حاورته (المدى) حول منهجه النقدي..الناقد ياسين النصير: اشتغالي فـي المكان ليس تأثراً بأحد ولا تقليداً لأحد

حاورته (المدى) حول منهجه النقدي..الناقد ياسين النصير: اشتغالي فـي المكان ليس تأثراً بأحد ولا تقليداً لأحد

القسم الأول

حاوره- علاء المفرجي

قد ظل المكان في الأدب، ولاسيما في السرد، بما في ذلك سرد الأطفال، شغل النصير الشاغل، بل لا نبالغ إذا ما قلنا إن اسم ياسين النصير ارتبط بالمكان،

كما أن المكان في الأدب، ولاسيما الرواية، ارتبط باسمه. وجمع كتبه الثلاث،" الرواية والمكان" الذي صدر في شباط عام 1980 و "الرواية والمكان" الذي صدر في مجلة آفاق عربية 1980، و" المكان في قصص الأطفال" الذي صدر عام 1986، في كتاب واحد. والسبب يعود إلى أن هذه الكتب الثلاثة، تشكل وحدة منهجية متصاعدة في الرؤية النقدية.

إختارت المدى أن تحاور الناقد ياسين النصير الذي ولِد في البصرة في أربعينيات القرن الماضي، وانتقل إلى بغداد عام 1970، التي ظل فيها حتى هجرته من العراق ليستقر في هولندا عام 1995، حول مسعاه النقدي هذا..

يضع الناقد ياسين النصير استهلالا يبتدئ فيه حواره، حيث يقول:

لو لم تكن لدي اشتغالات جديدة على المكان لما أجبت عن أسئلتك، لأني قلت الكثير فيما يتعلق بدور المكان في الإبداع الروائي والشعري والتشكيلي والفلسفي والمفاهيمي، ولكن اشتغالي في السنوات الأخيرة على ثيمات جديدة للمكان، جعلني أكثر تخصصاً، فأسس لدي تصورات جديدة عن تطور مفاهيمي السابقة عن المكان التي ضمنتها كتبي وحواراتي، وفتحت الحداثة وما بعد الحداثة نوافذ جديدة للمكان وللفضاء على اشتغالات الرواية والقصيدة والرسم والنقد والحياة اليومية، وقد انتجت عدداً من الكتب النقدية التي تخص الشعر مؤخرًا وكلها تعتمد منهجية النقد المكاني..

ويصيف: ومع ذلك، أحاول أن أجيبك حتى عن سؤالك التقليدي الذي سبق وأن أجبت عنه مراراً وبالتفصيل والتدليل دون أن يقرأ بما يؤكد اسبقية اشتغالي، وهو أن ما يخص العلاقة مع تصورات باشلار المكانية، فيها التباس القارئ من المكان الذي هو الثيمة المشتركة بيننا، و هذه مغالطة لمن يقرأني ويقرأ باشلار، وسأوضح هذا الإلتباس للمرة العشرين. ومع ذلك تقتصر أسئلتك على الرواية فقط، وأرى أن هذا الاقتصار يخل بالطرح الذي تريده ان يكون شاملا عن المكان، فالمكان ليس للرواية فقط، بل هو كيان معرفي وفلسفي يغلف حياتنا ويكشف عن مستويات لحفريات مكانية وتراثية وزمنية، وأصبح أحد أهم الحقول التي تعين هوية الرأسمالية المتوحشة في الاستيلاء على ثروات العالم وهيمنتها على ماديات الشعوب والمعلومات، إضافة إلى قواه الذاتية في تغيير مسارات السردية والشعرية والمفاهيمية، وهذه الميادين للحقول المختلفة تصاحبها رؤى فلسفية عديدة لتصورات ما بعد الحداثة عن الأمكنة المركزية والأمكنة الهامشية، عن الدوائر الانثروبولوجية الست في العالم، وعن مديات اشتغال المعرفة الفلسفية والعقلية التجريبية عليها. 

