باليت المدى: التعبيرية الحالمة

ستار كاووش 2020/11/01 06:48:28 م

باليت المدى: التعبيرية الحالمة

 ستار كاووش

كيف يُقَدَّر للمواهب الجميلة أن تأخذ طريقها نحو النجاح بسهولة وتحقق ما تصبو اليه بيسر؟ كيف تمضي في طريق الفن الصعب وتجد لها موطئ قدم وسط هذا الكم الهائل من الفنانين ووسائطهم المختلفة والملفتة والمهمة؟ الموهبة شيء مهم وأساسي، لكن المواظبة والعمل الجاد هو ما يجعل هذه الموهبة تتفتح وتنمو لتأخذ حجمها المناسب، يضاف الى ذلك عوامل جانبية تظهر في حياة الفنان وتؤثر عليه، ليسلك فنه طريقاً معيناً دون سواه. 

والفنانة العراقية سهى المحمدي نموذج مناسب لما ذكرته، وهي فنانة درست الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، لتتفرغ بعدها سنوات طويلة للرسم وتقدم أعمالها بهدوء دون صخب ولا ضجيج، وتعيش في عالمها الخاص الذي بنته من خلال خيال مُشَبَّع بالفن والثقافة والإطلاع الواسع، ومزجت كل ذلك بحكايات تأخذنا بعيداً نحو تعبيرية حالمة فيها الكثير من الغموض والسحر وقصص النساء الوحيدات والعشاق الذين يحلقون مع بعضهم فوق غيوم ملونة، حيث تطل الشرفات في أعالي اللوحات، وتُفتَح النوافذ، وتُضاء واجهات البيوت التي تعيدنا الى أزمنة بعيدة، تحمل الكثير من الألفة والجمال. 

الفن في جانب كبير منه طريقة جمالية للعودة الى ينابيع الطفولة وبراءتها، وهو أيضاً انعكاس لشخصية الفنان ومرآة لأحلامه وعوالمه وأفكاره الشخصية، وهذا ما وجدته في لوحات سهى المحمدي التي ترسم هيئات امتزج فيها الواقع مع الخيال وذاب اللون على وجوه الشخصيات حتى أصبحت قيمة اللون وملامح الشخصيات متداخلة مع بعضها. 

لا تتردّد سهى في عدم إمتثالها الى شكل وملامح الشخصيات في الواقع لأنها لا تحاكي ذلك محاكاة تقليدية، بل تأخذ تفاصيل أو إشارات صغيرة من واقعها لتحولها الى حكايات ملونة، فتتحسس كيف تنعكس على الأعمال شخصيتها الذكية التي تحمل روح الدعابة، ونبتسم أحياناً ونحن نتأمل تفاصيل اللوحات والخطوط، والمفردات التي تداخلت مع عجائن اللون وإستقرت على قماشات الرسم. ورغم ما يحيط شخصياتها النسائية من زهور وزخارف وأجواء مخملية وألوان بهيجة وانسجام مشبع بالضوء، لكن هذه الشخصيات تبدو وحيدة وشاردة وتعيش في عوالمها الخاصة وهي تستغرق مرة مع كتاب أو تستلقي على أريكة، بينما يستقر كرسي فارغ في عمق اللوحة ليعكس بعداً رمزياً وسط الوحدة والانتظار، وفي أعلى الأفق يظهر قمر بعيد يشير الى ضوء قادم يبدد بعض العتمة، في حين تتسلق النباتات التي ترسمها وترتفع الشجيرات حول البيوت محاولةً الامساك بذلك القمر النائي أو الضوء بعيد المنال. 

البيوت البغدادية هي مسرح حكاياتها وملاذ أحلامها، وهنا تسترجعها سهى لتستعيد معها أيام مشبعة بالفرح والمحبة والألفة، تمزج كل ذلك مع خيالها وتشرد بذهنها بعيداً عن الواقع وتمضي نحو ما يجلبه لها الرسم من سعادات وحلول ممكنة، فهي مثل أي فنان حقيقي آخر تنظر الى الرسم بإعتباره أحد الحلول السحرية لتطمين روحها بعد أن تنقلت من بلد الـى آخر ومن مدينة لأخرى، ليشع في النهاية هذا الحنين لبيتها البغدادي الذي ولدت فيه وعاشت أجمل أيامها. 

بالنسبة للتقنيات وتحريف الأشكال واللون تعيدنا سهى الى الفنانين التعبيريين الذين دفعوا تغيير الأشكال الى أبعد نقطة ممكنة، كذلك مناخاتها السحرية والخيالية تذكرنا بالواقعية السحرية لمارك شاغال واشكاله التي تحلّق في فضاءات اللوحات، وهذا التأثير إيجابي، ولا يوجد فنان لم يتأثر بآخرين وأنا أولهم، والمهم في النهاية أن نعكس شخصياتنا على اللوحات ونمضي في طريق يحمل رؤانا الخاصة. 

هذا العمود تحية لفنانة وإنسانة أعتبرها جوهرة من جواهرنا التي نفخر بها، لأنها اجتهدت كثيراً لترينا صورتها الشخصية بتواضع وبساطة من خلال اللون وما يمكن أن يحمله من حكايات ورؤى، وقد نجحت بذلك كثيراً.

تعليقات الزوار

  • سالم حسان

    مع احترامي لصاحب المقال ...صادفت أعمالها في مواقع التواصل لم أجد أي إبداع ملفت قياس بالابداع التشكيلي العراقي .. اما البيوت التي ترسمها لا تمثل بغداد بل عمارات وشرفات تشبه بلدان الشام ...

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top