تحولات فايروس كورونا الجديدة.. هل هي أقل ضراوة؟

تحولات فايروس كورونا الجديدة.. هل هي أقل ضراوة؟

 ترجمة/ المدى

لايزال المصدر الدقيق لفايروس كورونا سارس كوفيد 2 المنتمي الى وباء كوفيد 19 والمسبب للوباء الحالي الذي عطل مجتمعاتنا منذ بداية العام غير معروف،

ومع ذلك، يتفق الخبراء على انه ربما انتقل الى البشر عن طريق الحيوانات، فقد تم بالفعل تحديد الفايروسات المتسببة بالمرض في بعض الخفافيش وكذلك في حيوان آكل النمل، فالتحول من نوع حيواني الى آخر ليس بالأمر السهل، فهو ينطوي على تغيرات في أجزاء معينة من الفايروس مثل تلك التي تسمح له بدخول الخلايا لإصابتها بالعدوى..

وتنتج هذه التحولات عن تعديلات في مادتها الوراثية، كما تسمح هذه التحولات للفايروسات التي غيرت مضيفها بالتكيف تدريجيا مع "موطنها" الجديد، وهو جسم الانسان في حالة سارس كوفيد 2، فما الذي نعرفه عن التحولات التي اصابت فايروس كورونا منذ بداية الوباء؟ هل جعلت الفايروس أقل ضراوة كما يؤكد البعض؟ وهل هناك حالات عزل مختلفة بالنسبة لـ(سارس كوفيد 2) عما هو متداول حاليا، وما الذي نعرفه عن هذه السلالات المختلفة لفايروس كورونا؟

سارس كوفيد 2 يتحور ويتكيف 

بعد دخولها إلى خلايانا بنجاح، تقوم الفايروسات بالاستعانة بآلياتها عادة لصنع مكونات خلوية واستخدامها لعمل نسخ متماثلة متعددة لها، وهذه النسخ ليست مثالية دائما، اذ تختلف مادتها الوراثية أحيانا عن المادة الوراثية للفايروس الاصلي، ولهذه التغييرات المختلفة في أهميتها عواقب متعددة، ففي حين ان البعض قد يكون غير فعال، فأن البعض الآخر قد يغير من ضراوة الفايروس، او قدرته على العدوى..

وتلعب الطفرات أيضًا دورًا في كيفية تكيف الفايروسات مع مضيفها الجديد عندما تصيب نوعًا جديدًا. ويعتبر فايروس كورونا OC43 مثالًا على آلية التكيف هذه. فقد انتقل هذا الفايروس، الذي أصاب الماشية في البداية، إلى البشر في نهاية القرن التاسع عشر. تكيف معهم واستمر في الانتشار هناك منذ ذلك الحين مسببا نزلات البرد لدى البالغين والأطفال. وحتى الآن، لم نتمكن أبدًا من دراسة الآليات التي قد تنتج عن تكيف فايروس كورونا مع مضيف جديد. وفي الواقع، وحتى ظهور فايروس سارس كوفيد2، لم تكن هناك أمثلة حديثة بما فيه الكفاية لظهور فايروس لاحق متداول بشكل هائل بين السكان. ومن الواضح أن الوضع الحالي يغير الأمور لذا سوف ندرس بعناية ما يحدث مع هذا الفايروس التاجي، ولكن في الوقت الحالي ليس لدينا ما يكفي من الإدراك لاستخلاص أي استنتاجات.

تحولات إنزيمية 

تسمى الإنزيمات المسؤولة عن استنساخ المادة الجينية للفايروسات بـ"النسخ المتماثلة". وهذه مسؤولة بشكل رئيس عن تنوع الفايروسات ودقة النسخ الخاصة بها. وتسمى النسخ المتماثلة لفايروسات الحمض النووي أيضا (بوليميرات الحمض النووي) وهي دقيقة للغاية فهي ترتكب أخطاء قليلة عند نسخ المادة الوراثية، لذلك فإن هذه الفايروسات لها تسلسل وراثي مستقر للغاية ويختلف قليلًا، مما يعني أن هذه الفايروسات تتغير قليلًا عبر الأجيال.

من ناحية أخرى، فإن النسخ المتماثلة لفايروسات الحمض النووي ليست دقيقة جدًا بشكل عام. وغالبًا ما ترتكب الفايروسات أخطاء عند عمل النسخ، ويمكن أن تؤدي أخطاؤها إلى حدوث تحولات، لذا فأن هذه الدقة الضعيفة لبوليميرات فايروسات الحمض النووي هي سبب التباين الكبير جدًا لفايروسات مرض نقص المناعة البشرية والإنفلونزا، على وجه الخصوص.