يقول النصير: حقيقة عندما نفكر في المكان ودوره في صياغة الوجود تتضاءل الأشتغالات الأدبية فيه، وتصبح اشتغالات المعرفة والفلسفة وممارسات الحياة اليومية هي الأهم. أردت بهذه الملاحظة الاستهلالية التأكيد على أن اشتغالي في المكان ليس تأثراً بأحد ولا تقليداً لأحد، فأنا ابتدأت في الوعي النقدي به منذ كتابي"القاص والواقع 1975، ولكن المعارف - كما سأبين لك في هذا الحوار- تلتقي في المرجعيات اللاتشكيلية المشتبكة التي تولد نوعًا من التأثير المتبادل، فتحت عالمنا اليومي ثمة عوالم عميقة تجري تحت سطح الحياة وفيها مستويات لأمكنة مشتبكة متجاوزة الحدود واللغة والثقافات، والأفكار والحفريات، واسال القاص الكبير محمد خضير عن هذه المستويات الجغرافية التي تؤثر في مسار حياتنا، وتمتلك لغة وشحنات أسلوبية ميزته قاصًا متفردًا في المسرود الفني.عندما تلتقي حكايات ألف ليلة وليلة بمد سكك حديد برلين بغداد، تستحضر فلسفة وأفكار سان سيمون الطوباوية في القرن الثامن عشر في فرنسا، وكيف تحقق ذلك المشروع على يد التقنية الألمانية والفرنسية، هذه ليست أمكنة بل مشاريع كونية تبدأ من أعماق الفكر التنويري وتجد تححقها إما ؛ على الأرض أو في الفضاء. وعندما يكون النفط ميداناً لاشتغال مركبات الفضاء، ينظر اليوم للمكان ليس بوصفه جغرافيا باردة، بل سلطة، وقوة، ومادة، وتقنية، وعلوم، وفلسفة، وموارد، وهيمنة، وهوية.

* أهمية المكان في الرواية فقد بدأت مع بروزها كجنس أدبي مكرس في العربية وتحديداً في روايات نجيب محفوظ وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ؟ هنا بدأ الروائيون مسعاهم في الكشف عن العلاقة بين الإنسان والمكان، وغاصوا في إعلان مراجعهم الفلسفية.. ما هو تعليقكم عن ذلك؟ 

- لا تقتصر أهمية المكان على الرواية فقط، بل لا شيء يحدث دون الإقامة في المكان، فالمكان عنصر بنائي وليس عنصراً احتوائياً، لأنه يمتلك لغته الفنية الخاصة به التي تضفي على أي فعل يجري فيه ويضمنها له، "إن تنظيم المكان غداً في ثقافة أواسط القرن العشرين المسألة الجمالية الأساسية تمتماً ، كما كانت مسألة الزمن عند برغسون، بروست، وجويس" (مابعد الحداثة ص 239). فالمكان في الرواية هو مكان روائي، وليس مكاناً شعرياً أو درامياً، لأن المكان ينتمي إلى الكلام المسرود وليس إلى الكلام الحدث بالرغم من أن الحدث يجري فيه، فهو يُفعّل الكلام ويزيح اللغة من ميدانها الملفوظ إلى الميدان الرمزي والاستعاري والكنائي. وهكذا نجد تنوع المكان تبعاً لنوع الجنس الذي يجري فيه مما يدل على انه يمتلك شحنات تعبيرية تخص كل نوع، وأن له القدرة على أن يكون في الرواية سجناً أو ساحة ملعب، الأمر الذي يجعل الاهتمام بالمكان من صيغ ما بعد الحداثة ويعزو فريدريك جايمسون عدم فهم المكان يعود إلى أننا لا نملك العدة الإدراكية للتواصل مع المكان" فنحن نستقبله كمعطى واقعي، لكنه في الرواية ليس مكانا واقعيا،بل مكنا فنيا، ينتمي للحداثة وفي علم المكان "البروكسيميا" يصبح المكان وسيلة إبلاغ، أي جزءاً من سيميولوجيا الاتصالات، فهو من تلك المجالات التي تؤكد إنسانية الأفعال وارتباطها بالمحتوى الاجتماعي. ليس المكان وعاء يحوي ما فيه ثم يغلق جدرانه عليه، المكان ليس سجناً بطبيعته، إنه الصدفة التي تحفط الكائن الحي وتغيّر من سلوكه ونموه وحقيقته، وعندما يرتبط المكان باية قضية اجتماعية يوضحها ويكشف عن واقعيتها ويزيد من صدقها وقربها للحقيقة، فهو فعل كشف عن المختفي وفعل حوار مع المختبئ، وهو طيات الفعل الذي يكشف عن المكان بوصفه مجالات وتدرجات ومستويات، تلجأ الرواية كما الحكاية الشعبية إلى تفعيل الأمكنة من خلال مسار أفعالها، كل مسافة في المكان تجديد لفعل وتطوير للأفكار، ولذلك لن يكون مكاناً منتهياً في استعمال واحد ولن يكون فعله مقتصراً على أداء محدد، لأنه يفجر في المسرود مستويات قول لم تكشف اللغة العادية عنه إلا عندما يكون المكان دالاً على تطور الأفعال.

