لا ربيع عربي ولا مَن يحزنون

آراء وأفكار 2020/10/12 06:33:30 م

لا ربيع عربي ولا مَن يحزنون

 هشام صالح

هلّل الكثيرون للربيع العربي وعلقوا عليه الآمال وأنا من بينهم من دون أنْ يدركوا أنه قد يكون انفجاراً شعبوياً ضخماً ولكنه بالقطع ليس ربيعاً فكرياً ولا تحريرياً. والدليل على ذلك أنه أسفر عن سيطرة الإخوان والسلفيين على الشارع في كل مكان.

فهل الأصولية الدينية هي ربيع فكري؟ هل التراجع إلى الوراء هو تقدم إلى الأمام؟ لكن متى سيحصل الربيع الفكري وتالياً السياسي للعرب؟ ليس في المدى المنظور على ما يبدو. وهنا يكمن المشكل الأساس. ذلك أن من يقرأ بحر المقالات المتدفقة كالسيل الهادر يلاحظ أن معظم المثقفين ولا أقول كلهم يتحاشون القضية الأساسية والجوهرية: عنيت مشكلة التنوير الديني للعرب والمسلمين عموماً. لماذا أصبح الناس يفكرون بالحل الفيدرالي أو حتى بالتقسيم بعد كل ما جرى ويجري؟ لأنهم ابتدأوا يخافون بعضهم من بعض، وبالأخص من سيطرة العنصر الإخواني السلفي التوتاليتاري على البلدان العربية كلها. وهي أيديولوجيا لا تقر بالمساواة بين البشر. هذا أقل ما يمكن أنْ يقال. بل إنهم يكفرون شرائح واسعة من السكان ويبيحون دمها طبقاً لفتاوى ابن تيمية وسواه. هؤلاء التكفيريون هم الذين سيعجّلون في حل التقسيم. وهم الذين سيفرضونه فرضاً بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن ينبغي الاعتراف بأن أيديولوجيتهم تتمتع بمشروعية تاريخية ضخمة تخترق القرون. من هنا حراجة الموقف وصعوبته وتعقيده. من هنا تخبطنا جميعاً. لتوضيح الإشكالية سوف أطرح هذا السؤال البسيط: من هو الإنسان الشرعي الكامل الحقوق في العالم الإيراني؟ إنه الفارسي المسلم الشيعي. إنه إنسان ثلاثي الأبعاد أو المكونات. لكن ماذا نفعل بكل مكونات الأمة الإيرانية الأخرى؟ فقد يكون الإيراني فارسياً مسلماً ولكنه ليس شيعياً. وهذه حالة نسبةٍ لا يستهان بها من السكان. أو قد يكون مسلماً شيعياً ولكنه ليس فارسياً. وهذه أيضاً حالة شرائح عديدة من السكان. ويبدو أن التعريف الكامل للإنسان الشرعي لا ينطبق إلا على خمسين أو ستين بالمئة من الشعب الإيراني. 

