الروائي فلاح رحيم .. طبول قريبة.. طبول بعيدة

الروائي فلاح رحيم .. طبول قريبة.. طبول بعيدة

ناجح المعموري

الرواية الجديدة للأستاذ فلاح رحيم " صوت الطبول من بعيد " الصادرة عن دار الرافدين ، امتداد لروايتيه " القنافذ في يوم ساخن " و " حبات الرمل .. حبات المطر " ،

وتتضح المشتركات السيريّة في السرد ، وتتمظهر هذه التجربة عن كثافة في تحولات السرد العميقة وما تنطوي عليه من انطولوجيا ذات دور فاعل في مجال الفكر والمعرفة ، ، لذا حرص الأستاذ فلاح رحيم على منح هذا الحضور تجوهراً ليؤشر بذكاء لما يتمتع به السرد . إذا خضع لسيرورة يتكشف عبرها التاريخ متحركاً كالمدورة ليومئ الى أن المخيال الذي ذهب اليه ماركس أول مرة هو الأكثر فاعلية في التأثير الاجتماعي . لكن هذا لا يعني بأن مثل هذه المكونات التي دائماً ما تشكل نوعاً من التحليل الثقافي ، ليست محكومة بنسق متماثل ، وخاضعاً للتجانس المتشكل من الوقائع والأحداث . والخضوع للنسقية التي أشرنا اليها واضحة بين روايتي الاستاذ فلاح رحيم " حبات الرمل .... حبات المطر " و " صوت الطبول من بعيد " وهذا الرأي لا يستبعد الرواية الأولى ، لكنه لا يضعها حلقة متماثلة مع النسق الذي ألمحنا له وأعني التجربة الحياتية المتشابهة الخاضعة لسرديات كبرى ، لا يمكن الفكاك منها وأعني بها التجربة السياسية وعمقها المهم جداً في الروايات الثلاث وأيضاً سردية الحرب التي اتضحت حدثاً ممتداً للحرب الداخلية التي زاولت تعطلاً نفسياً وثقافياً للأفراد والجماعات واعني بذلك سطوة النظام الدكتاتوري . 

السرديات السيرية إحدى أهم التجارب العراقية ، صاغ منها ملامح ذاكرة هيمنت فيها شبكة رمزيات كبرى ، يجد المتلقي نفسه فيها وأخبرني صديق بأن الرواية مكتوبة في يومياتها عنه ... ونجحت هذه التجربة في تحويل المرويات الى مصدر معرفي . وهذا أمر مثير للاهتمام ليس في هذه التجربة ، بل في عديد من السرديات العراقية ، وفتحت الرواية الثالثة منفذاً للامتداد السردي مثلما أخبرني الصديق فلاح رحيم .

الملفت للانتباه ــ بالنسبة لي ــ الدور الفني المركزي الذي لعبته الشعرية من خلال عديد العناصر الرموز / الاستعارات مستورات كامنة في اللغة . وما يجعل هذه التجربة الفنية المغايرة هو قدرات المبدع فلاح رحيم في الثقافة والمعرفة والفكر ومكنته من مزاولة اللعب وأنا أقصد بــ " اللعب " المهارات التي تطفح فوق السطح ، بل تظل طافية فوق " الآبسو " ويوفر لها طاقة قوية تجعلها قريبة من الواقع ، وليست تخيلات / أو خيالات فقط ، بل تبدو أحيانا أكثر مألوفة مما هو يومي . ويستحضر الحكي لديه طاقة أنطولوجية كما قلت . منذ كتاباتي العديدة عن القنافذ في يوم ساخن ومثلما قال ريكور : تتحول هذه الطاقة الانطولوجية الى مصادر متنوعة للمعرفة التي تمنح المتلقي فرصة للتعرف على الذات والعالم والنص السردي ، الذي دائماً ما يخضع مستجيباً بروح عالية الى تجربة المألوف اليومي ودائماً ما يتمثل بالماضي وهو أفق السرد وتاريخانياته . وتبرز أيضاً مهارات فلاح رحيم في ثقافته المعرفية والفلسفية التي ساعدته على استحضار الوجود والزمان عبر وساطة السرد كما قال ريكور .