الظاهرة المُلفتة للنظر أن الرواية العربية كتبت بمعزل عن فهم جدلية الأمكنة ودورها الفاعل في السرد، لا نجيب محفوظ ولا غائب طعمة فرمان ولافؤاد التكرلي أو غيره كانوا على وعي جمالي وفني بالمكان،ولكن اتجاههم الواقعي والاجتماعي يفرض عليهم أن يقيموا روايتهم في أمكنة واقعية ويقيسون تحولاته بتحولات الأحداث والشخصيات، الوعي بالمكان ابتدأ مع الرواية الفرنسية الجديدة، عندما صيرت الأشياء جزءاً من المسرود، وليس من الأحداث، وكان ذلك بداية تطوير الحاسة المكانية فنيا، لعل نجمة أغسطس أول رواية ذات منهجية لفاعلية المكان في السرد، لأنه بنيت على وعي في بنية السد العالي في مصر. 

الفلسفة والحداثة وما بعد الحداثة والجغرافيا السياسية عوامل جديدة ولدت الوعي بالمكان، ثم هذا البعد السياسي الذي ربط بين الاستحواذ على الجغرافيا والملكية والاستعمار والاستغلال، "فلا شيء في الرواية يتميز باستقلالية عن البنية المكانية كما أن كل المواد الداخلة في تركيب السرد تصبح تعبيرًا عنكيفية تنظيم الفضاء الروائي(الدكتور حسن بحراوي).

ثمة نقطة مهمة لم يلتفت إليها النقد، وهي إن لغة الرواية لغة مكانية، ليس لأن النَّصّ زماني يستدعي المكان كبنية متخيلة ثانوية، إنما تركيب اللغة نفسه يكون في الرواية تركيباً مكانياً فاللغة "المعتبرة نظام من العلاقات بحيث يصنف كل عنصر فيها بالموقع الذي يشغل من الرقعة الجامعة وبالعلاقات العمودية والأفغقية التي تربطه بالعناصر الشبيه به والعناصر المجاورة له" وهذا ما حققته اللسانيات السوسيرية. وعلينا أن ندرك أن المكان في الرواية يستحضر الفضاء، ولا يبقى مقتصراً على محيطه الإجرائي ،لأن أي مكان يدخل في السياق الفني للرواية يستدعي ضمناً فضاءه، عندما نتعامل مع مكان المستشفى، فالمستشفى يستدعي الشفاء والمرض والصحة والطب والعناية والمراقبة الاجتماعية وتطورات الأمراض وطرق العلاج والعلاقات التفصيلية مع الأسرة والعاملين كما يستدعي منظومة الدواء ودرجات فعالياتها ويراكم الخبرة العملية للصحة وللعلاجات ويطور منظومة المراقبة كلها ليس على مستوى المكان الذي هو المستشفى بل البلاد كلها مما يعني تعميم الفائدة، كما يدخل العلاج في حقول انتاجية واقتصادية عديدة ويستدعي معرفة الجيوش من العاملين في حقل الصحة...الخ، هذا الفضاء الواسع والمتعدد موجود ضمن المستشفى كمكان روائي. وقس ذلك على ثقافة اي مكان تختاره لنص روايتك، فعليك ان تكون مثقفا بالمكانية فضاءا وعلامات ودلائليات.

