دورة مهرجان لندن السينمائي الـ64..عروض افتراضية ومصور سينمائي عراقي من بين صنّاعها

دورة مهرجان لندن السينمائي الـ64..عروض افتراضية ومصور سينمائي عراقي من بين صنّاعها

لندن- فيصل عبدالله

مثلها مثل غيرها من المهرجانات السينمائية الدولية والمحلية، وجدت دورة مهرجان لندن السينمائي الـ 64، 7 تشرين الأول/أكتوبر ولغاية 18 منه، نفسها رهينة إلزامات الوقاية من وباء فيروس كورونا المستجد كوفيد-19،

وتداعيات ما فرضه من قواعد اشتباك جديدة على الحياة الطبيعية أو ما تآلفنا مع قواعدها نحن البشر. فان تمكن مهرجان برلين السينمائي الدولي، 11-21 شباط/فبراير2020، من النفاد بجلده منها، وتعثر دورة مهرجان كان السينمائي الدولي الـ 73، إلا أن دورة مهرجان فينيسيا الدولي الـ77، 2-12 أيلول/سبتمر،

قبلت التحدي ونجحت فيه بجدارة، وعبر فرض تعليمات وقائية وصحية صارمتين للحد من انتشار الوباء القاتل، حتى سميت "بدورة الكمامات". وعليه فقد قرر القائمون على تظاهرة لندن السينمائية اللجوء الى حلول التقنيات الحديثة وما توفره منصاتها المنوعة من بدائل سريعة وعملية عبر الصيغ الافتراضية، مع بعض العروض الحيّة وفي قاعات سينمائية مختارة. بمعنى أن بهجة الإفتتاح الجماهيرية، عادة تفتح في "ليستر سكوير" وسط لندن التجاري، وتواجد صنّاع السينما من ممثلين وممثلات ومخرجين، وملاحقة عدسات المصورين لهم وهم يتمخطرون على السجادة الحمراء غابت عن هذه الدورة. ولربما غدت بهجة مثل هذه التظاهرات الفنية والثقافية في عالم اليوم الملتبس أقرب الى ذكريات ماضي سعيد وحميمي، وفق شروط التباعد الاجتماعي ومخاوف الاختلاط مع الآخر. ومع ذلك، فقد تمكن المهرجان من جدولة 54 شريطاً سينمائياً يمكن متابعتها عبر شاشات التلفزة الصغير عن بُعدٍ، أون لاين، وهناك 14 شريطاً سينمائياً سيتم عرضها جماهيرياً في صالات خاصة. 

برنامج هذه الدورة أبقى على تقسيم فقراته وفق ثيمات خياراته السينمائية كما في دوراته السابقة مثل فقرة الحب، السجال، الإثارة، الرحلة، الجرأة، عبادة، الضحك، الإبداع والتجريب، وأفلام العائلة وكنوز الأرشيف المرممة، فضلاً عن الندوات التي ستتم متابعتها عبر تقنية "الزوم". فيما ستغيب لجان تحكيم فقرات مسابقاته، وبدلاً عن ذلك ستوكل هذه المهمة الى المشاهدين وعبر التصويت على جوائزه الأساسية؛ أفضل شريط روائي، أفضل شريط وثائقي، أفضل فيلم قصير. كما يمكن متابعة تقديم صنّاع الفيلم قبل عرضه، كما جرت العادة، وطرح الأسئلة عليهم حال إنتهاء العرض عن طريق الـ "أون لاين" لتعويض الغياب. وهنا يطرح السؤال نفسه، كيف يمكن للسينما أن تستمر من دون وجود جمهور حقيقي؟ وما هو مستقبل السينما في ظل غياب المؤشرات الإيجابية لعودة "الحياة الطبيعية"؟ وهل سيتابع جمهور السينما العريض أفلاماً كما يتابعون مباريات كرة القدم على الشاشة الصغيرة وهم قابعون في بمنازلهم؟ من جهتها ترى المديرة الفنية لهذه التظاهرة الامريكية تريشيا تاتل بأن "جميعنا نريد العودة الى السينما والإنغمار بمشاهدة الأفلام على الشاشة الكبيرة. وكذلك نتطلع الى متابعة حكايا السينما، تلك الحاملة نبرات ووجهات نظر مختلفتين و القادمة من مختلف بقاع العالم. وطبعة هذه الدورة اشتغلت على تحقيق أهداف هذين الإعتبارين". 

