنين بماضيهم، يعزز من هويتهم الوطنية الحالية ويلهمهم العمل والإبداع فيما يجب أن يكون عليه بلدهم في المستقبل. بعض الدول (كبريطانيا) لا تملك يوماً "رسمياً" كهذا!! ولكنها تملك في المقابل مناسبة داخلية ترمز إلى ذلك اليوم وتسد الحاجة لما يعنيه من مفاهيم ودلالات! (بالعودة إلى المثال البريطاني يمثل يوم ميلاد الملكة رمزاً لهذه المناسبة يحتفل فيه البريطانيون) .

هكذا نعرف أن هذه المناسبة تعبير آخر عن مفهوم النظام السياسي الحاكم، ومعناها الرمزي يُكمّل، بجواز علَم البلاد ونشيدها الوطني،. فلسفة الدستور، والجميع يخلص ما يقال عن الهوية الوطنية والانتماء للوطن.

التقليد السياسي الشائع (وأمامي الآن قائمة بعشرات الأعياد الوطنية لدول العالم) يؤسس هذا اليوم على حدث مرتبط بالتاريخ السياسي الحديث لتلك البلدان، والأغلب أن يكون يوم الاستقلال أو الاتفاقيات التي أفضت إليه، ولعل ذلك هو ما دفع وزارة الثقافة إلى اختيار الثالث من تشرين الأول لعام 1932 عيداً وطنياً. وهو دون أدنى شك مناسبة تستحق الاعتزاز والاحترام (وَإِنْ جادل البعض بأن السيادة في ذلك اليوم كانت منقوصة باتفاقية مجحفة)، إلا أن السؤال الأهم هنا هو: هل هذا التقليد السياسي ملزم للجميع؟! هل يتعين علينا كعراقيين أن نحذو حذو تلك الدول أو أن الأفضل لنا البحث عن أنموذجنا الخاص بنا، وفقاً لاحتياجاتنا الخاصة ؟ ولماذا؟

هناك ثلاثة محدِدات تنبع من خصوصيات العراق (السياسية) و(الثقافية / الحضارية) و(الجيوسياسية) تدفعنا إلى عدم التقيد بأي تقليد سياسي متداول وضرورة أن نصنع أنموذجنا الخاص المناسب لنا. هذه المحددات يجب أن تجتمع معا في العيد الوطني، وهي:

1. تنوعنا الديني والإثني وتعقيد مشهدنا السياسي، فلا يمكن أن نختار يوماً أو حدثا يسيء إلى هذا التنوع أو ينحاز إلى طرف فيه دون آخر.

2. إرثنا الحضاري الرافديني الغني الذي يشكل ذاكرة العراقيين حول ذواتهم ومكانتهم في التاريخ ودورهم الخلاق فيه. 

3. تناقضات المنطقة السياسية ومحاولات الجميع للسيطرة على سرديات التاريخ القديم والبحث عبر ذلك عن القوة والنفوذ والهيمنة مع الازدراء السياسي لتاريخ الآخر. 

إن المطلوب من العيد الوطني أن يستجيب إلى هذه المحددات ( التحديات الثلاثة) ، وأن يزيد من لحمة العراقيين كشعب ويشدهم إلى دولتهم المعاصرة ويغذي فيهم الانتماء إلى تاريخهم القديم. هذا العيد لا يغطّي احتياجاتنا البروتوكولية في الداخل والخارج فقط بل ويحفظ لنا مكانة العراق الدولية ويحمي خصوصيته في محيطه الإقليمي. عيد يليق بإرث العراق الحضاري الأكبر من العراق السياسي بحدوده المعترف بها حاليا.

كل عيد وطني هو تموضع في التاريخ! (التاريخ الذي هو مادة الصراع والنفوذ في المنطقة)، والعراقيون حين يختارون عيدهم الخاص لا يحجزون مقعدهم في التاريخ القديم فحسب بل والتاريخ الحاضر أيضاً. إن هذا العيد هو إعادة تأويل للسردية السياسية التاريخية الصالحة لنا كجماعة. يمكننا أن نقطع صلتنا بتاريخ المكان وجماعاته البشرية وثقافاته التي اندمجت مع بعضها البعض عبر آلآف السنين لتصنع ما يسمى اليوم بالعراق والشعب العراقي أو أن نرتبط بكل ذلك. لا شيء في سلوك الدول وممارساتها السياسية في اختيار أعيادها الوطنية ما يلهمنا في ذلك! لأن تلك الدول تختلف عنا إما في الإرث الحضاري وإما في تناقضات المنطقة التي تعيش فيها. 

