عنوان العصر القادم: أرني مهاراتك  قبل شهاداتك

عنوان العصر القادم: أرني مهاراتك قبل شهاداتك

لطفية الدليمي

يبدو جلياً من طبيعة التبدلات الجذرية التي طالت حياتنا خلال الشهور القليلة الماضية ونحن نواجه أكبر جائحة عالمية لم تستثن بلداً ولاجنساً ولاعرقاً ،

أنّ التغيير الأساسي الذي سيطرأ على التعليم – ماقبل الجامعي والجامعي - في السنوات القليلة القادمة هو المَعْلَمُ الأوضح الذي سيسودُ حياتنا في عصر مابعد الجائحة الكورونية ، وسيمثّلُ هذا التغيير بداية متفردة تتبعها سلسلة ممتدة من التطويرات الثورية على مختلف الأصعدة وبخاصة في ميدان مغادرة المرجعية التعليمية القائمة على نمط الثنائية الأزلية ( المعلّم / المتعلّم ) وتبنّي منظومات تعليمية يكون فيها المتعلّم مرجعية لذاته ، يعرفُ متطلباته وكيفية التعامل معها بطريقة كفوءة تختصر الكثير من الوقت والجهد والمال والموارد البشرية .

تتباين الصورةُ المستقبلية التي قد يخلصُ إليها القارئ بعد إكماله قراءة الكتاب المهمّ ( ضدّ الرّوْبَتة : التعليم العالي في عصر الذكاء الإصطناعي Robot-Proof : Higher Education in the Age of Artificial Intelligence ) الصادر عن معهد ماساتشوستس التقني MIT عام 2018 ، ومعروفٌ أنّ هذا المعهد يعدُّ المطبخ التقني الأكثر شهرة في العالم الذي تُطبَخُ فيه التقنيات الثورية مُنذ بواكير تطويرها وحتى دخولها طور الإستخدام التجاري واسع النطاق . يتخذُ التباين في الصورة المستقبلية واحداً من إحتمالين إثنين : صورة ديستوبية قاتمة - أقرب إلى روايات الخيال العلمي - يغدو فيها الذكاء الإصطناعي الفائق متجسّداً في كائنات فرانكنشتاينية ستحقّق السيادة على الكائنات البشرية ، ويميلُ معظم الناس لإعتماد هذه الصورة الديستوبية القاتمة بسبب ميلٍ متأصّل في الحالة النفسية البشرية يقرنُ الإنعطافات التقنية الثورية بمشاهد من الرؤيا القيامية ونهاية العالم ؛ في حين أنّ الصورة الثانية هي مقاربةٌ هادئة تعتمد الدراسات البحثية المتواصلة التي لاتنفكّ تجريها مراكز الفكر والتقنية ذات السمعة العالمية المشهودة ؛ وعليه ليس أفضل من الإرتكان إلى منشورات الـ MIT التي تُعدُّ وثائق مهمّة في دراسة مستقبل العلم والتقنية والجنس البشري . 

ليست برامج التعليم الألكتروني بجديدة بعد أن أصبحت البرامج التعليمية الرقمية المجانية في السنوات الأخيرة معْلَماً أساسياً من معالم التعليم في عصرنا الحديث ؛ فهناك برامج مهمة أذكر منها برنامجين مميزين هما الأكثر فرادة بين برامج التعليم الرقمي بسبب تميز مفردات البرامج والمنصات التفاعلية والجهات الأكاديمية التي تدير هذه البرامج : البرنامج الأول هو ( Edx ) الذي يديره معهد ماساتشوستس التقني ( MIT ) وجامعة هارفارد ، والبرنامج الثاني (Coursera) الذي تديره جامعة ستانفورد إلى جانب جامعات عالمية مشهود لها بالرصانة العلمية . تُنشر بين حين وآخر تقارير إحصائية لبيان أعداد المستفيدين من هذه البرامج التعليمية ، ويُلاحظ أن الصينيين والهنود وبعض أبناء جنوب شرقي آسيا يأتون في طليعة المستفيدين من هذه البرامج الدراسية وبخاصة في موضوعات الرياضيات والفيزياء والبرمجة الحاسوبية ولغات البرمجة وتعلّم اللغات الأجنبية ( وبخاصة الإنكليزية )؛ الأمر الذي يكشف أن هؤلاء الصينين والهنود يعدّون العدّة منذ وقت مبكر في حياتهم لترسيم صورة المستقبل الذي يطمحون إليه ويخططون له بخطوات محسوبة بدقة ووعي ، وفي العادة يرى هؤلاء في تلك البرامج الدراسية كنزاً ثميناً عليهم الاستفادة منه إلى أقصى الحدود الممكنة ، وليس غريباً أن نقرأ بصورة دورية عن شباب آسيويين يافعين في حدود العاشرة من أعمارهم - أو أكثر بقليل - وقد أكملوا برامج دراسية علمية وتقنية تكفي للحصول على درجة البكالوريوس بتفوق ( وربما حتى الماجستير في أحيان أخرى ) .