وعليه ستقتصر العروض الجماهيرية على درزينة أفلام، حرص المنظمون أن يتصدرها النتاج السينمائي البريطاني، منها شريط الإفتتاح "مانغروف" (Mangrove) للبريطاني ستيف ماكوين. ويأتي جديد صاحب "12 عاماً من العبودية"، والمكلل بأكثر من جائزة أوسكار، في ظل أجواء تصاعد ظاهرة العنصرية تجاه ذوي البشرة الملونة، خصوصاً بعد مقتل الشاب جورج فلويد على أيدي الشرطة الأمريكية في آيار/ماي الماضي، ما حدا الى صدمات عنيفة في أكثر من ولاية أمريكية و إطلاق حركة جماهيرية واسعة تحت يافطة "حياة السود مهمة". وليزامن، أيضاً، مع الذكرى الـ50 لإعتقال ومحاكمة 9 نشطاء من السود في منطقة غرب لندن عام 1970. وقائع شريط "مانغروف" حقيقية، صاغها ماكوين وفق رؤية سياسية لظروف ما حدث ومازال مستمراً تجاه ذوي البشرة السوداء. بنباهة عالية جمع المخرج عناصر شريطه، إذ يسرد القصة الحقيقية لفرانك كريشلو (شون باركز)، حيث يرتاد مطعمه سكان منطقة "نوتنغ هيل" وحفنة من الفنانين والمثقفين، إلا انه وفي عز تصاعد التفرقة العنصرية تعرض مطعمه الى مداهمات الشرطة المستمرة وتحت حجج وهمية. ولوضع حد لهذه المداهمات غير المبررة يقرر فرانك مع أصدقائه تنظيم مظاهرة سلمية، لكن الشرطة تقمعها بقسوة. ونتيجة لذلك تعتقل هذه المجموعة، من ضمنهم أنثيا جون-ليكوينت (ليتيا رايت)، زعيمة حركة الفهود السود في بريطانيا، والناشط داركوس هاو (مالاشي كيربي) وغيرهم، بتهمة التحريض على الشغب والعنف. ونظراً لقناعتهم بان النظام القضائي البريطاني سوف لا ينصفهم، فيقرروا الدفاع عن أنفسهم مستعيرين مصطلح "الفأس الصغير"، مثل دارج لدى سكان جزر الكاريبي ويعني وحدة الرأي لإطاحة الشجرة الكبيرة. وعليه ينتقل الجزء الثاني من الفيلم الى فضاء محكمة العدالة العليا، وليكون بمثابة مسرح لتنفيد حجج الشرطة وتهاوي إدعاءاتها بما فيهم المدعي العام، حظيت هذه المحاكة بتغطية إعلامية مكثفة وقتها، ما يدفع لجنة المحلفين الى قناعة تبرئة الجميع من التهم المنسوبة إليهم. شريط ماكوين في حقيقته رسالة حب ووفاء الى القادمين من جزر الكاريبي ولمعاناتهم الطويلة من التفرقة العنصرية في الأرض الجديدة، ما دفع به الى إهدائه الى الأمريكي جورج فلويد والى ذوي البشرة السوداء بشكل عام.

الوجع السياسي والاجتماعي والعنصرية وغياب عدالة القضاء في بريطانيا يناقشها شريط "عنف مفرط" الوثائقي للمخرج كين فيرو بقوة. ففي بيانه الصارخ، أشتغل على جمع مادته الوثائقية فترة تجاوزت العقد والنيف وصور مقاطعه الحيّة المصور السينمائي العراقي قتيبة الجنابي، يتابع ما بدأه في عمله السابق "غياب العدالة" قبل 19 عاماً. جديده يوظف صور مأخوذة من شاشة كاميرات المراقبة (CCTV) في مراكز الشرطة، ومثلها صور مظاهرات أهالي الضحايا، ويعزز سجاله بصور تعود الى فترة غزو العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وشريكتها بريطانيا وبعدها. ويستعير من المخرج والفنان الإيطالي بابلو بازوليني مقولته الشهيرة بأن "اللقطات السينمائية الطويلة هي أس فن السينما"، لذا يعمد الى لقاء عدد من عوائل الضحايا من أم وشقيقة وزوجة وأبناء، ويوثق قصص ما جرى، ويتابع مساعيهم المضنية والمؤلمة بالحصول على أجوبة صريحة لما حدث في مراكز الشرطة. ذلك ان السياسة، كما يقول في أحد مقاطعه، هو فن تسليع الموت. يتهم فيرو صراحة عنصرية الشرطة البريطانية، ويؤكد على ضرورة أمتلاك ذاكرة جماعية تحفظ ما جرى باسم القانون وبأسم سكان هذه الجزيرة من تجاوزات صارخة. ورغم تحفظات جهاز الشرطة على سردية تفاصيل ماورد فيه، فانه أهداه الى من فقد حياته ومن يواصل النضال في حملات تضامنية الى نهاية تحقيق شرط العدالة للجميع.