* هل بدأ اهتمامك بالمكان بعد الاطلاع على آراء غاستون باشلار عن المكان، وخصوصاً كتابه الاشهر جماليات المكان؟ 

- هذه من ألاعيب بعض القراء والنقاد العراقيين تجاهي مع الأسف، فلم أجد أي واحد منهم بما فيهم أنت صديقي علاء المفرجي قد اتعبت نفسك وتابعت ماقلته سابقاً وما هو مدون حقيقة في كتبي، ومع ذلك إليك الحقيقة كاملة وموثقة: 

بدأ اهتمامي بالمكان صدفة أو شيئاً من الفطرة، فقد اشتريت كتاباً من إحدى مكتبات البصرة عام 1962 ضمن سلسلة الألف كتاب، واسمه"الأمكنة والأزمنة" وقد سحرتني علاقة التاريخ بالأمكنة، عبر بحوث عن المثيولوجيا والآثار والحياة اليومية للقبائل، الكتاب يتحدث في فصول عديدة عن افريقيا، شكّل هذا الكتاب المصدر الأساس لوعيي الأولي بأهمية الأمكنة ، ليصبح هاجساً معرفياً لدي عندما بدأت الكتابة أول الأمر عن الثقافة الشعبية والصناعات اليدوية في القرية والتقاليد التي ترتبط بالحياة اليومية للناس وهو يبنون بيوتهم ومضافاتهم وأسواقهم وتنظيم عملهم اليومي وكيفية جمع المحاصيل وإطعام الحيوانات والصيد ومنها العلاقات العفوية مع فتيات القرية . هذا الكتاب الذي لا زلت احتفظ به هو البئر الأولى التي نهلت منها رؤيتي للأمكنة في القرية ومن ثم اتسع المجال ليصبح أرضية لتفكيري اللاحق الذي تغذى أول بالمسرح، كممارسة عملية لي، فانا قارئ المسرحيات أكثر من القصص والروايات، وتعرفت على أهمية المسرح مبكراً، وكنت مندهشاً بالعرض الذي قدم عام 1954 في ثانوية القرنة عن "فاوست" دهشت بخشبة المسرح والكيفية التي يتحرك فيها ممثلو العرض والديكور البسيط والملابس،وأكثر دهشتي أن يخرج الشيطان من تحت الطاولة التي تواجهني، هذه الأرضية كانت البدايات التي اختزنتها لاحقاً لا اقرأ في ضوئها حياة القرية وأعمالها.ومن ثم اشترك في عدد من المسرحيات ممثلاً وكاتباً ومؤسسا مع نخبة متميزة فرقاً مسرحية وورشات عمل لقراءات، والتدريب، لأصبح قريناً للمسرح الذي شكل عندي البداية النقدية لحضوري في بغداد.

1- احتوى كتابي القاص والواقع الصادر عام 1975 على صفحات كثيرة وأنا أعالج الروايات والقصص العراقية على علاقة القصة بالمكان، وقد رجع إليه الدكتور جاسم الخالدي في كتاب سيطبع قريباً عن شغلي المعرفي لتأكيد هذه الظاهرة في كتابي القاص والواقع، كما أن دراسة الدكتور إيناس عبد الرحيم وهي دراسة مهمة وأكاديمية عن"شعرية المكان عند ياسين النَّصّير" قد وثقت الكتابات الأولى لاهتمامي بالمكان في القاص والواقع وغيره. كما تجري الآن دراسة عنيّ للدكتورة خولة الجعفري ستكون مؤكدة وفاصلة في تقصيها لريادتي في دراسة المكان.

