هَمسُ الدم عن الثورة التي تأكل أبناءها

هَمسُ الدم عن الثورة التي تأكل أبناءها

موج يوسف

تاريخُ الثورات العالمية وصل إلينا عبّر مؤرخيها وقد كتبوه وفق ما تهوى ايديولوجيتهم المنتصرة .وتأتي دراسات أخرى ترفع بساط المجد من ثوّار العالم ، وتكشف الجانب المظلم.

(همسُ الدم قصص الثورات والخيانة والمجد والموت) دراسة صادرة عن دار المدى لمؤلفها إيريك دورتشميد ، وترجمة أحمد الزبيدي . ما نرصده في الدراسة تجرّد الباحث من الايديلوجية الثورية فقد اظهر الأخطاء التي تقع بها الثورات وثوراها ، وهذه الأخطاء تظهر نتائجها فيما بعد .ولا بد من القول إنّ الثورات تولد من رحم البطون الجائعة مصحوبةٍ بمخاضٍ شعبي يفجر الدماء. أوّل ثورة عالمية تطالعنا (الثورة الفرنسية 1789 ) وشراراتها انفجرتْ بسبب قلادة الماس التي اشترتها الكونتسية (دي لاموت) وافرغت الخزانة الملكية وتمّ تسميتها باللصَّة فكانت هذه الحادثة مفتاحاً للثورة فدقَّتْ ساعة المجد للقضاء على نظام الملكيَّة وابعاد سلطة الكنسية من الحكم ، فغرقت فرنسا بالدماء وأصبح لويس السادس عشر أوّل ملك يعزله رعاياه، وقررت الجمعية الوطنية إلغاء الملكيَّة وأسست الجمهورية الأولى وشعارها( الحرية المساواة الإخاء) في حين تمّ احتجاز العائلة الحاكمة في الحصن المشؤوم وهو زنزانة بناها قبل 500 سنة فرسان الهيكل. وقد أدّى زوال الملكيَّة إلى نشوء دكتاتورية الكومونات فيرى الباحث أن جان بول مارا ذو النزعة الشريرة ونبي المساواة ( استخدم الغوغاء أداة في يده لجعل كبار أفراد الارستقراطية والبرجوازية الحاكمة يدفعون الثمن السياسي لثورة دموية. لقد كان يخطط لإقامة أوّل دولة للبروليتاريا في العالم) ص37 . بالرغم من التحول الكبير الذي احدثته الثورة الفرنسية في عموم أوربا لكنَّها صنعتْ طغاةً جدد بأسماء مختلفة وقد تحوّل الضحية إلى جلّاد. وهذي العيوب يمكن الإفادة منها بحاضر اليوم وثوراته المتجددة . يتكرر مشهد الضحية والجلّاد في الثورة ثورة المكسيك عام 1910 فثائرها( دورتيو أرنغو) كان في السادسة عشر من عمره عاد إلى كوخ أهله ليجد أخته ممددة على الأرض وفستانها ممّزقاً وعينها متورمة لقد قام ابن مالك الأرض باغتصابها بوحشية . ليشعل الثائر النار بوجه الاقطاعيّن إذ كانت المكسيك مقسّمة بين ملّاك الأرض والأقنان ونظامها السياسي يتغذى على دماء المحرومين. وقام ثائر أخرى يدعى (نوزاباتا) ليعلن شعاره (أن تمت بكرامة خير من أن تعيش ذليلاً) ليصبح جنرال الثورة فيما بعد . الثورة المكسيكية قادها انغو الذي غير اسمه ( بانشوفيا ) و(زاباتا) وما نلحظه بحسب الباحث الذي اظهر الثورة بوجهها البربري بعيدة عن التنظيم الممنهج ومع هذا فقد دخلت المكسيك محط اهتمام العالم ولا سيما الجارة الامريكية التي تحكمت أصابعها فيها ومن بعد عمليات فوضى ودماء يتحول الثائر (بانشوفيا) إلى دكتاتور يملك مقاتلين وأموال وتحولت ثورته برأي المؤلف(من الثورة إلى اللصوصية) حتى صار يجمع الضرائب بنفسه أما زاباتا فقد تمّ اغتياله عام 1920 على يد عقيد في القوات الفيدرالية بينما بانشوفيا من قبل السلطة المكسيكية. وفيما يبدو إن الثورة تحتاج إلى وعي فكري يكون