فـي العراق.. كيف تصنع الجواسيس بأكاذيب مضحكة؟

فـي العراق.. كيف تصنع الجواسيس بأكاذيب مضحكة؟

 بغداد/ حيدر الأمين

ضحك على أنفسنا، يضحكون علينا، نشاهد أحداثا عشناها من قبل، شاركنا في تفاصيلها، انفعلنا بها، سكبنا أنهارا من الحبر حولها، وفجأة تُعرض علينا من جديد، فنتعامل معها كأننا نراها للمرة الأولى، ثم نعيد ما فعلناه وندخل في معارك جديدة، وكأن هناك اتفاقا غير معلن بيننا جميعا على أن نشارك في مسرحية نحن جمهورها وممثلوها. 

ولم تنته بعد مشاهد صواريخ الكاتيوشا المثيرة، حتى أُعد لنا مشهد مسرحي جديد، ولكن هذه المرة لا يحمل نكهة كوميدية، بل هو مأساة. فقد بثت جهات تدعي الخوف على الوطن من المندسين فيديو يثير الاشمئزاز ويعطي رسالة الى كل العراقيين ان من يخالفنا مصيره الموت. الفيديو يتعلق بالمختطف مازن لطيف وزميله توفيق التميمي، والاثنان يعملان في مؤسسة اعلامية تابعة للدولة منذ ان تأسست شبكة الاعلام العراقي، احدهما لا يزال اسمه في ترويسة جريدة الصباح باعتباره مديرا لتحرير صحف المحافظات، واعني به الزميل توفيق التميمي، لكن كل هذا لم يشفع لهما عند جماعات مسلحة تستبيح حياة الناس بحجج الدفاع عن القضية الفلسطينية واكاذيب حول الموساد، في الوقت الذي يعلم فيه جميع العراقيين ان تلك الجهات كانت اول من هجر الفلسطينيين من العراق بعد 2003 واستولت على منازلهم.

من المضحك ان تكون تهمة طبع كتب عن اليهود تؤدي بصاحبها الى الموت، ومن المؤسف ان الخلاف مع الاشخاص ثمنه التغييب والتشهير ثم الموت، لكن يبدو ان زمن الرفاق الحزبيين لم ينته بعد، بدليل ان الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يتهم مازن لطيف وتوفيق التميمي بالعمل لدى الموساد، يذكرنا بخطب "القائد الضرورة"، حيث تناسى اصحاب الفيديو ان زمن الرفاق الحزبيين قد اندثر وان اساليب حزب البعث في تغييب الابرياء لن تعود ثانية. كنت أتمنى أن يخبرنا اصحاب الفيديو، هل لديهم محاكم خاصة خارج سلطة الدولة يقررون من خلالها اعدام العراقيين وتبرير جرائم اختطافهم وقتلهم؟! يذكرنا فيديو الاكاذيب الذي تروج له صفحات تمولها جماعات مسلحة بالتمثيلية التي قام بها صدام عندما قرر اعدام المواطن البريطاني بازوفت بتهمة التجسس لصالح اسرائيل، فقد كشفت الوثائق التي استولت عليها القوات الأميركية في العراق أن الصحافي البريطاني الإيراني الأصل فرزاد بازوفت، الذي أعدمه نظام صدام حسين في العام 1990، بعد إدانته بالتجسس لإسرائيل وبريطانيا، دفع حياته ثمنًا للعبة سياسية أملاها التفاخر الزائف الذي كان يتملك صدام.

فيديو مازن لطيف إدانة للحكومة وللنظام السياسي الذي وعد الناس بالحرية والعدالة، وإدانة أكبر للاجهزة الامنية التي نجدها عاجزة ومشلولة في مواجهة الجماعات المسلحة، لكنها يقظة وحازمة في مواجهة شباب التظاهرات.

لا نجد تفسيرا واحدا لصمت الاجهزة الحكومية على الفيديو الذي يعلن فيه اصحابه انهم قرروا التخلص من مازن ورفيقه بتهمة العمل مع الموساد، سوى اننا نواجه عبثا من نوع خاص، عبث لا يختلف كثيرا عن عبث الرفاق الحزبيين بمصائر العراقيين.

ان الدولة التي تصمت على تصفية مواطنين لها هي دولة بائسة وميتة، والدولة التي تخاف ان تعلن عن قتلة هشام الهاشمي هي دولة كسيحة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top