ليس هذا الذي نقوله مجرد افتراض بلا معطيات! فإحدى مكتسبات ثورة تشرين أنها تعبير ثوري عن تلك المحددات الثلاثة (الاحتفاء بالتنوع، والشغف بالتراث الرافديني، والإحساس بتميز الهوية الوطنية في مقابل المشاريع السياسية الاندماجية المشبوهة التي تذيب العراق في مرجعيات لا تنتمي إليه أو لا تخدم مصالحه). 

ما أوضحه الشباب المحتج هو عقم التفكير الطائفي والإثني والمناطقي والحزبي وغيرها من الانتماءات الضيقة، ميّزوا أنفسهم عن الجميع (مشاريع القوميين العرب والكرد والتركمان وغيرهم. مشاريع الإسلاميين الشيعة والسنّة. مشاريع اليساريين .. إلخ) ولم يبقوا إلا العراق وتراثه! عبّروا عن ذلك بالكتابة المسمارية وبرمزية الثور المجنّح وصور آشوربانيبال وغيرها. اليوم الوطني كما نتخيله ينبغي أن يتوافق مع رغبات هؤلاء الشباب وزخم ثورتهم.

إن التفكير بمناسبة مرتبطة بتأسيس العراق الحديث والنقاش حول معنى الشعب والأمة والدولة في الأدبيات السياسية قد يبدو حديثا أكاديمياً ولكنه لن يكون بالضرورة ملبياً لاحتياجات الشعب والدولة العراقيين ، القاموس السياسي للعلوم والممارسة السياسية للدول لا تستجيب لتحديات الهوية الوطنية في محيطها الإقليمي حتى وإن تشبث أصحابها بدعوى التماسك الأكاديمي والتجارب الدولية. 

بالعودة إلى مقترح وزارة الثقافة (3 / تشرين الأول / 1932) علق أحد كبار المثقفين العراقيين بكلمة بليغة يقول فيها: (إنه تاريخ لا يرتقي لمصاف عيد يليق بهيبة هذه الأرض وكبرياء أهلها. لا رموز مشتركة ولا مخيال متقاسم، ولا عمق تاريخي. كيف يمكن القبول بتاريخ تعسفي مقحم لأرض ووطن أوجد الكتابة وأعطى تقريباً كل شيء حاسم للبشرية؟ نحن أمام عملية إعادة كتابة تاريخ بأدوات أيديولوجية آنية. إنها لحظة ملتبسة، وليس عيداً وطنياً جامعاً للتعدّدية العراقية وتاريخها الثر. إنها فرصة ضائعة أخرى في سلسلة الضياع العراقي المؤسف) .

مع هذه العبارة الفخمة أذكّر بالسؤال المركزي الذي وضعناه عنواناً لهذه السطور (كيف نؤسس عيدنا الوطني). يفترض بِنَا، بناء على ما تقدم، التفكير بيوم يليق بـ(هيبة هذه الأرض وكبرياء أهلها) نختاره من إرثنا الرافديني الجامع لكل العراقيين. قد يكون (وهذا مجرد مقترح شخصي لبدء النقاش) عيد العراقيين القدماء في الأول من نيسان "أكيتو" أو لحظة اختراع الكتابة أو تدوين ملحمة كلكامش أو مسلة حمورابي القانونية أو تأسيس بابل ... إلى آخره (بعض هذه المناسبات تحتاج إلى رأي الاختصاصين حول تحديدها زمنها الدقيق) .. كل هذه المقترحات واعدة وثرية ومهيبة. المهم أن نصنع عيداً لا يخرق المحددات التي تقدمت الإشارة إليها، وهذا مسعى قد لا يخلو من متاعب (وعلى خلفيات وأجندات شتى) إلا أن وجود المتاعب ليس أمراً سلبياً دائماً، المهم أن نعرف ما يستحق العمل من أجله ونفتح النقاش العام، وبين النخب المثقفة، على أوسع نطاق .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top