حاورته (المدى) حول تجربته النقدية.. الناقد فاضل ثامر: اعتدّت الموضوعية والأمانة في التعامل مع الظواهر الثقافية

حاورته (المدى) حول تجربته النقدية.. الناقد فاضل ثامر: اعتدّت الموضوعية والأمانة في التعامل مع الظواهر الثقافية

حوار/ علاء المفرجي

2-1

يعتبر فاضل ثامر (1938) أحد أبرز النقاد العراقيين وقد ظل أميناً على رسالته النقدية وساهراً في مختبره النقدي طوال خمسة عقود 

حصل على البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من جامعة بغداد1961 ،دبلوم الدراسات العليا في اللغة الإنكليزية من ليبيا 2001.

نشر أولى مقالاته عام 1965في مجلة الآداب البيروتية وبعدها في مجلة الكلمة العراقية وواصل النشر في عديد الصحف العراقية والعربية.

له مؤلفات عديدة في مجال النقد منها: "معالم جديدة في أدبنا المعاصر"، بغداد 1975. "مدارات نقدية":في "إشكالية الحداثة والنقد والإبداع"،بغداد1987.-"الصوت الآخر":"الجوهر الحواري للخطاب الأدبي"،بغداد1992 ، شعر الحداثة ممن بنية التماسك الى فضاء التشظي دار المدى دمشق 2012، إشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي ،دار آراس ،العراق ،أربيل ،2012. "المبنى الميتاسردي في الرواية العربية", منشورات دار المدى، حاورته المدى عن تجربته النقدية:

مسيرتك المهنية تمتد لأكثر من ستة عقود،أثمرت العديد من الإنجازات النقدية والإبداعية،ومرت بالكثير من المحطات. أين تقف من كل هذا؟ وما الذي خرجت به من هذه التجربة؟ 

-تجربتي النقدية ، هي في الجوهر تجربة بحث عن منهج نقدي قادر على التعامل المرن مع الإشكاليات البنيوية والدلالية والقرائية والنصية والتاريخية للنصوص والخطابات الادبية . و يمكن القول إن اشتغالي النقدي والثقافي ، هو في الوقت ذاته ، محاولة لتأسيس مشروع شخصي ،نقدي ،ثقافي ،شامل كواحد من المشروعات النقدية العربية التي يجترحها أصدقائي و زملائي النقاد العرب والعراقيين في هذا المجال . ويُشكل مشروعي النقدي / الثقافي هذا تجاوزاً لمفهوم المنهج النقدي ، بوصفه فضاءً أوسع ،تتعالق فيه رؤىً ومواقف ثقافية واجتماعية وحياتية ،تقترن بموقعي وموقفي إنساناً وفاعلاً مدنياً واجتماعياً يطمح إلى أن يتماهى مع صورة المثقف العضوي الفاعل الذي لا يكتفي بمشروع الكتابة فحسب ، بل يشتبك بعمق، كمايذهب الى ذلك غرامشي، مع إشكاليات عصره ومجتمعه ويتطلع إلى أن يحفر عميقاً في نسيج الواقع ويترك بصمة متواضعة في سفر الثقافة العميق . إنها صورة المثقف الذي يتحمل مسؤولية كل ما يحدث في مجتمعه وعصره ، فضلاً عن مكابدة مهمة فك أسرار وشفرات النصوص والخطابات الإبداعية والكشف عن نداءاتها الخفية الثاوية ، وإتاحة الفرصة للقارئ ليحقق فعل قراءة استنطاقية حرة ومتسائلة وتأويلية تندمج فيها عمليات الكتابة الإبداعية والنقدية والقرائية في بوتقة واحدة .

الناقد، بالنسبة لي ، ليس مجرد موظف تكنوقراط في خدمة مؤسسة النص والقراءة ، كما انه ليس مجرد قارئ عادي ، أو وسيط بين النص والقارئ : إنه بدرجة أكبر مبدع ، يضارع إبداعه الأديب بذاته، والنقد كما ذهب الى ذلك رولان بارت هو لغة ثانية تضارع لغة الإبداع أو هو خطاب على خطاب. والناقد مفكر وناشط ثقافي واجتماعي مسؤول إلى حد كبير عن مصائر الناس . فهو مطالب بأن ينجز ، بالفعل الثقافي والمهني والنقابي والفكري ، مهمات تتعدى حدود الوظيفة الفنية والإبداعية للكتابة النقدية ، إلى مشاركة في قيادة الفعل الثقافي والاجتماعي المغيّر والى الإسهام في إنارة وعي القارئ، بما يجعله فاعلاً ومسؤولاً هو الآخر عن قضايا عصره ومجتمعه .

