قصة ( المحجر) الأجساد بين سياسة الانضباط ونمطية التحريف

قصة ( المحجر) الأجساد بين سياسة الانضباط ونمطية التحريف

د. نادية هناوي

لا سبيل أمام الإنسان لفهم الكوارث سوى الفلسفة بوصفها أقدر العلوم على تقديم المعرفة، ومنها معرفة جسد الإنسان الذي حوله وفيه تتقاطع كل العلوم والمعارف والآداب والفنون.

وقد ظل الجسد على طول تاريخ الفلسفة القديمة موضوعاً فلسفياً فيه تتجلى ثنائية المكان/ المكين التي فيها المكان خاضع للجسد ككينونة حرة وذات أنوية ووجود مفكر.

وفي العصر الكلاسيكي الذي تلا العصر الوسيط تحوّل الجسد من كونه موضوعاً فلسفياً إلى أن يكون موضوعاً سياسياً. والهدف الانضباط أي أن يكون الجسد خاضعاً ومقيداً ومقنناً ومغلقاً بالمكان الذي هو سلطة انضباطية تمارس سياستها المحتمة في الإحياء والإماتة على وفق ما سمي بالنزعة الانسانوية الحديثة.

ثم تحوّل الجسد في أواخر القرن الثامن عشر مع تفشي الطاعون والجذام من سلطة الانضباط إلى ما سماه فوكو (تكنولوجيا انضباط العمل) التي "تتجه إلى تعداد الناس ولكن ليس بوصفهم أجساداً بل باعتبارهم يشكلون مجموعة كلية تتأثر بعمليات جماعية تخص حياتهم كعمليات الولادة والوفاة والإنتاج والمرض الذي أصبح ظاهرة سكانية..بوصفه موتاً دائماً يتسرب إلى الحياة لينخرها ويضعفها باستمرار" ( يجب الدفاع عن المجتمع، ميشيل فوكو، ترجمة الزواوي بغوره، ص235 ـ236)

ثم صار الجسد في فلسفة كيركيغارد فكراً موضوعياً هو فكر العلم بينما تعاملت فلسفة ميرلوبونتي الظواهرية مع الجسد بوصفه فكرة صالحة لكل زمان ومكان. 

فما الذي يجعل الجسد الإنساني موضوعاً فلسفياً إشكالياً وسياسة حيوية وتكنولوجيا نظام للانضباط وعلماً ديمغرافياً وإداركاً ظواهراتياً ؟ ولماذا هذا التغاير الفكري في فهم الجسد ؟ أ هو تعدده ولا نهائية تشكله أم هي ماديته وفنائية وجوده ؟ وما سر التقاطع بين المكين والمكان ؟ وفي أي الحالات يكون المكان متمرداً على المكين/ الجسد ؟

هذه الأسئلة وغيرها تصادفنا ونحن نقرأ قصة( المحجر) للقاص محمد خضير والمنشورة في جريدة طريق الشعب العدد 171 السنة 85 بتاريخ 23/6/ 2020 وفيها يغدو الجسد موضوعاً سياسياً يتم تنظيمه جماعياً وفردياً بحسب ما يقتضيه المكان ويفرضه عليه. وإذا كان الجسد سياسة والمكان سلطة فإن التوافق الموضوعي يكون حيوياً بين السياسة والسلطة حيث المكين بالمكان وليس العكس. 

وأول دلائل هذه التوافقية هو بنائية القصة اللغوية التي لم يخل أي مقطع من مقاطعها فضلاً عن عنوانها من مفردة من المفردات المكانية( الحجر/ الحجز/ الحظر/ الأسر/ السجن/ العزل/ الحبس) التي تقيد حرية المكين/ الجسد عنوة وتحشره قسراً، عاكسة سلطة تفرض على المكين نظاما صارما منغلقا، فيه الجسد واقع تحت ضغط معضلة وجودية هو فيها معاق وأسير ومعزول ومريض ومسجون ومعذب ومجنون.

والسبب التهديد الوبائي الذي به يصبح المكان متسلطاً على الأجساد، وهو وحده القادر على الإبقاء عليها أو إفنائها. ولكل جسد شأنه الخاص ضمن حيز مكاني ضيق هو عبارة عن سرير بستارة بولستر زرقاء داخل غرفة في قسم من أقسام مشفى هو محجر/ محبس كبير يضبطه تناوب مرتب بالحراسة والمراقبة والمعاقبة. 

والدلالة الثانية على توافق الجسد كسياسة مع المكان كسلطة هي بنية السارد الذي كان أولاً ساردا جماعيا بضمير( نا ) وقد دللت العبارات( محجرنا/ حرّاسنا هم منا بحراستنا / لكننا عرفنا هنا حقيقة حجرنا/ زادت في عزلتنا واحتراسنا/ قسمنا ولنقل / ملفاتنا) على حالة الحشر والانضباط الجماعيين ثم تعززت ثانيا بسارد مفرد بضمير الأنا وقد عكس لنا هول الانضباط الذي يمارس مع كل جسد على حدة.