تتمحور فلسفة التعليم الألكتروني على جملةٍ من الخصائص الجوهرية يبدو أن أهمها إثنتان : الأولى هي كونه تعليماً قائماً على المهارات skills – based education التي يمتلكها المرء ، وليس أفضل من هذا التعليم القادر على تطوير المهارات وتوجيهها في مسالكها المرغوبة وبخاصة في عصرنا هذا الذي صار قائماً على التشبيك المعرفي إلى مدى أصبحت معه الجامعات التقليدية عاجزة عن التعامل معه أو الإيفاء بمتطلباته . يكتب دانييل دينيت ( الفيلسوف المحبّب والمقرّب من بين مجموعة العلماء المرموقين ) العبارة التالية في إحدى مداخلاته المهمّة :

( المثابة البارزة التي صارت سمة مميزة للنجاحات الراهنة التي حققتها حضارتنا في العقود القليلة الماضية إنما تعود في جوهرها إلى طبيعة التشبيك المعرفي والتداخل المفاهيمي بين المساعي العلمية الحديثة . )

ومن هنا لامسوّغ للتفكير الكثير في مصداقية التعليم الألكتروني والخوف من حالات الغش والتدليس فيه بل علينا الوثوق به واعتماده ؛ فالطالب المعاصر اليوم وفي نهاية الأمر لايسعى لنيل شهادة تكون بمثابة صك مرور له لعالم العمل بقدر مايسعى لتطوير إمكاناته المعرفية ومهاراته المتفردة . ( أرني مهاراتك قبل شهاداتك ) هو عنوان العصر القادم . 

أما الخصيصة الثانية فهي تفتّت المرجعيات المهيمنة ، وانزواء المركزيات الفكرية ، وتراجع النخبويات الموروثة أو غير القائمة على فرادة المهارات البشرية والإمكانات العقلية . لن يكون لدينا بعد اليوم مرجعيات فكرية ذات سطوة متغوّلة - في الجامعات العربية بخاصة – ممّن يتحصّنون في قلاعهم الجامعية ويتخذونها ملاذاً مجانياً لبناء أمجاد موهومة لهم .

سيكون قطاع التعليم الجامعي مصداقاً مختبرياً للبرهنة على هذه الحقائق حيث سنشهد منذ الآن انعطافات ثورية في حقل التعليم ( العلوم والإنسانيات بخاصة ومن ثمّ الطب والتخصصات المهنية الدقيقة ) ، وستتعاظم مفاعيل هذه الإنعطافات التعليمية بعد تحسين عمل شبكة الإنترنت واسع النطاق ( شبكات الجيل الخامس G5 ) وجعلها قادرة على تزويد مصادر مفتوحة للمعلومات لن يكون معها المتعلم بحاجة إلى مرجعية أستاذية على النحو السائد في وقتنا الحاضر ، ومن أجل هذا يعمل المطوّرون على جعل خدمة الإنترنت مجانية في السنوات القادمة. أما التعليم التقني فستتكفل به الشركات التقنية العملاقة لأنها أدرى بمتطلباتها ، وهي أفضل من الجامعات في هذا الشأن . 

ليس أمراً يسيراً على العقل والروح أن نقبل بأن تصبح جامعات كبرى مثل جامعة أكسفورد ( أقدم جامعة عالمية معروفة تأسّست عام 1096 ) وجامعة كامبردج ( تأسّست عام 1209 ) أقرب لكافيهات معرفية مزوّدة للمعرفة الألكترونية ، ويزورها المرء مثلما يزور المتاحف العلمية لكي يستمتع بفنجان قهوة وهو يتطلّعُ إلى مقعد السير إسحاق نيوتن أو يدقق في مخطوطة كتبها أحد كبار العلماء . هذا أمر لايمكن قبوله بسهولة ، وقد يكون شاقاً على النفس وبخاصة أنّ الجامعات صارت واحدة من الرموز القومية المهمّة لكلّ دول العالم ؛ لكنّ شئنا أم أبينا هذه هي بعض خصائص عصر الذكاء الإصطناعي الفائق القادم ( عصر النوفاسين ) ، ولن يكون بوسعنا صدّه أو رفضه أو السباحة عكس تياره الجارف بقدر مايتوجّب علينا الاستفادة من معطياته المتوقعة والتحسّب – أيضا – لبعض سلبياته التي هي في نهاية الأمر سلبيات تترافق مع كلّ إنعطافة تقنية غير تقليدية . 

لن يتبقى لنا سوى التأسّي بشيء من بقايا نوستالجيا إلى عصر يوشك على الأفول بعد أن لاحت في الأفق تباشير عصر جديد لانعرف أين ستقودنا مآلاته التي تعدُ بالكثير من المفاجآت الطيبة ، ونأمل أن يكون نصيبنا من المفاجآت السيئة في أقلّ النطاقات الممكنة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top