النقد.. الفرديُّ والمجتمعيّ وفي اِختزال كلِّ شيءٍ بالسياسيّ

آراء وأفكار 2020/10/18 07:23:53 م

النقد.. الفرديُّ والمجتمعيّ وفي اِختزال كلِّ شيءٍ بالسياسيّ

 محمَّد حسين الرفاعي

[I] 

الصراع بين الفردي والمجتمعي يقوم على أوليَّة المجتمعيّ على الفردي، في كل فعل مجتمعي. وكل ضرب من ضروب هذا الصراع يقوم على التعارض- والتناقض القائم بين خطوط متقاطعة، أي ناتجةٍ للتَّشارك- والتشابه؛ فتشكِّل نقطة اِرتكاز للفعل المجتمعيّ عند الفرد.

يمكن التوقف، على سبيل المثال، عند ضروب التنمية، فعلى الرغم من كونها تهدف إلى تمكين الفرد، إلاَّ أنها بذاتها مجتمعيَّة، أو لا تكون. وإنَّني حينما أضع المجتمعيَّة موضعَ التحديد فإنني أذهب مباشرةً إلى وحدة العلاقات بين بِنيَة الثقافة، وبنية الاِقتصاد، وبينة السياسة. 

[II]

إنَّ التناقض الأقرب إلى التناقض بين الفردي والمجتمعي لهو تناقض آخر يأتي من الرؤية المأساوية للعالَم، والوجود في العالَم: رؤية الآيديولوجيا التي تقوم على الاِنغلاق إزاء العالَم. فإذن، من جهة ثَمَّ تناقض بين الفردي والمجتمعي، ومن جهةٍ أخرى ثَمَّ تناقض بين الرؤية المغلقة للعالَم، والرؤية العالَمية النهائيَّة للعالَم، أي اِنفتاح المجتمعيّ على المجتمع العالَمي، عاجلاً أم آجلاً، لا فرق. 

[III]

إنَّ كلَّ تناقض من هذا النوع، أي التناقض المركَّب، لا يمكن الإجابة عنه، والبحث عن اِقتراحات حل له إلاَّ اِنطلاقاً من قفزة تتمثَّل في الإجابة عن تساؤل بنيوي عن البِنى المجتمعيَّة الأساسيَّة الثلاث. إنَّ الإجابة عن هذا التناقض، أي كيف يتمُّ ذلك اِنطلاقاً من التحوُّل والتبدُّل والتغيُّر في البِنى المجتمعيَّة إنَّما يجب أن يُظفر بها ضمن التحليل السُّوسيولوجيّ المتعلق بنمط [الاِنفتاح- على- العالَم] الذي ضمنه تقف الهَويَّة الوطنية، على الأغلب، أمام الذَّات الوطنية. أي يقف الماضي أمام إمكان، وشروط إمكان الحاضر. في هذه الصيغة من التَّساؤل- والبحث- والتفكير، أي ضمن الفعل المجتمعيّ الواقعيّ، يأتي التَّساؤل: في أيَّة معانٍ وضمن أيَّة سُبل حل، وطُرق وجود يمكن أن يبلغ الفردي مستوىً يكون فيه، بعد [الاِنفتاح- على- المجتمعيّ]، فرديَّاً؟ إنَّ [المجتمعيَّ]، وما يحدِّده في كل ذاتٍ فاعلة- وليس الفرد كمقولة نهائيَّةٍ للفعل المجتمعيّ، أولها معلوم وآخرها معلوم- لهو يقوم ضمن الشروط الممكنة، وشروط إمكان الفعل بوصفه وعياً مجتمعيَّاً- أخلاقيَّاً قائماً على فرادة المعنى. أي هَويَّة المعنى بوصفها قد صارت معنى الهَويَّة الفردية. 

[IV]

تأتي [اليوميَّة]، والحدث اليوميّ، ضمن هذا السياق من المعنى، أي المحدِّد الأساسي للفعل- كون الفعل يتحدَّدُ اِنطلاقاً من المعنى، والهدف والدلالة الذاتيَّة- من جهة كونها تُحدِّد نمطاً جديداً من أنماط الوجود المجتمعيّ تتسم بأنَّها قد تُحدَّد بالسياسي، على نحو سطحي. أي الحدث السياسي، والفعل السياسي اليوميّ. أقصد كل ضرب من ضروب الفعل الذي يذهب نحو ردِ الأفعال التي تتوجه إليه، أي تسلك تجاهه سلوكاً بعينها. 

[V]

بقي الفعل السياسي، والحدث السياسي اليوميّ، قائماً في صلب الفردي بوصفه يُحدِّدُ لهذا الأخير نمط وجود مجتمعي بعينه. إنَّه الـ[ههنا- و- الآن] الذي يفتقده الفردي، بل يبحث عنه في كل حين. هذا الفراغ الناجم عن التناقض المركب الذي يأتي بمضامينه الأكثر غرابة تارةً، والأكثر قرباً لبعضها البعض تارةً أخرى، الأكثر تصارعاً مرةً، والأكثر اِنجذاباً لبعضهما البعض مرة أخرى، ...إلخ، من كل الإمكانات الموضوعيَّة لوجوده، يملأهُ بكل سهولة [السياسيُّ- الحدث]. 

[VI]

لقد اِختُزِلَت الأفعال المجتمعيَّة، والمقولات، والشعور الفردي الأكثر خُصوصيَّة، بـ[السياسي- بـ- السلطة]. وذلك يقوم، على أقل تقدير، على بداهات أربعة: 

I- نسيان الإنسان، والذَّات البشرية بوصفه، أي الإنسان كذات، ضروب فعلٍ وإمكاناتٍ موضوعيَّةً لتحديد- وممارسة- وتنظيم السلوك الفردي. 

II- اِحتكار البِنى المجتمعيَّة الأساسيَّة بواسطة [السياسي- بـ- السلطة]، وغالباً ما يرافق العنف، والفساد، والمال هذي الضروب من الإرغام في جعلِ الفردي خارج الإطار المنظور. 

III- إعادة تقييم القيم بواسطة المحدِّدات النَفعيَّة (البراغماتية) لجزء، أو فئة، أو طبقة، أو طائفة، أو حزب، من المجتمع. 

IV- التطابق بين السياسي والواقعي ينتج سرعةَ الاِختيار، وسهولة التصنيف، ويذهب إلى أن ينصب فخَّ الجاهز- المُقولَب- المُصنَّف قبليَّاً، الذي لا يحتاج إلى عناء التَّفكير، والتساؤل، والبحث، وبناءِ الفهم، للفرد الذي لا يبحث عن ذاته، ويتركها نسياً منسيَّاً.

...إنَّ في ذلك تجاوز على الفردي، بالسياسي، لا المجتمعيّ... لأنَّ كل ذات مجتمعيَّة فاعلة تبقى ضرباً من ضروب الإمكانات الموضوعيَّة- المجتمعيَّة، أو لا تكون.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top