وفي الحالتين تكون الأجساد/ الجسد خاضعة لسياسة الانضباط التي لا بد فيها من أن يكون كل جسد منتظماً مرتباً مع الأجساد الأخرى بتوزيع مكاني فصلاً وصفاً وتسلسلاً وترتيبا وإقفالاً وعزلاً، وقد أخذ كل جسد موقعه بحسب مجموعات ذات كتل متباعدة مأسورة ومحجوزة ومقننة ومسجلة. 

ولا تخفى رمزية تحول الضمير السردي في القصة من ( نا) الجماعية إلى ( أنا) الفردية كإشارة إلى تاريخية التعامل السلطوي مع الأجساد من سياسة الانضباط التي عُرفت في إثناء تفشي الطاعون في القرن السابع عشر إلى تكنولوجيا العمل المنظم التي عرفت في أواخر القرن الثامن عشر، وكيف تم التعامل مع الوباء بالقياس والإحصاء للأجساد ولادة ووفاة وطول عمر والتي معها صار التفكير سياسيا معقلنا ومروضا ومراقبا ومرتبا بالتفتيش والتسجيل. وهنا بلغ الجسد بوصفه موضوعا سياسيا مرحلة عصيبة عايش فيها وسواس الحياة ـ الموت. وقد مثّل الجسد الذي هو السارد الذاتي على هذا الوسواس بقرين هو غريم يكابد معه محنة العيش، معترفا بوجوده غير الموجود( غريمي في العزل والحبس منذ عشرات السنين الظلامية.. الاسم غير مهم، مفرداً أو مركباً، فأنا أفتعل وجوده)

وبسبب هول المكان وما يولِّده من خوف في الأجساد جزءا وكلا وزناً وسحنة وطولاً، يغدو الوسواس وسيلة تهدئة تمنح الجسد المفرد بعض الشجاعة فيجرب البحث عن (مهرب من الحجر / العبور من الحجر الوبائي/ إلى الخارج عبر ممر أرضي) 

هنا تأتي الدلالة الثالثة على ثنائية السياسة الجسدية / السلطة المكانية متمثلة بالتزامن المقصود فنيا بين وقائية الحجر على شبهة المرض وغائية الحجز على شبهة التحقق اللذين معهما يظل الرعب ساري المفعول بالعزل والتكتم والسرية حتى لا فرق بين الأجساد المحجورة وتلك المحجوزة( سوى أن الحياة في المحجر تسير ببطء شديد، ونظام دؤوب كما في مستعمرة نمل)

وتكون الدلالة الرابعة شكلية وتتمثل في تقسيم القصة القصيرة إلى ثلاثة أقسام أو طبقات، والغاية التدليل على قدرة السارد الفردي الذي استطاع التخلص من سلطة السارد الجماعي عليه في القسم الأول أن يتخلص في القسم الثاني من سلطة المؤلف ميتاسردياً، مستفزاً له ومتحدياً إياه إن استطاع أن يأتي بسرد لا يماثل سروداً سابقة من قصص وروايات كان موضوعها الجسد الذي تسلط عليه المكان وفيها وظفت أيضا المشافي والمحابس والمستعمرات القابعة في جزر نائية أو غابات مقصية( لعل قصصاً بهذا الموضوع، تبدأ بداية شائعة في نصوص إدغار ألن بو القروسطية..)

وكأن السارد يسائل بشكل غير مباشر المؤلف: أين الجديد فيما ذكرته عن سلطة المكان على المكين / الأجساد ؟ ولعله تساؤل خامر القاص نفسه بالفعل وهو يرى أن سرود الأوبئة تتماثل فلا تكاد تبرح الدالتين الأساسيتين: الأمكنة الموبوءة / الأجساد المعلولة. 

فيكون الجواب كامنا في جزء من القسم الثاني ومعه القسم الثالث مستكملا القسم الأول وقد ناكد المؤلف سارده واضعا إياه مجددا تحت قهر الوسواس منتقلا به من جسد حيوي يسيسه المكان إلى جسد امتثالي تتحكم فيه تكنولوجيا العمل المنظم، وقد مارس عمله بروتين واحد في قسم( التجهيز والسيطرة النوعية ) وفيه ازداد وسواسه ضغطا عليه فهو المسجون وهو الحارس معا. والمفارقة المدهشة التي يكتشفها الجسد السارد أن هذا المكان الذي هو أرشيف من سجلات وبيانات ووثائق سرية هو نفسه محجر كبير، الأول تحرسه امرأة والثاني يحرسه أطباء وممرضون وغايتهم جميعا هي(السيطرة الكلية على الأقدار المستقبلية) في إشارة رمزية إلى أن عملية التحكم بالأجساد حياة وموتاً صارت أكثر تنظيميا وتخصصية من ذي قبل. 