لا شك : أن هذا الهم الإنساني والمجتمعي الشامل ، كان ، بالنسبة لي ، دائماً عاملاً حالماً ومرقاباً لتوجهات الكتابة النقدية ذاتها. ولهذا كنت أشعر بوجود قارئ سري متموضع في مكان ما، يحصي عليّ أنفاسي وكلماتي ومواقفي ، وهو يراقب ممارساتي النقدية ، فضلاً عن مواقفي السلوكية والأخلاقية في مختلف مراحل حياتي الأدبية، والتي كانت تدفعني الى توخي الموضوعية والأمانة والدقة في التعامل مع الظواهر الثقافية والنصوص الابداعية، بعيداً عن أي هوىً شخصي أو أهداف ومؤثرات وإملاءات خارجية أيديولوجية أو سياسية أو أداتية ، أياً كان نوعها أو مصدرها.

هل يمكن أن نتعرف على الى المكونات الأولى لتكوينك الثقافي ومرجعياتك النقدية والمنهجية التي أسهمت في بلورة ما أسميته بمشروعة النقدي؟

- بدأت الكتابة الادبية ، وتحديداً النقدية ، عندما كنت طالباً في المرحلة الثانوية في منتصف خمسينيات القرن الماضي ، حيث بدأت بالنشر في عدد من الصحف المحلية آنذاك . ومع أني كنت قد جربت أغلب ضروب الكتابة الشعرية والقصصية ، فضلاً عن الترجمة ، إلا أني وجدت في نفسي ميلاً جارفاً لكتابة النقد الأدبي . وبدا الأمر بالنسبة لي وكأنه شكل من أشكال الحب الجارف الذي لا يقاوم . وعندما دخلت في قسم اللغة الانكليزية في كلية الآداب في العام 1957،كان ينظر لي من خلال كتاباتي النقدية المتواضعة المبكرة كواحد من الأدباء الشبان الذين كانوا يتحلقون حول القاصين الكبيرين عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي في مقهى البرازيلي في شارع الرشيد ببغداد ، بصحبة أدباء شبان أمثال غازي العبادي وباسم عبد الحميد حمودي وعبد الرزاق رشيد ونزار عباس وخضير عبد الأمير وغيرهم . وعندما عرض فيلم " سعيد أفندي " كتبت عموداً صحفياً بأسم مستعار هو " أبو عباس " في صفحة " القارئ " التي كان يحررها الصحفي المعروف صالح سلمان ( أو سليمان ) في جريدة " الحرية " البغدادية ، " تحت عنوان " فيلم سعيد أفندي وقصة شجار لأدمون صبري " وهي زاوية لم ينتبه لها النقاد آنذاك ، قارنت فيها بين النص الأصلي الذي كتبه أدمون صبري والعرض السينمائي، وتدلل على ميولي واهتماماتي النقدية المبكرة. كما كتبت عن ديوان " أغان بلا دموع " للشاعر رشدي العامل في جريدة " البلاد " ، ومقالة عن فكرة اللامنتمي عند كولن ولسن التي فتنت الأوساط الأدبية والفنية آنذاك ، كما كتبت عموداً آخر عن الوجودية . وأهداني مرّة الصديق الناقد الراحل د. جليل كمال الدين عدداً من مجلة" الجامعة " التي كانت تصدرها كلية الآداب بجامعة بغداد ، ويشرف عليها الدكتور "يوسف عز الدين" وكان العدد يضم إحدى دراساتي الأدبية المبكرة التي نشرتها خلال العهد الملكي وتحديداً عام ١٩٥٧. ومن المؤسف أن الكثير من هذه الكتابات قد ضاعت مني ، وغير متوفرة تحت يدي حالياً ، وبحاجة إلى بحث واستقصاء للوصول إليها .