فيما سيكون الختام من حصة شريط "أمونيت" (Ammonite) لمواطنه فرانسيس لي، عن قصة تعود الى عام 1840 للباحثة عن الأحفوريات ماري أننيغ(كيت وينسليت) وعلاقتها بزوجة ثري تهتم بها. بالمقابل هناك ثمة عناوين لافتة منها شريط التحريك "روح" بيكسار، ستوديو لتسجيل الصوت، لبتي دوكتر و كمب بورز، و "البشر الرُحل"، الفائز بأسد مهرجان فينيسيا السينمائي الذهبي لهذا العام، لكلوي زياو، والمقتبس عن رواية جيسيكا برودر "البشر الرُحل: البقاء على قيد الحياة في أمريكا في القرن الحادي والعشرين، و "ذاتها" (Herself) للبريطانية في فايلايديا لويدز، و "جولة جديدة" ،(Another Round)، بطولة الممثل الدنماركي مادس ميكليسن، للدنماركي توماس فينتربيرغ، وهناك شريط (Undine)، عرض في مهرجان برلين السينمائي الدولي بداية العام وفازت بطلته بولا بير بجائزة أفضل ممثلة، للألماني كريستيان بيتزولد. لنا عودة إليه.

فيما تحفل هذه الدورة بجديد السينما العالمية، وعبر اشتغالات لا تقف عند ثيمة محددة. منها شريط "النظام الجديد"، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان فينيسيا، للمكسيكي مايكل فرانكو. و شريط (Mogul Mowgle ) للأمريكي من أصل باكستاني بسام طارق، عن موسيقى الراب. ومثله "التلميذ" للمخرج الهندي شايتانيا تامهان، جائزة أفضل سيناريو في مهرجان فينيسيا الأخير، عن صراع أساتذة الموسيقى التقليدية ومريديهم في ظل هجمة الموسيقى الخفيفة ووعود التطلع نحو الشهرة السريعة والنجومية. فيما يقارب شريط "الفنانة التشكيلية واللص" للنرويجي الشاب بنيامين ري حكاية فنانة تشيكية الأصل مع لص سرق عملين من أعمالها. وشريط "ان كان ذلك حباً" الوثائقي للفرنسي باتريك شيها، والفائز بجائزة أفضل شريط وثائقي في مهرجان برلين الأخير، عن حياة الراقصين وعلاقتهم بالجمهور. ومثله الشريط الوثائقي "عنف مفرط" للبريطاني كين فارو، تصوير العراقي قتيبة الجنابي، عن ممارسة العنف المفرط تجاه السجناء من ذوي البشرة الملونة.

وعلى المنوال ذاته هناك شريط ( Notturno)، الوثائقي، صور على حدود سوريا والعراق وأقليم كردستان ولبنان، للإيطالي جيانفرانكو روزي. وفي السياق ذاته ثمة عناوين لافتة قادمة من منطقتنا العربية مثل شريط "200 متراً" باكورة الفلسطيني أمين نايفة، عن محنة العيش في ظل الإحتلال الاسرائيلي، وشريط المغربي إسماعيل العراقي (Zanka Contact) عرض في مهرجان فينسيا الأخير، وشريط (180 Rule) للإيرانية فارنوش صمدي. وستم عرض نسخ من كنوز الأرشيف المرممة وعلى رأسها شريط "موت صداقة" للمنظر السينمائي البريطاني بيتر وولن، عن أحداث أيلول/سبتمر الأسود 1970، عن قصة متخيلة تجمع مخلوقة فضائية، أدت دورها الأول فيه تيلدا سوينتون، وصحفي قابع بفندقه بفعل الأحداث في عمان.

بشكل عام، تجربة متابعة فعاليات هذه التظاهرة السينمائية من البيت تحمل فرادتها. أقله ستضع متابعاً وعلى مدى تجاوز الثلاثة عقود من حضورها إزاء إحساس غريب، وفي ظل غياب وجوه عرفها، ولتذاكر أنتظرها في ظل تقلبات الطقس، ولمقاعد شغلها وكأن بها عودة الى أيام الدراسة، ولأجواء يكون الفن السابع زادها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top