ومع ذلك، تُعد فايروسات كورونا استثناء، لأن مادتها الوراثية مستقرة نسبيًا (بالنسبة لفايروسات الحمض النووي). ويرجع ذلك إلى وجود بروتين "اضافي" قادر على تصحيح الأخطاء التي تسببها النسخة المتماثلة أثناء النسخ. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن هذا البروتين الإضافي يجعل الأمور أفضل، إلا أنه لا يمنع الأخطاء تمامًا. فمنذ بداية وباء سارس كوفيد 2، فحص علماء الفايروسات تسلسل المواد الوراثية للفايروسات المنتشرة في مناطق مختلفة من العالم، بحثًا عن التحولات التي من شأنها تعديل العدوى (عبر تحديث تقني صغير: وذلك بعزل فايروس تم الحصول عليه من عينة سريرية، أي مأخوذة من مريض. ثم زراعة هذا الفايروس في المختبر، للتمكن من تحليل تسلسله الجيني لتمييز خواصه.

تعقب الفايروسات المتحولة

في بداية آذارعام 2020، اكتشف المتخصصون تحولات تؤثر على التسلسل الجيني الذي يستخدمه فايروس كورونا لإنتاج أحد بروتيناته، وهو بروتين سكري سبايك (أو إس). هذا بمثابة "مفتاح" الفايروس لدخول الخلايا البشرية التي يصيبها. وتسمى هذه الطفرة D614G، وهي تزيد من قدرة سارس كوفيد 2 على إصابة البشر. وبالتالي، فإنه يعطي للفايروسات التي تحمله ميزة على الآخرين. وهذا ما يفسر لماذا أصبح الفايروس المتحول، بشكل تدريجي، خلال شهر آذار2020 ، هو الغالب، ليحل محل الفايروسات التي لم تحمل هذه الطفرة المفيدة. ومع ذلك، لم تظهر أية دراسة حتى الآن، أن هذا التغيير له تأثير على شدة العدوى.

في الآونة الأخيرة، تم رصد تحولات أخرى من قبل الدول الآسيوية. كما ظهرت طفرات أخرى في المادة الوراثية لسارس كوفيد وتم رصد أكثر من مئة طفرة، ولكن يبدو أنها أقل انتشارًا في الوقت الحالي، حيث يتم رؤيتها فقط على نسبة قليلة من متواليات المواد الفايروسية التي تم نشرها حتى الآن. وعواقبها المحتملة على تكاثر الفايروس أو العدوى غير معروفة.

الفيروس يتطور

وتظهر هذه النتائج، كما هو متوقع، أنه أثناء انتشاره بين البشر، يتطور فايروس كورونا، تعد مراقبة تقلباته جزءًا أساسيًا من إدارة مسيرة الوباء فهو لا يساعد فقط في توضيح كيف يتسبب كوفيد 19 في إصابة الأشخاص بالمرض، ولكنه يساعد أيضًا في فهم كيفية استجابة البشر للعدوى. ويُعد قياس هذا التباين أيضًا أمرًا محوريًا في سياق أبحاث اللقاحات، لا سيما فيما يتعلق بالتعديلات التي يخضع لها البروتين السكري، وهو أحد الأهداف الرئيسة للقاحات المرشحة. اذ تتطلب هذه المراقبة تسلسل المادة الوراثية سارس كوفيد 2، ووجود فرق تجمع بين مهارات علماء الفايروسات وعلماء المعلومات الحيوية لتفسير البيانات.

لسوء الحظ، يتعين على العلماء مواجهة العديد من العقبات، فأجهزة التسلسل عالية السرعة، التي تجعل من الممكن "قراءة" المادة الوراثية للفايروس، باهظة الثمن، ويتطلب تسلسل المادة الوراثية الكامل لفايروسات كورونا تقنية معينة وميزانيات كبيرة، وقد يستغرق تحليل البيانات وقتًا طويلًا للحصول على نتا ئج قوية وحاسمة، لذا يعد الاهتمام بهذا المجال والاحاطة به ضروريان لسياسة الصحة العامة وشأنا يستحق المزيد من التفكير في جميع البلدان..

د.آن جوفارد / بروفسور في جامعة ليل الفرنسية

عن موقع كونتربوا الفرنسي

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top