ولكن العامل الحاسم في نضجي النقدي كان يتمثل في دراستي الجامعية للغة الإنكليزية ، حيث درست نماذج وتجارب روائية ومسرحية ونقديةحديثة في اللغة الإنكليزية ، كان لها أفضل الأثر في توجيه خُطاي لاحقاً إلى رحاب الثقافة العالمية ، وأصبحت من الرواد المزمنين للمكتبة المركزية في جامعة بغداد ومكتبة المعهد الثقافي البريطاني في الوزيرية . ولا شك أن الجو الثقافي والأدبي في كلية الآداب آنذاك كان عاملاً محفزاً لي لتطوير ثقافتي وتجربتي وممارستي الثقافية والسياسية . فقد ضمت كلية الآداب منذ العام 1957 والأعوام التي تلت ثورة الرابع عشر من تموز 1958 مجموعة كبيرة من الاسماء الأدبية من طلبة الكلية آنذاك أمثال طراد الكبيسي ، وعبد الإله أحمد وعلي عباس علوان وفاضل ثامر ونزار عباس وسامي مهدي ، وخالد علي مصطفى ، وآمال الزهاوي ، وسعد قاسم حمودي ، وخلدون النقيب، ومحمود الريفي وعبد الجبار محسن وخلدون النقيب وفؤاد يوسف قزانجي وسليم عبد الامير حمدان وحاتم الضامن ورشدي العامل والكاتب المسرحي معاذ يوسف والفنان التشكيلي ضياء العزاوي وغيرهم، فضلاً عن أساتذة كبار أمثال د. عبد العزيز الدوري ، ود. علي جواد الطاهر ، ود. مهدي المخزومي ، ود . إبراهيم السامرائي ، ود. علي الوردي , د. شاكر مصطفي سليم ,د. كمال نادر و د. عبد الوهاب الوكيل و د. شاكر خصباك ، ود. أحمد صالح العلي ود. محمود أحمد الداوود والفنان التشكيلي حافظ الدروبي، وغيرهم .

لقد كان الجو الثقافي والأدبي الذي أعقب ثورة الرابع عشر من تموز وظهور عدد كبير من الصحف والمجلات السياسية والأدبية وتأسيس اتحاد الأدباء العراقيين برعاية شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري عام 1959 ، من العوامل المساعدة في تهذيب ثقاففتي وتوجهاتي الأدبية والنقدية و تركيزي على قراءة الأعمال الأدبية العراقية والعربية والعالمية . وكنت معجباً منذ دراستي في الثانوية بكتابات الكاتب المصري سلامة موسى التنويرية، وقد قادني كتابه " هؤلاء علموني " إلى عدد كبير من المفكرين والأدباء الذين رحت ألاحق حياتهم وتجاربهم لاحقاً . وقد وجدت ضالتي في البداية في توسيع مداركي في الموسوعات والمعاجم والانسكلوبيديات العالمية المطبوعة باللغة الإنكليزية المتوفرة آنذاك في المكتبة المركزية لجامعة بغداد و مكتبة المعهد الثقافي البريطاني ومنها الموسوعة البريطانية والموسوعة الامريكية والموسوعة السوفياتية وموسوعة المسرح وموسوعة الفنون التشكيلية التي كانت تختصر لي الكثير من الجهد للوصول إلى أصول المصطلحات والمفاهيم والمدارس والاتجاهات الفكرية والثقافية والفنية ، كما كنت أبحث في المكتبات المنتشرة في سوق السراي وشارع المتنبي والباب الشرقي عن الجديد من الكتب ، ووجدت عندي ميلاً خاصاً للبحث عن الكتب الأجنبية المطبوعة في اللغة الانكليزية في عدد من المكتبات منها مكتبة (كورونيت ) في الباب الشرقي و (مكنزي ) في شارع الرشيد. وبعد ثورة تموز ١٩٥٨ أقتنيت كتابا فلسفياً للمفكر البريطاني موريس كورنفورث يحمل عنوان " دفاعاً عن الفلسفة ضد الوضعية والبراغاماتية "، وكتاباً في الاقتصاد السياسي لبالم دات ، وعثرت عن طريق المصادفة على مجلة مثيرة لم يكن أحد يعرف بوجودها هي " وولد ماركسست ريفيو " أي المجلة الماركسية العالمية ، وهي كما يبدو النسخة الإنكليزية من المجلة الرسمية للأحزاب الشيوعية، والمعروفة باسم قضايا السلم والاشتراكية والتي راحت تترجم إلى العربية لاحقاً في بيروت تحت اسم مجلة " الوقت " . وقد وجدت في أحد أعدادها محوراً حول البورجوازية الوطنية فقررت ترجمة بعض هذه الدراسات منه. وفعلاً أنجزت ترجمة دراستين بالاشتراك مع زميلي الطالب آنذاك سليم عبد الأمير حمدان ، المترجم والصحفي المعروف الذي راح يكتب لاحقاً بأسم مستعار هو ( مازن )، وكان آنذاك طالباً في قسم اللغة العربية . وكانت الدراسة الأولى عن ( دور البورجوازية الوطنية ) كتبها كيا نوري سكرتير حزب تودا الإيراني، والثانية كانت عن البرجوازية في مرحلة ما بعد الاستقلال كتبها المفكر البريطاني رالف فوكس . وقد نُشرت الدراستان مباشرة في مجلة " الثقافة الجديدة " العراقية وأثارتا ضجة وتحولتا إلى مادة للتثقيف الجماهيري ، كما لفتت هاتان الترجمتان الأنظار إلى المجلة الأصلية ، حيث تمت لاحقاً ترجمة جميع بحوث ذلك المحور ، وربما كان ذلك هو الدافع المباشر لترجمة المجلة بالكامل في بيروت من قبل الحزب الشيوعي اللبناني تحت اسم مجلة " الوقت " كما أشرت. وقد علمت لاحقاً بان هيئة تحرير المجلة الاصلية كانت تضم محررين وكتابا من مختلف الاحزاب الشيوعية ومنها الحزب الشيوعي العراقي ، وأعتقد أن آخر ممثل للحزب الشيوعي العراقي في المجلة هو الاستاذ المترجم والكاتب المعروف د. مجيد الراضي .