كان وصول " بيانكا "وانضمامها الى المقيمين في مكتب الشركة حدثاً عجائبياً حركت عصاه السحرية الحجر والأفعى والصمت حرك الماء الراكد وكسر الوجوم وبعث في اجنحة الطيور خفقة ، هكذا هي الأنوثة في معشر الذكور الذي بقى عقيماً بذاته دائماً ص 51//

دائماً ستكون الأنثى فاعلاً شعرياً ، متنوع الدلالة ، يستدعي معه سرديات الماضي القديم وأساطيره ولا غرابة فإن فلاح رحيم مبتكر ذكي للكامن في الرمزي الأنثوي ، ويجعل منه شبكة متشظية من الدلالات والاثارات الحسيّة المانحة للحياة كل ما فيها من الجمال ولا غرابة فهو الذي أعاد بناء تشكيل قصته الأولى المتمحورة حول لحظة الحب الأولى التي ظلت موجودة بطاقة حضور الأنثى وكل ما تقوى عليه من إثارة التوتر والتحفيز الذي امتلك قدراته الشاعرية الاستاذ فلاح ولم يغادرها حتى لحظة التاريخ الحاضر الجديد في المحطة وهو يستمع لايقاع التكون بين الكينونة والزمان ، لحظة ارتفاع صوت القطار زاعقاً وعلت على أصوات الطبول . اضطرت هدي الى أن ترفع صوتها العذب . فتعرض كل عذوبته وهي تركز نظرها الساحر في عينيه / حبات الرمل .... حبات المطر / ص604 //

الثنائية التي أشار لها بول ريكور حول الكينونة والزمان حيث كان السرد وسيطاً بينهما ، ليست جديدة في روايته الثالثة ، بل هي كامنة في عمليه السابقين وهذا ملمح معرفي يهمني الإشارة له في كل ما كتبت عن هذه التجربة السردية الجديدة وأتمنى أن يمتد بنا الحلم لنستكمل هذه السردية الخماسية التي تنطوي على حلم جيلنا ويتمثل أحلام وتخيلات القادم من الأجيال .

حافظت الأنثى على سيرورة وحضور وتنوع بوقائع جديدة ، حتى لا تبدو منقولة ، بل هي ذات وقائع مختلفة جداً ، صحيح أن للأنثى دوراً فاعلاً في السرديات منذ لحظة المرويات الأولى في حضارات الشرق وحتى الآن ، لكن فلاح يغامر مع وقائع متخيلة فيها لا معقول وأسطورية ، مما يجعل فيها بالنسبة لي ــ على الأقل ــ استعادة روح سابقة للأنثى البدئية التي تتمثل فيها روح الأنثى العشتارية الأولى التي حطمتها الحرب . وأعني الفعل البطرياركي . فصوت القطار وازدحام المحطة وإيقاع الطبل إعلان أبوي ، فيه شعرية متسامية ذات أفق غائي منفتح على المستقبل حسب نظرية ريكور عن التراث واليوتوبيا .

الأنثى في روايات فلاح رحيم ليست عراقية أو شرقية أو غربية هي الأنثى الكونية العظيمة التي تعطي ، تمنح كل ما تستطيع عليه وأحيانا يذهب المذكر نحوها للإعلان عن الأنا / الذات ويعطيها من خزان ذاكرته كل ما هو معظِّم للقبول بالآخر والحوار معه ، والتباين له قوة الحضور المستولد للشعرية المساعدة على تقشير سطوح اللغة والتعرف على الكامن فيها وبرز هذا لي . برواية القنافذ في يوم ساخن ، من خلال محفظة أوراقي المتبقي من ملاحظاتي عنها . لذا كان الأخر نابضاً في روح سليم عبر العلاقة مع " ساندرا " ـــ القنافذ " ومع " بيانكا " في صوت الطبول . لكني وجدت بوصفي متلقياً مهتماً بعلاقة السرد والانطولوجيا المعرفية من أن سليم قدم أنموذجاً متسامياً مع ساندرا على الرغم من إصابتها بالوباء المحمول بجسدها وارتضاه وكرر اتصاله ثانية معها والدلالة الرمزية في ذلك مكشوفة وبذات إيقاع شعري. 

تشف العلاقة مع الجسد عبر الاتصال العميق ، الموصوف بلغة شعرية متسامية جداً ، وكان فلاح عندما يرسم الأنثى ، يدخل متخيلاً عميقاً لا أحد يصل اليه وتتحول لغة السرد الى شريط فيلمي مثير للدهشة وكان القاص لا يتخيل ، ويكتب ، بل هو يخلق كائناً أنثوياً جديداً ، بالطريقة التي يريدها ويتصورها متماثلاً مع الآلهات الأموميات البدئيات اللاتي وزعن على جغرافيات العالم عدداً من عشتار ، كانت وظلت في الأساطير حاضرة مترددة مع نصوصها وخالدة للأبد .

علاقة سليم مع الآخر في القنافذ و + صوت الطبول من بعيد كاشفة عن قبول الآخر والتجاور معه والحوار وإياه ، وقدم أنموذجا من أجل التعرف وتمظهر سليم مع ساندرا شرقاً قابلاً وراضياً مع معرفته بوجود وباء بجسدها وتكرر اتصاله وهو عليم بذلك وكأنه يرمز لما حصل للشرق من الآخر . ورسم صورة جديدة ذات تخيل رفيع ، عندما ذهب للاتصال معها ــ ساندرا / القنافذ ــ والاستاذ سليم ممثل للمضادات / المعكوسات ، لكنه لم يكن مؤذياً ومدمراً لجسد ساندرا ، بل هي التي فعلت ذلك موظفة جسدها والذوبان فيه ، وما يدل على ذلك نومهما معاً على سرير صغير واحد .