وأن الأوبئة ما عادت ذلك الخطر المأساوي المتمثل في الموت الجماعي مما كان معروفا في القرون الماضية وكذلك ما عادت الأمراض المستوطنة خطرا لا يسهل اقتلاعه ومعالجته من ناحية شكل هذه الأمراض وطبيعة انتشارها ومدتها وكثافتها وما تسببه من الموت بوتيرة معينة دائمة، بل الخطر في قرننا الحالي هو أن عالمنا صار أكثر سيطرة علينا حتى لم يعد مكانا صالحا للحياة، لأنه هو نفسه مكان افتراضي للموت الذي يتهدد أجسادنا دوما فيجعلنا إزاء شيء مريب ومخيف، ومع ذلك نمتثل له بطريقة يشبهها السارد بـ(خدمة تمثال من تماثيل آلهة الخصوبة السومرية) توكيدا لحقيقة أن إنسان القرن الواحد والعشرين صار جسداً مراقَباً ومقيداً وامتثالياً في حركاته وسكناته وتمرده وانصياعه فتساوت لديه غائية الحجر الوقائي والاستجابة الطبية له مع غائية النبذ( لكلّ أشكال العنف والإلحاد والأممية العالمية) 

وبالامتثال تتروض الأجساد فهي كالقطيع تخاف فتخضع..وإذا كان الزمان الماضي زمان الأوبئة التي بسببها تصبح السلطة قادرة على الإماتة على نية الاشتباه فإن الزمان اليوم زمان صناعة الأوبئة بسلطة منظمة قادرة على الإحياء على نية مزاولة التنميط والسير على أنموذج، فيه الإنسان عبارة عن جسد خاوٍ حي ميت وميت حي. 

وهو ما رمزت إليه القصة بالتحريف الذي لم يقتصر على الأرشيف كوثائق وسجلات سرية؛ بل تعدى التحريف إلى الفلسفات على تنوعها وكذلك الروايات التي حُرف ما فيها عن الأجساد زمن الأوبئة، والنتيجة أن لا حقيقة تاريخية إلا وهي مشوهة. وسيظل الحال على ما هو عليه ما دام التنميط هو العلاج الذي به تكون الأجساد ممتثلة لقوة السلطة فيسود السلام ويصبح ( وجودنا ذاتيَّ الحركة، مثل ماكينة طباعة إلكترونية عملاقة) وغير مهم بعد ذلك إن كنا قد زيفنا حقيقة هذا العالم أو لا.

وإذا كان وسواس الأجساد في العصور الماضية تمثل في سياسة التنظيم والتحكم بعمليتي الإحياء والإماتة فإن وسواس الأجساد في العصر الحاضر يتمثل في سياسة التنميط حيث كل جسد محسوب بيولوجياً ومعدود كمشكلة سياسية يتم ضبطها لا كما كان سابقاً بالتوقعات والتقديرات والقياسات "كأن يصنع إلى حد ما فايروسات لا يمكن مراقبتها فيروسات هدامة ومخرِبة عالمياً"( يجب الدفاع عن المجتمع، فوكو ،ص244 ) وإنما بصناعة الكائن الحي المسخ والشاذ. وقد ربط فوكو سلطة هذه الصناعة بالعنصرية وممارسة حق القتل من ناحية" تقدير بعض الأعراق بوصفها أعراقاً جيدة وأخرى بوصفها أعراقاً دونية ووضيعة ودنيئة .. طريق للنقل والتغيير داخل السكان"( يجب الدفاع عن المجتمع، ص245)

والمفارقة تظل قائمة في حقيقة أن التماسك الاجتماعي يحققه التباعد الاجتماعي وأن المراقبة الصارمة بالنمذجة والتنميط تتحقق السلام !!. أما العقل فليس له موقع داخل نظام تنميطي يراد منه إضعاف القوة وتخفيض وقت العمل وتدني الطاقة وارتفاع التكاليف الاقتصادية ونقص الإنتاج والعلاج المكلف...الخ!! 

وبانتهاء قصة( المحجر ) تكون قصة الجسد قد اكتملت بدءاً من مغادرته منطقة الفلسفة بوصفه مكيناً ومروراً بتعديه السياسة بوصفها سلطة حيوية ووصولاً إلى كونه منمطاً وفيه تتلخص تراجيديا التحريف. هذا التحريف الذي سيؤدي بالبشرية إلى أن تدمر مستقبلها بنفسها. 

وهو ما دلل عليه محمد خضير بحذق لتكون قصته( المحجر) قصة فكرية بإيحاءاتها الدلالية وصياغاتها الشكلية التي امتحن فيها السارد نفسه متحديا التوظيف الفني المعتاد مغايراً السرود الطويلة والقصيرة التي تناولت موضوعة الجوائح والأوبئة، متجاوزاً إياها بمعالجة جديدة تنطلق من بعد فلسفي فوكوي حفري.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top