هل كان لسنوات الاعتقال والسجن التي أمضيتها بعد إعتقالك إثر انقلاب الثامن من شباط ١٩٦٣ الأسود تأثير على تجربتك النقدية؟ 

- الحقيقة ، أنا مدين كثيراً إلى سنوات التكوين والتأمل، وهي الفترة التي أمضيتها في السجون العراقية ، سجيناً سياسياً بعد الانقلاب الفاشي في الثامن من شباط عام 1963 ، حيث أمضيت فترات طويلة في سجن الكوت ، والموقف العام في بغداد ( سجن بغداد المركزي)، في باب المعظم ، وسجن الحلة وسجن نقرة السلمان ،،حيث كانت المدة التي أمضيتها في تلك السجون تزيد على الثلاث سنوات وثلاثة أشهر . وقد كنت واحداً من الأدباء والمثقفين والمناضلين والمواطنين الذي زج بهم النظام الفاشي بالسجون والمعتقلات وعرضهم إلى التعذيب والقتل في ممارسات بشعة ، ربما أشهرها جريمة " قطار الموت " الذي كان يهدف منها إلى قتل المئات من زملائي السجناء السياسيين أثناء نقلهم من سجن رقم واحد في معسكر الرشيد ببغداد إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي في بادية السماوة. وقد انصرفت منذ اليوم الاول لوجودي في سجن الكوت عام 1963 إلى الكتابة والترجمة . حيث ترجمت بالاشتراك مع الصديق السجين سلمان حسن العقيدي ديوان لوركا طبعة ( بنغوين ) ،مع ترجمة المقدمة النقدية التي كتبها الناقد ( جيلي) للديوان والتي نشرناها في حينها في مجلة " الآداب" اللبنانية أثناء وجودنا في السجن تحت عنوان " لوركا : شاعر أحبّه الناس" ، كما ترجمت شخصياً فصولاً من كتاب المفكر والعالم البريطاني الماركسي برنال عن تاريخ العلم. وكانت عائلتي تهرب الكتب لي داخل علب "مسحوق التايد" . وفي إحدى المرات ، أقتحمت إدارة السجن غرفنا بعنف وأجرت تفتيشاً دقيقاً عن الكتب والممنوعات، فصادرت كتاب لوركا وكتاب برنال واقتادني ضابط السجن إلى غرفة الحبس الانفرادية ،والتي كان يطلق عليها غرفة الرياضة، بسبب قصائد لوركا التي حار السجان في فهم فحواها آنذاك. لذا أضطر إلى إعادتي إلى ردهات السجناء ،خاصةً بعد أن تعرض الى ضغوط من معارفي وأقاربي داخل المدينة. وقد تلاقف زملائي السجناء قصائد لوركا بمحبة، وعبّر أحد السجناء الفلاحين عن إعجابه بوصف قلب الحبيبة بالبربين. لكن الأمر في سجن نقرة السلمان كان مختلفاً إلى درجة كبيرة ، ذلك أن السجناء - في زمن عبد الرحمن عارف تحديداً- كانوا قد انتزعوا مجموعة من الحقوق والحريات من إدارة