لم يكن سليم غفلاً بالعلاقة مع المرأة والافراغ ، بل اكتشف ــ وكان ذلك شكلاً ــ رفيعاً وذكياً ، عندما ذهب الى مركز لعلاج بوخز الابر مع مرجان الذي اعتاد على ذلك وتمكن من إقامة علاقة مع الطبيبة : وعندما دخل الى غرفة العلاج بالإبر ، أُصيب بالدهشة للكيفية التي تؤدي بها الفتاة الصينية وظيفتها العلاجية مع إشارات وضعت سليم وسط احتمال التبادل اللذّي ، وفعلاً تبدّت استجابته سريعة.

للملامسة والمفاجأة ايقظت العاصفة فيه ... استكمل علاجه وغادر المركز وهو منتعش / متوازن / هادئ . أفرغ شحنات الجسد المتراكمة منذ تاريخ طويل وقطعية مع ساندرا / الغرب ، لكنه لاذ بالشرق وسلامته . حيث دنت اليه عبر اتصال معه ، احتكاكاً استنمائياً بين كفيها . منحته فرجاً ، وبإمكان الانسان التواصل مع فروج كثيرة ، كل جسد الأنثى موقد للذائذ . علاج بالوخز وضع سليم أمام تبدّ جديد تماماً ، حالة تحفيز ، مغايرة ، لأن الوخز الصيني رجات شرقية للروح والجسد ، كي تعيد توازنه ويفكر بشكل ممتلئ بحضور من نوع خاص . الوخز استعارة اخذت سليم من فوضى الذاكرة وكدماتها ، ووضعته أمام الحقيقي وجهاً لوجه والتعرف على طاقة الشرق وقدراته .

اللغة السردية في رواية " القنافذ في يوم ساخن "شعرية مركزة فيها إيقاع ومنسجمة مع سياق النسق وعلاقته بالشخصية ، المعنى جاهز في انتظام الملفوظات والمفردات ، لكنها عبر شفافية الشعر تفضي لدلالة هي منتوج المتلقي وسأشير لنموذج دال على ذلك: 

قلت مبتسماً 

ـــ تفضلي ، كلي آذان صاغية 

ــ لا أريد أن تحلّ محليَّ أنثى أياً كان 

ــ قلت وكنت اقصد ما أقول :

ــ ساندرا ، أنت تتحدثين معي كما لو كنت دون جوان 

لا تقاومه النساء ، أنا كهل ، متعب ، أشيب ، تساقط جلّ شعره وذبلت ملامحه وتقوس ظهرة ، ما بك ؟ هل أنت جادة فيما تقولين ؟ وقفت أمامي وفي يدها كوب شاي تلفَّ عليه أصابعها ؟ / ص 282/ القنافذ في يوم ساخن //

ما قاله سليم واضح ، وكاشف عن علاقته مع الجسد ، ولم يكن اهتماماً مبالغاً فيه ، مثل رغبته بالحوار معها . تعاملت ساندرا مع سليم بوصفه ملكية له ، هكذا تصور الآخر الشرق أثناء تاريخ الاستشراق ــ محاصره له ولن تدعه يفلت منها ، وعبرت عن ذلك بالوصف المكتفي بما يرشح عنه .... وفي يدها كوب شاي تلف عليه أصابعها // الالتفاف حول الكوب ، امتلاك تبادلي مع سليم ، ويشير إليه فلاح بلغته المجازية التي تضيء شيئاً غير الكوب ... إنه سليم الظاهرة بصورته الكامنة المهيمن عليه بالأيديولوجية.

اعتقد بأن المهم هو التعامل معها ضمن سياق الثقافة اثناء 2006 / 2007 وكيف تبدو صورة الوطن ، العودة للبيت الغائب في الرواية .

الذاكرة مستعادة متكررة وكأنها حلقة متلاعب بها هل لأن الشرقي جزء من الصحراء والزمن فيها دائري . في محطة القطار اختصار لذاكرة الحب والتبادل والمكان دوره رمزي وسيرورته خضعت لوقائع جديدة ، مثيرة وكم كان حضور المحطة قوياً وقاسياً لو توفرت لنا فرصة قراءة هذا الثالوث السردي الكبير . ليس هذا فقط ، بل تتكرر رمزيات فلاح بقصدية تتحول الى روح من خاصيات الشرقي . الرموز تخيلاتها . ونصير مثلها فنحن رموز ونسكن في ذاكرات رمزية . منها تمثيل الوعي كما هو مادي .