2- من يتصفح كتابي الرواية المكان الجزء الأول ويقرأ المقدمة يجد أن تاريخ نهاية الكتاب بقسميه كان عام 1978 وهو تاريخ مدون في أول صفحة من كتابي الرواية والمكان، ولكنه لم يطبع لأني كنت في هذه السنة مودع في الأمن العامة معتقلاً، كما أن تاريخ إيداع كتابي "الرواية والمكان" في المكتبة الوطنية برقم 103 سنة 1980، وصدر في شباط من العام 1980، بينما كتاب باشلار "جماليات المكان"مودع برقم 798 لسنة 1980 أي أنه صدر بعد كتابي بفرق إيداعات 695 وصدر في تشرين الثاني عام 1980، فكيف أتأثر بكتاب صدر بعد صدور كتابي بأشهر ؟

3- إن اهتمام باشلار هو الشعر، والفلسفة الظاهراتية وعلم النفس، واتحدى أي ناقد أو مثقف كان يعرف ما هي الظاهراتية وفلسفة علم النفس في الثمانينيات، بينما جهدي ينصب على الرواية العراقية، وبطريقة بسيطة وبأدوات نقدية أولية. وقد وضحت ذلك في جزأي كتابي الرواية والمكان اللذان صدرا الأول في شباط 1980 والقسم الثاني صدر في مجلة آفاق عربية العدد الرابع نيسان 1980، اي أن كلا الجزأين صدرا قبل كتاب باشلار، فاين أنا من باشلار، فلسفة ونقداً ومعرفة؟ وياحبذا كنت متأثراً به لأجد طريقي مع فيلسوف كبير أثر في جماليات التلقي إضافة إلى أنه لايعد ناقداً للشعر بل فيلسوفاً استثمر العناصر الطبيعية الأربعة:الماء،والنار،والتراب، والهواء، لرؤيته الجمالية. فهل يكفي هذا لإبعاد التهمة العرجاء عن تأثري بباشلار؟، علماً أني أنا الذي طلبت من الروائي غالب هلسا البحث عن كتاب عن المكان فتذكر باشلار وجرى البحث عنه سنتين إلى أن ارسلته له الناقد العراقية في الجامعة الاميركية في القاهرة الدكتورة فريال جبوري غزول . أين هؤلاء المدعون من تجربة معاشة وموثقة؟ ولكن مع الأسف كان ذلك الموقف مثار سخرية من القراء. بل ومفاجأ أن ناقدًا مهمشاً يكتب شيئاً جديداً، خارج مألوف النقد. ولم يقف الأمر عند الرواية والمكان وما لقيه من إهمال، فقد حدث لكتابي "الاستهلال" الأمرنفسه، فقد رفض هذا الكتاب ثلاث مرات في دار الشؤون الثقافية العامة وكان وراء الرفض الدكتور محسن الموسوي مدعياً من يكون ياسين النَّصّير ويكتب عن الاستهلال؟، ولما تغيّر الموسوي وجاء الناقد الكبير طراد الكبيسي أحاله الى شاعر ومترجم هو ياسين طه حافظ والى الدكتور علي الزبيدي، فأجازاه بتوثيق معرفي مميز. ومع الأسف إن ناقداً مثل صديقي فاضل ثامر يمارس الدور نفسه معي في شهادته النقدية في تكريمي من قبل مؤسسة كلاويز في السليمانية دون أن يقرأ كتبي، أقول مع الأسف، بينما تجاهلني الناقد شجاع العاني كلياً وهو يكتب عن المكان، أقول ذلك بمرارة، ومع ذلك اتسع الاهتمام بالمكان عربياً، ليس بفعل دراساتي وحدها فالنقد في المغرب أغنى هذا الحقل وكانت لهم ريادات في ترجمة كتب وبحوث عن المكان والفضاء، بينما لا نجد هذا الاهتمام عند نقادنا. كما أضافت عشرات الدارسات في جامعات الدول العربية ليصبح المكان ثيمة نقدية لايمكن تجاهلها أو الاستغناء عنها، واليوم لدي أكثر من مائتي كتاب عالجت كلياً أو جزئياً دور المكان في الأدب وفي الثقافة. إن لم يكن العدد في ازدياد.