السجن ، فكنا نوفر الكتب والمطبوعات ، ونعدُّ نشرة أخبار يومية تعتمد على الأنصات إلى الإذاعات العربية والعالمية ، وهي عملية كانت تتم بسرية تامة. وقد أنجزت خلال وجودي في سجن نقرة السلمان مجموعة مهمة من الدراسات، ومارست عدداً من الأنشطة الثقافية منها تنظيم ندوات ثقافية وأدبية أسبوعية ،كان يحضرها عدد كبير من السجناء السياسيين ، كما قدمنا مجموعة من العروض المسرحية أبرزها مسرحية " البورجوازي النبيل " لموليير، التي أخرجها المخرج السجين عبدالقادر شكور، وكان يشرف على الإنتاج المهندس المعماري عصام غيدان والدكتور فائق السامرائي والزميل عبد المنعم المخزومي والزميل فيصل السعد. وقد كان العرض مدهشاً ومثيراً، من جميع نواحي السينوغرافيا والأزياء والإعداد والتمثيل .كما قدمنا في ذكرى عيد نوروز عرضاً مسرحياًعن الثورة التي قادها كاوة الحداد كتبها وأشرف على إخراجها الدكتور مكرم الطالباني. وفضلاً عن ذلك فقد كان لي الشرف في قيادة عمل اللجنة الثقافية التي أضطلعت بمهمة سكرتاريتها . وكنا نقدم آنذاك مجموعة من الندوات الأدبية والثقافية التي تضم مجموعة كبيرة من الأدباء والمناضلين ومنهم : مظفر النواب ، والفريد سمعان ،ويوسف الصايغ، وجمعة اللامي ، وفيصل السعد ، وسلمان العقيدي ، وزهير الدجيلي، وصالح الحافظ، وهاشم صاحب ،وجاسم الجوي، وزهدي الداوودي،وصادق قدير الخباز، وسعدي الحديثي ، وعبد المنعم المخزومي ، وجاسم المطير ، ومصطفى عبود ، وعبد القادر العزاوي ،ومحمد الجزائري , وشهاب التميمي، وصادق جعفر الفلاحي ، وعبدالوهاب الرحبي، وعزيز السباهي ، ومكرم الطالباني ، ويوسف الصائغ ، وعصام غيدان ، وفائق السامرائي وغيرهم .

وعند نقلنا إلى سجن الحلة ، بعد مظاهرة احتجاج نسائية لعوائل السجناء في باب وزارة الدفاع طالبت فيها بإغلاق سجن نقرة السلمان بسبب المخاطر التي يتعرض لها السجناء هناك ، واصلت عملي الثقافي فأصدرنا مجلة أدبية أنيقة مكتوبة بالخط تضم دراسات أدبية وقصائد وقصصاً قصيرة ، وكانت مزينة بلوحات مائية رسمها الشاعران مظفر النواب ويوسف الصائغ. وبعد خروجنا من السجن بعد العام 1968 كانت المجلة موجودة في جريدة "طريق الشعب " وآخر مرة رأيتها فيها كانت بيد الصديق ياسين النصير ، لكنها وللأسف فُقدت ، وخسرنا بذلك تراثاً ثقافياً رمزياً يؤرخ لفترة مهمة من فترات أدب السجون في العراق .