للرمز وظيفة متغيرة ، ينتجها الفضاء والحضور . فالطبل في محطة القطار قريب بقوة إيقاعه ، لا يعلن بأن الأتي قرع طبل ذكري للأنثى :

" جاءه صوتها بعد طول غياب مسّ وتراً لم يتحرك منذ آخر مرة سمع منها كلمة تهزه:

ــ أهلاً سليم . شلونك ؟

ــ زين الحمد لله .

قال نقيب حارث ضاحكاً 

ــ كما قلت لك . لا شيء يدعو الى القلق .

صاح القطار صيحة زاعقة علت على أصوات الطبول اضطربت هدى الى أن ترفع صوتها العذب فتعرض كل عذوبتها وهي تركز نظرها الساحر في عينيه :

ــ هذه زفة صديقتي دلال . تزوجت ابن عمها / حبات الرمل / ص 604//

ما يعنيني بقوة الحضور وطاقة العلاقة الثنائية بين بيانكا وسليم هو متابعة ما نشأ من ود بينهما وكيف انعكس عبر تبدّيات السرد ، ومثلما ذكرت ، دائماً ما يتعالى السرد ، لحظة دخول الأنثى كحضور مستعاد بدئي ، فيه حيازات الأصول والعتبات العشتارية // كان وصول بيانكا وانضمامها الى المقيمين في مكتب الشركة حدثاً عجائبياً حركت عصاه السحرية الحجر والأفعى والصمت . حرك الماء الراكد وكسر الوجوم وبعث في أجنحة الطيور خفقة ، هكذا هي الأنوثة في معشر الذكور الذي يبقى عقيماً بذاته دائماً / صوت الطبول ص51//

دخول هادئ للأنثى من خلال " بيانكا " وبإشارات لماحة ، ذكية ، ولم يكتفِ بذلك ، بل ذهب لاستحضار رموزها الدالة عليها وكأنه يعاضد الحضور الأنثوي عبر رموزها وما تنتج عنه من محكيات أسطورية خاصة العصا ودلالتها المتنوعة والمنفتحة والحجر وما يعنيه من رمزية قضيبه ، تتشارك مع الأفعى . لكن هذا غير كاف ، لأن فلاح رحيم يقتحم المتلقي ويقيده ويجعله متعلقاً بروايته الطويلة التي تحتاج التماعات جذب وإثارة .

" كانت الدهشة أول إحساس داخل سليم حين وقعت عيناه عليها . شقرة باهرة وبياض من الكتان وقميص مرسل فوقه لا ضيق فيه ولكنها رشاقة اكيدة . صافحها بتأدب شديد مرحباً مستبشراً ، وتفحصته هي بفضول مستفهم قد يكون سببه ما قال أوليك : هذا الشاب النحيل الأسمر بنظارة طبية مكبرة وابتسامة مرتبكة هو الممثل الوحيد لهذا البلد الأحجية / صوت الطبول ص59// حتماً انتبه سليم للجزء الضائع وهذا ما عبر عنه خلال الصور المدهشة . وامتلاك النصف الآخر / الأنثى هو الفوز بالحياة ومن أجل أن يكون الرجل مكتملاً ، بعد حضور الغائب المنشود ، وهذا الغياب صدفي ، لا يمكن التحكم به ، وتكررت تجربة سليم في رواياته ، لكني اعتقد بأن صوت الطبول مثيرة ، وباثة شفرة عميقة قالها فلاح وأنا أتحاور معه بعد إكمال مخطوطة الرواية ، لان تعطل الجسد ، توقف عن امتلاكه وهنا فشل كامن لم تعرفه سرديات فلاح رحيم سابقاً وهذا ما سنحاول ملاحقة العناصر الخفية التي نبهت لها قبل طباعة الرواية وأنا سعيد ، لأن الصديق فلاح أعاد الفصل الأخير كتابة مغايرة ومثيرة . بعد حوار مشترك بيننا على المخطوطة . أنا مولع بالصديق فلاح ومهتم به منذ بداياته الأولى وتعرفت على خصائصه المتميزة .

وما يجعله متفرداً كونه قادراً على إنتاج الأفكار والقيم ويرمم بها أخطاء الأفراد من خلال السرد .

ويتعامل مع الأنثى بوصفه فعلاً من نوع خاص وهو ــ الحب ــ الذي نهضت عليه حضارات سومر وأكد والشرق الأدنى وشواهد ذلك كثيرة ، حتى اعتنى الآلهة بالجنس وتحول طقساً خاصاً بهم ، وينوب الملك عن الآلهة ويزاوله أمام رعيته وسط احتفال وطقس من أعظم ابتكارات البنية الذهنية العراقية القديمة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top