4- النقطة الأكثر جوهرية في اشتغالي بالمكان هو تحول النقد عندي من المقال النقدي الذي يكرر فيه المعلومات الأرشيفية، إلى البحث النقدي عن الظواهر الثقافية، وهذه النقلة انتجت فيها كتباً عن شعراء وأدباء وعالجت ظواهر عن الرواية والشعر، والأشياء، وما يحتويه النَّصّ، وحائك الكلام، متخطياً كتابة المقال الذي بقي محدود القيمة حتى لو حشي بمئات المصادر. ناهيك عمن يقرأ جيداً أن النقد لم يعد يغفل دون المكان إلا عند البعض الذي يخشى أن يكون قد حذا حذوي في المعالجات النقدية .

* أرى أنك عشت التجربة الحقيقية لتحولات المكان عندما اخترت المنفى، مالذي تستطيع أن تقوله، في ذلك، وخاصة بعد استعادتك لمكانك الأول بعد 2003 ، حيث مرتع الطفولة وأحلام الصبا؟ 

- كتبت عن هذا الحول مقالة اسميتها المكان الغربي، وفيه وجدت صورة أخرى للمكان المنظم والهندسي والمعولم، وهو مكان مفاجئ بالنسبة لي، فجعلته مدخلاً لفهمي العيش في المنفى، هناك، تحتاج إلى معرفة اولية مركزة كمفاتيح للدخول إلى ثقافة ونظام البلدان الغربية، كل شيء لديهم منظم بطريقة الية الحوكمة التي تجعلك مرئيًا اينما تذهب أو أن تعمل، فالمكان يبتدئ الإحساس به من داخل البيت قبل الخروج إلى العالم، ومن هذا الداخل تكون على استعداد تام بمهامك اليومية، إذ بفعل التنظيم والدقة تستطيع أن تنجز عشرة أعمال ومواعيد في اليوم الواحد دون تعب، لأن كل شيء يرتبط بالزمن وباليات التوصيل وبدقة التوقيت وباقتصاد الكلام، لذلك ينتج الفرد منا بفعل النظام مئات الإنجازات دون تعب، العمل الجماعي المنظم هو عمل لا يلغي الفرد وخصوصيته، لأنه محكوم بالية تنظيم شاملة تتحكم بطرق الوصول واحتساب الزمن لكل فقره، لذلك يكون يومك مليئاً بالإنجاز وتشعر انك موجود وأن ذاتك منتجة.

أـما على مستوى التنظيم الفضائي للأمكنة فكان مثار دهشتي خاصة علاقة الأرصفة بالشارع وبممرات الدراجات والسابلة والعربات، وتخطيط الشوارع وضبط إيقاعات زمن الوصول والمغادرة، وتنظيم الأشجار في الحدائق، شيء لايصدقه العقل عندما تجد كل شيء متوفراً ولكن ضمن الحق العام وليس ما يدعو للتفاؤل هو إنك تستطيع أن تكون نفسك وليس غيرك، فالأماكن أدوات ضبط وتقنين وتثقيف وعمل، وليست فضاءات مجانية بل فضاءات بُنيت على علاقة الجسد بالحرية والعمل والسكن والترفيه واللعب والتكوين المعرفي. طبعًا لا يفهم البعض منا شعرية هذه العلاقات مع المدينة، لذلك تجده لايعرف أشياء كثيرة عن حياته أيضاً، إن معرفة تنظيم الأمكنة تحيلك إلى معرفة ذاتك وثقافتك وما ينقصك وما تحتاج إليه وما عليك عمله، هذه كيانات معرفية تلقنها المدينة دون أن تبلغك برسائل عن جدواها وأهميتها، نعم نحن نتحسس قيمة التنظيم من خلال إجبارنا على الالتزام بما تفرضه الأمكنة. فالثقافة البصرية ليست تلقينية وانما تدريبية بوساطة الممارسة اليومية للعيش والعمل وبناء علاقات مع المحيط، لتجد نفسك بعد أشهر إنك تقود نفسك دون عناء لمعرفة أشياء أخرى كانت مختفية وراء التعميم عند مجيئك أول الأمر، ومع ذلك ليست الأمور بهذه البساطة، فالمدينة الغربية لها تعقيداتها أيضاً، فيها ما هو مسموح وغير مسموح، الحرية لا تصنعها وحدك، بل هي ثقافة جماعية تؤلف سياقاً جماعياً للعيش في المدينة، والأمكنة بما تملكه من خصوصيات تعلمنا الكيفية التي نستعيربها مفردات حياتنا، فملكيتها الجماعية تدفعك لاحترامها، والعبث فيها مسؤولية الجميع، ولذلك تكون العلاقة مع الأمكنة الغربية قراءات في فضاءات الحداثة وفي العلوم والتنظيم والحقوق.

