بعد نصف قرن من وفاته.. صوت مورياك الجريح سيظل مسموعاً

بعد نصف قرن من وفاته.. صوت مورياك الجريح سيظل مسموعاً

ترجمة : عدوية الهلالي

يبدو أن صوت مورياك الجريح سيظل يؤذي آذان أولئك الذين استمعوا إليه حتى بعد نصف قرن من وفاته ،

إذ تم إعادة إصدار مفكرته الخاصة لاتاحة الفرصة للاستماع مجدداً وبشكل كامل الى الفكر السياسي للكاتب الحائز على جائزة نوبل ، والذي واصل رسم بصمات إبداعه في ظل الجمهورية الرابعة ثم في ظل الديغولية ..ومؤخراً ، أعادت دار بيير لافون إصدار كتابه ( المفكرة ) بجزأيه الأول والثاني .

في بداية تشرين الأول عام 1958 ، وعندما أصبح ميشال دوبريه رئيساً لوزراء فرنسا ، قام بمنح " أعظم كاتب فرنسي على قيد الحياة " الوسام الأكبر لجوقة الشرف ووقع اختياره على مؤلف " المفكرة " ..كان من الواضح أن ديغول لم يكن معادياً له على الرغم من اختلافه مع توجهات مورياك الذي أراد التفاوض مع الثوار الجزائريين ، لكن هذا التمييز أثار حفيظة وزير الدولة غي موليت ، الذي اشتهر بإثارة الحرب في الجزائر وتبريره للتعذيب – ضمنياً على الأقل - ..

هل سنظل نقول – في القرن الحادي والعشرين – إن مؤهلات "أعظم كاتب فرنسي على قيد الحياة " كانت تناسب مورياك في أواخر الخمسينيات ؟ بالتأكيد نعم ، لأن مورياك لايمكن أن ينساه القرّاء ، فقد أصدر دار غاليمار للنشر أغلب أعماله ضمن سلسلة ( لابلياد) على الرغم من أنه لم يكن من مؤلفي هذه الدار ، ولم يقصد أبداً أن يكون كاتباً حديثاً ، لكن كتبه مازالت تجتذب القرّاء ..

لقد قال جان إيف تاديه إن رواياته القصيرة والكلاسيكية والنقية كانت تقديساً لنوع أدبي مخصص لدراسة المشاعر ، ويمكننا أن نعترف بأن هذا النقاء الكلاسيكي لايخلو من السحر والقدرة على الاستمرار عبر العصور ..

في كتابه ( المفكرة) ، يتحدث مورياك عن حفيدته آن ويزيمسكي التي تزوجت الشاب جان لوك جودار ، ورسمت في العديد من كتبها صورة محببة لجدها ، وهذا لايعد شيئاً مفاجئاً ، لأن الكاتب الكاثوليكي القديم كان يبدو منفتحاً للغاية ، ويمكننا أن نتخيل بسهولة أن الرجل المؤمن الذي كان يفخر بكونه لاينظر بإيجابية الى كاتبة متحررة مثل فرانسواز ساغان ، لم يتردد عام 1957 وهو في سن الرابعة والثمانين في مشاهدة فيلم ( صباح الخير أيها الحزن ) المقتبس عن رواية ساغان الشهيرة ..يقول مورياك :" لم أكن أجيد المرح والرعونة في أي وقت من حياتي على الرغم من إنها كانت في متناول يدي.."

كانت هذه هي المفاجأة الأولى عند قراءة هذه المفكرة – وهي اكتشاف رجل مؤمن قليل التعصب – وليس هذا فقط وإنما كان يتعرض لهجوم شديد من قبل صحيفة الفاتيكان الرسمية ، لأنه كان ينتقد الورع الذي يبتعد عن التقدم البشري ويدعو المسيحيين الى النضال من أجل العدالة ..مع ذلك ، صرح في نهاية عام 1960 لعدد من الصحف بأنه قرر عدم الكتابة في صحف مثل ( الفيغارو ) و( الاكسبريس)التي اكتسحها كتاب ( الموجة الجديدة ) التي بدت عصرية جداً بالنسبة له ..كان يدرك أن حريته ككاتب ليست مهددة أبداً في تلك الصحف ، لكنه كان يخشى من تعرض أصحاب تلك الصحف الى الانتقادات بسببه وسكوتهم لإرضائه ..

بعد حصوله على جائزة نوبل ، عاد مورياك ليكتب في الاكسبريس ، ولم يكن ذلك من قبيل الصدفة بل كان أشبه باتفاق سياسي عميق ، فبعد خروج فرنسا من الهند الصينية ثم تورطها في الجزائر ، كانت الجمهورية الرابعة محكومة بتحالف بين الاشتراكيين والديمقراطيين المسيحيين والراديكاليين ، وهنا برزت الحاجة الى ظهورقائد بمستوى رجل دولة ، ولم يكن أياً منهم مناسباً باستثناء بيير مينديز فرانس الذي كان شباب الحداثة يعتبرونه فرصة لفرنسا على الرغم من كونه ليس من جيلهم، وهو الأمر الذي جعل مورياك يشاركهم نضالهم السياسي من أجل ذلك ..

و إذا كان يؤمن أيضاً بأهمية وصول مينديز إلى السلطة بالنسبة لفرنسا ويمكنه ممارستها فعلياً ، فأنه كان يصر على توازن السلطة بين الأحزاب المتحالفة ، كما لم يؤيد مينديز في استخدامه التعذيب المنهجي في الجزائر وهو ماأدى الى إسقاط حكومته ،وتحولت الاكسبريس من تأييد لمينديز الى انتقاد لسياسته ماعرضها لخطر إغلاقها من قبل اليمين المتطرّف ..بعد ذلك ، اقتنع مورياك بأن وصول ديغول الى السلطة هو الطريقة الوحيدة لتجنب الانقلاب الفاشي ، وهو ماجعله يشعر بأنه يساري في أعماقه بل اعترف بذلك وعبّرت عنه صداقاته مع ديفري وميتران ، وفي دفاعه عن قيم العدالة واستقلال المستعمرات والرفض المطلق للتعذيب ..لذلك أصبح ديغولياً وسيبقى كذلك لأنه كتب في عام 1968 أن الجنرال أعطى الحرية للشعوب التي احتلتها فرنسا ، وخلص فرنسا من الداخل من التأثيرات الاميركية الجديدة ..بهذه الطريقة أدرك مورياك تغير رهانات السياسة إذ لم تعد تتعلق بالجانب العسكري فقط ..

ربما يكون من الصعب على الأوساط الثقافية والسياسية فهم هذا ال( مورياك) الكاثوليكي وقوة مايمثله الدين بالنسبة له دون أن يحمل لواءه فقط ، إذ يمكن للمتدينين اليوم أن يعتنقوا هذه الطريقة لإعلان قوة إيمان المرء دون الاعتقاد بأن من الواجب فرضه على الآخرين ..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top