قائداً متحكماً انجح واسلم لنشوء نظام عادل. والثورة المكسيكية فيما نرى ردّ فعل شخصي صار ردّاً جماهيراً وصحابها تحول إلى مستبد . وفي أوربا لم تكن الثورة الروسية ووعيها الفكري أقل دموية من سابقتها ففي عام 1917 انطلقت مظاهرة سلمية ضد القيصر نيكولاي عارضين مظالمهم(نحن عمالك المخلصون أطفالنا وزوجاتنا وآباؤنا الذين لا حول لهم ولا قوة نحن فقراء مضطهدون أنهم يضحكون علينا ولا يعاملوننا كبشر ولكن كعبيد بالنسبة لنا حان الوقت الذي أصبح فيه الموت افضل من العذاب المستمر)ص161 . وقد وقع ضحية هذا الاحتجاج ألف شخص وكتب عنها تروتسكي (كان حمام الدم هذا بمثابة بروفة عامة لثورتنا). تزعمها فيما بعد ستالين وتروتسكي ولينين فتمّ عزل قيصر روسيا ، لتعلن البلاشفة أنهم هيئة التمثيل الشرعي للبلاد ، وقد اعتمدت منهجيتهم على مبدأ( اقتلوا ملّاك الأراضي واسلبوهم أرضهم) في حين تمّ اصدار قرار بإعدام العائلة المعزولة وكان تروتسكي صاحب الكلمة الأخيرة( حالما يموت الملك لن تكون هناك فرصة للعودة إلى الوراء)ص201 . وتمّ الإعدام بطريقة سرية وسريعة في عام1918 وقّعَ يوروفسكي الأمر وطلب من العائلة الاصطفاف لأجل اخذ صورة جماعية لهم وألقى عليهم موتهم بكلمات سريعة تصحبها طلقات الرصاص وإخفاء جثثهم وقد تمّ العثور عليها مؤخراً. هل توقف الإرهاب بعد الخلاص من الملكية؟ أصبح قادة الثورة أكثر خطراً فقد شرع ستالين في عمليات قمع كثيرة . وقامت (فاني كابلان) عضوة في الحزب الثوري الاشتراكي بإطلاق النار على لينين بينما ستالين وتروتسكي المتعطشان للسلطة احتدم الصراع بينهما بالرغم من الأيديولوجية المتشابهة بينهما ( الفاشية والاشتراكية) لكن هذا لم يمنع من اغتيال تروتكسي عند لجوؤه إلى المكسيك حين ضربه العميل بالفأس على رأسه قاضياً عليه . بالرغم من الوعي الفكري والتشابه الأيديولوجي عند الثوار الروس لكن لم يمنعهم من الدموية. في حين يقع الثائر ضحية جهل المجتمع كما حصل مع (تشي غيفارا) بعد سيطرة الجنرالات الدكتاتورية على الدول اللاتينية اختار غيفارا دولة بوليفيا التي عرفت بتصدرها الأول في الانقلابات العسكرية لكنها الافقر بين جاراتها وكان يعتقد أن مناخها قابلاً للتحرير لكن البلد كان يؤمن بالخرافات وعبادة الأصنام وينظرون إلى الكهنة مثل آلهة خارقة ولم يكن لديهم أي وعي بالثورة فخابت آمال القائد غيفارا بعد تعرضه لخيانة من كاسترو الثائر والذي اصبح رئيساً كوبا ،وجهل البوليفيانيون فتمّ إلقاء القبض عليه وإعدامه لتجهض ثورته . لكنها تمخّضت فيما بعد حين رفعت الجماهير اللاتينية شعار( نحن جاهزون أيها القائد غيفار) . تختم الدراسة الثورة الإسلامية في ايران والتي غيرت مسار الشرق الأوسط لكنها فيما يبدو ولّدت دكتاتور ديني محل ملك استبدادي . فيما تقدم عمدت إلى عرض أخطاء الثورات والتي هي بمثابة دروس مجانية لثوار الحاضر والمستقبل . ففشل الثورات واجهاضها سببه برأينا لأنّ الثورة ما لم تكتمل في خيال الثوار أولاً فإنها لا تكتمل على الأرض فأن اردت اسقاط النظام لا بد أن يكتمل صورة بديله في خيال الثائر قبل الشروع في اسقاطه . 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top