يستطيع الأديب الغربي أن يبني علاقات نصه الروائي والشعري في أمكنة تتلاءم وسياق محتوى وبنية قصيدته أو روايته، بمعنى أن الأمكنة فيها من الثقافة التنظيمية ما توفره على المؤلف من معلومات تساعده في اختصار الرؤية القصدية للأمكنة، فالحياة المنظمة واحدة من اشتغالات المعرفة التنظيمية للنص، ولذلك يعاني أديبنا في بلدان غير منتظمة العلاقات من صياغة نسيج خاص ينظم به مكانه، في حين أن الأديب الغربي قد وجد نفسه في أمكنة منتظمة وفرت عليه اللغة المعنية بها.

يتيح المكان الغربي للأديب المهاجر إمكانية أن يعلمه أبجديته وشحناته خاصة إذا وعي الأديب أهمية الأمكنة في بنية نصوصه، يحدثني ابني أمجد وهو يرى الساحل السياحي لمدينة لاهاي "شخيفننج" وهو ممتلئ بالنساء الجميلات، ليقول مالذي ينقص الأديب الغربي من كتابة قصة متماسكة مادام هذه الأمكنة مشغولة بشعرية البشر؟ بالفعل فالأمكنة الفارغة هي صمت اللغة، بينما الأمكنة المشغولة هي صخب المعرفة ويكون انتقاؤك لأمكنة خاصة اكثر سهولة من أمكنتها العربية التي لا تعرف خصوصياتها العملية،هنا، ومن داخل التنظيم الكلي للمدينة تنتظم الأمكنة الجزئية فيها كبنية أجزاء لجسد حي وحضاري وحديث،فالمهمات الخاصة بالأمكنة تغنيها لغة وشحنة جمالية ويسعى المشرفون عليها أن تكون ناطقة بصرياً وحاضرة في الذاكرة كشواهد مكانية على الأفعال.

يتيح المكان الغربي خاصة الطرق السريعة والأسواق الكبيرة والمطارات والحدائق والعمارات الشاهقة الفصل بينها وبين أمكنة السكن والعمل، هنا، في هذه الأمكنة يمكنك أن تجد اللا أمكنة تلك المجالات التي تتألف من الخطوط والطرق الفرعية وتنوع الاتجاهات والحركات المتقاطعة والتبادل في المسارات بحيث لايمكنك أن تقول عنها إنها أمكنتي ففيها تغيب الهويات وتتنوع الانتماءات ولم تعد هذه الأمكنة العامة ملكية لأحد إنما هي هوية للجميع، فأنت في المطار ليس إلا رقماً تتوجه به للممر الذي يؤدي بك إلى الطائرة، ولا أهمية لأية وثيقة أخرى تعين شخصيتك أو اسمك غير تلك القصاصة الملصقة على التذكرة. فهي أمكنة اللا أمكنة بمعنى أن الذي يشتغل فيها وحده بإمكانه أن يقول إنه يعمل في المطار أو السوق أو محلات الطرق السريعة، أما نحن فلا نشعر بأية ملكية خاصة بنا لأنها أمكنة بلغة عمومية وبطاقة شعرية تولد آلاف الأبجديات المرئية والمحسوسة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top