والآن لننتقل إلى الجهة الأخرى، أي جهتنا نحن. من هو الإنسان الشرعي الكامل الحقوق في العالم العربي؟ إنه العربي المسلم السنّي. نقطة على السطر. هنا أيضاً نلاحظ أنه إنسان ثلاثي الأبعاد والمكونات. ولكن ماذا نفعل بالبقية؟ ماذا نفعل بكل أولئك الذين لم تشأ لهم الصدفة أو الحظ أنْ يولدوا في المكان المناسب؟ ماذا نفعل بالأكراد في المشرق وهم مسلمون سنّة ولكنهم ليسوا عرباً. وقد أصبحت مشكلتهم الآن مندلعة على مصراعيها بعد أنْ اجتاحهم الإخونجي أردوغان في عفرين. أو ماذا نفعل بالأمازيغ البربر في المغرب الكبير الذين هم أيضاً مسلمون سنّة في معظمهم ولكنهم ليسوا عرباً. لحسن الحظ فإن الدستور المغربي الجديد اعترف لأول مرّة بحقوقهم واعتبرهم في ديباجته الأولى بمنزلة أحد المكونات الأساسية للشعب المغربي. بالمقابل: ماذا نفعل بالإنسان العربي ولكنه ليس مسلماً؟ وهذه حالة كل المسيحيين العرب وهم يعدون بالملايين وبخاصة في مصر وبلاد الشام والعراق. ألم يكن الإخوان المسلمون في الخمسينيات أو الستينيات من القرن الماضي يرفعون الشعار التالي: مسلم في الباكستان ولا مسيحي في لبنان؟! هل تخلوا عنه الآن يا ترى؟ لكن يبدو أن الأخطر من كل ذلك حالياً هو الانقسام المذهبي داخل الإسلام نفسه: أي أنْ تكون مسلماً عربياً ولكن ليس سنّياً. وهذا الأمر ينطبق على كل الطوائف الشيعية العربية من إمامية وعلويين وإسماعيليين ودروز. وهم أيضاً يعدون بالملايين في سوريا والعراق ولبنان والخليج العربي. كما وينطبق على المسلمين الإباضيين لكيلا أقول الخوارج. وهي تسمية سلبية ظالمة لا أحبها وقد ابتدعها خصومهم. لماذا يبدو الانقسام المذهبي داخل المسلمين العرب أخطر من أي انقسام آخر، على الأقل حالياً؟ لقد وصل الأمر ببعضهم إلى حد القول إن الصراع السنّي- الشيعي أخطر حتى من الصراع العربي- اليهودي! بالطبع في الأمر مبالغة. ولكن مجرد طرح الأمور على هذا النحو يدل على مدى خطورة هذا الانقسام الذي يشعل العالم العربي حالياّ. وعلى ذلك فإن ما يبدو هو أن الصراع داخل الدين الواحد أخطر من الصراع داخل دينين مختلفين. لنفكر هنا ولو للحظة بالانقسام الكاثوليكي- البروتستانتي الذي دمّر فرنسا وألمانيا وإنكلترا وأوروبا طيلة قرون.. وسوف أتوقف عنده مطولاً لاحقاً. بمعنى آخر فإن الانقسام داخل العائلة الواحدة شيء مرعب. وهذا الأمر ما يزال مستمراً منذ الفتنة الكبرى التي لم يستطع اللاهوت الإسلامي ولا الفكر العربي تجاوزها حتى الآن. ماالعمل أمام كل هذه الانقسامات التي تنفجر الآن في وجوهنا كالقنابل الموقوتة وتهددنا بالتقسيم والحروب الأهلية وأفدح الأخطار؟ كلما رقعناها من جهة فُتقت من جهة أخرى! هناك حلان: الحل الأول هو الكذب على الذات واستخدام اللغة الخشبية الديماغوجية للسياسيين العرب سلطة كانوا أم معارضة. يقولون لك بكل مكابرة ولا مسؤولية: يا أخي شعبنا غير طائفي. يا أخي شعبنا ملائكي. بمعنى أنك عندما تتحدث عن هذه الأمراض التي تنخر في جسد المجتمع فكأنك تهجو الشعب! يا أخي هذه أشياء زرعها الاستعمار فينا، الخ.. ولكن الطائفية موجودة قبل الاستعمار بألف سنة! عيب أنْ نعلق كل شيء على شماعة الاستعمار.. بالطبع لا خير يرجى من هؤلاء. فهم لا يعترفون بالحقيقة ولا حتى بوجود المشكلة فكيف يمكن أنْ يحلوها؟ يضاف إلى ذلك لغة المزايدات الانتهازية المبتذلة التي تفوح منهم والتي لم تعد تقنع أحداً. والحل الثاني يتمثل بالمصارحة التاريخية والتنوير الديني والفلسفي. وهو الطريق الأصعب والأطول ولكنه الأنجع. كل ما تحاشاه الفكر العربي سابقاً ينبغي أنْ يصبح الآن موضع نقاش حر.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top