لقد كانت فترة السجن السياسي بالنسبة لي فترة للمراجعة والتامل وإعادة التكوين الثقافي والفكري على المستوى الشخصي . فعندما دخلت السجن في عام 1963 كان عمري أقل من خمسة وعشرين عاماً ، وكنت قد تخرجت عام 1961 من كلية الآداب بجامعة بغداد، وعينت مدرساً للغة الإنكليزية في مدينة الكوت. وأثناء وجودي في سجن نقرة السلمان اتخذت في حينها قراراً حاسماً بالنسبة لمسيرتي الحياتية والثقافية يتمثل في الانصراف كلياً إلى العمل الثقافي والإبداعي، والتوقف نهائياً عن ممارسة أي عمل حزبي أو تنظيمي ، وكتبت في دفتر مذكراتي آنذاك : " نقطة راس السطر : انتهت مرحلة العمل التنظيمي والحزبي ، وبدأت مرحلة العمل الثقافي ." وفعلاً رحت أمارس نشاطي الأدبي والنقدي بعيداً عن أي مركز من مراكز التأثيرالتنظيمي والأيديولوجي المباشر ، وذلك ما منحني حرية أكبر في التفكير والتأمل ، واختيار المنهج النقدي الخاص بي. وفي الحقيقة لم تكن هناك ، في حدود معرفتي ، اشتراطات أو إملاءات معينة على الكتّاب والفنانين والمثقفين عموماً من قبل منظمات الحزب آنذاك . لكني بقيت أشعر بأن مرجعياتي الثقافية والفكرية مدينة إلى الفكر الماركسي تحديداً ،الذي كنت أنظر اليه بوصفه دليل عمل مرن للإبداع ، ولتأكيد مسؤؤلية المبدع إزاء قضايا عصره ومجتمعه . 

لقد وفرت هذه الاستقلالية لي المزيد من الحرية في التعامل مع المقولات والمعطيات الماركسية في الأدب والفن ، كما شجعتني أحياناً على الجمع بين الأضداد وأحياناً الشروع بتخليق منهج نقدي يمكن أن يتهم أحياناً بـ "التوفيقية " و " التوليفية " و "التلفيقية " وهي تهم لم أكن أُعيرها اهتماماً نظراً لإيماني بمبدأ التناص بين مختلف الأجناس الأدبية والفنية .

فعلى سبيل المثال كنت منذ دراستي الجامعية معجباً بكتابات ت . س . إليوت الشعرية والنقدية ، وخاصة نظريته في " المعادل الموضوعي " مع أن بعض مراكز النقد الماركسي كانت تتهمه آنذاك بالرجعية ، وفي الوقت ذاته كنت معجباً بكتابات عدد من النقاد الماركسيين أمثال بليخانوف ولوكاش وهنري لوفيفر ، وروجيه غارودي ولوسيان غولدمان وبرتولد بريخت ، ولاحقاً كتابات ميخائيل باختين وتيري ايغلتن والتوسير ويوري لوتمان وغرامشي وفردريك جيمسن وبورديو وادورنو و بودريار فضلاً عن نقاد الحداثة وما بعد الحداثة أمثال رومان جاكوبسن وجيرار جينييت وباشلار وديريدا وليفي شتراوس وفلاديمير بروب و ميشيل فوكو و دولوز ورولان بارت وجيرار جينيت وغريماس وجوليا كرستيفا وتودروف وادوارد سعيد وهومي بابا وسبيفاك واعجاز أحمد وعشرات غيرهم . ويمكن القول إني أبقيت نوافذي مشرعة لكل إضافة خلاقة جديدة ، تتفق وثوابتي النقدية والمعرفية التي تجذرت لدي من خلال مرجعياتي الاجتماعية والماركسية ، ومنها الإيمان باجتماعية الأدب ، وبمسؤولية الكاتب والفنان والمثقف إزاء أحداث عصره وواقعه ، مع الإيمان بأهمية الانفتاح على مختلف أشكال التحديث والتجديد والتجريب في الأساليب الفنية والتعبيرية واللغوية ، وتجنب المباشرة والتقريرية والكتابة الظرفية، أو أدب المناسبات، ورفض الجمود العقائدي والتقوقع على النصوص الأيدولوجية أو الذات النرجسية .ولذا كنت أنظر إلى رؤيتي النقدية بوصفها مركزاً تلتقي عنده كل هذه الروافد لتغني تجربتي، ولكنها تتعرض إلى عملية انتقاء و " فلترة " في اللاوعي أحياناً ،أو الوعي أحياناً أخرى، من خلال رفض كل ماهو متطرف شكلياً أو متقوقع ذاتياً ، وفي الوقت ذاته كنت أقف ضد كافة المحاولات الداعية لاسقاط العقل عن عرشه وإشاعة النظريات اللا أدرية والميتافيزيقية التي تسعى لتجريد الانسان ، وبالتالي المبدع ، من حقه ، وواجبه أيضاً " في الإسهام في خلق الجمال ومحاربة القبح الاجتماعي والسياسي ومختلف أشكال العنف والقهر أينما كانت .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top