الإعلام الآخر فـي الانتخابات الأميركية الأخيرة

آراء وأفكار 2020/11/16 07:50:46 م

الإعلام الآخر فـي الانتخابات الأميركية الأخيرة

 رزاق عداي

عندما تتفارق انتخابات مثيرة عن سابقاتها ، في بلد يعتبر نفسه في طليعة ديمقراطيات العالم ، إن لم يكن ، كان مشروعه قبل ثلاثة عقود خلت هو تصدير ديمقراطيته لبقية العالم ، فلا غرابة أن تصبح الانتخابات الاميركية الأخيرة ،الحدث المدوي الأكثر تشوقاِ ، وسير العملية الانتخابية الأكثر إثارة في السنوات الأخيرة ، على مستوى العالم ،--

ولأنها بهذا الحجم فقد كانت مناسبة ،وسانحة نادرة لمنصات التواصل الاجتماعي كي تتفاعل معها بشكل غير مسبوق ، وبدت وقائع الانتخابات مشتعلة بالحماس ، وهي تتوالى كلعبة كرة قدم لفريقي نجمين ، إذ لم تكتف هذه المنصات عن إجراء المقارنات الساخرة المتعلقة بالديمقراطية العريقة ، فقد دخلت الاراء والتحليلات الجادة والطريفة ، ولم تتاْخر المحطات العربية عن تغطية الحدث الاميركي ، بجاهزية واضحة ، واستعداد متمكن وباذخ ، ---

انحبست الأنفاس أمام لائحة فرز الأصوات في كل ولاية ، وكان الجميع في حرب أعصاب ،والمستجد الذي عاشه العالم عما سبقه ، إن الانتخابات هذه المرة ، إن الأنفاس فيها الأميركية والعالمية على حد سواء ،كانت محبوسة خلف كمامات بشكل حقيقي غيرمجازي ، بسبب الزائر الكوني ،غير المرحب به،كوفيد19 ،

كورونا خيم كشبح ، على وقائع سير العمليات الانتخابية ، فارضاً شروطه وديكوراته ، كتداعيات صحية واقتصادية وسياسية ، ومن هذه المؤشرات انبثق جزء من تاريخية هذه الانتخابات ،تجسدت في توجه الملايين الى صناديق الاقتراع ، ولم تمنع مضايقات الكمامات موظفي المراكز المخصصة من أن يكونوا على أعلى جاهزيتهم وعلى مدى الأيام الخمسة التي استغرقتها الانتخابات ،-

لقد كانت المواطنة حاضرة بكل أبعادها ، بما يعنيه إدراك الفرد لمعنى صوته الانتخابي ، رغم انه صوت واحد ، لكن هناك وعي بانه قادر على الحسم ضمن عشرات الملايين ،وممارسته إن هي الا استحاق مواطني ، رغم مخاطر الفايروس ،--

الحدث الانتخابي أفضى الى تعادل المرشحين بفارق بسيط ، ولكن متابعة جاءت برؤى ودوافع مختلفة ، وكانت المتابعة مصيرية لملامح السنوات الأربع القادمة ، وكان باْمكاننا أن نراقب المشهد العام ، ونجرب جميع تفاصيل الصورة الكاملة ،وبالامكان أيضاً الاستنتاج بسهولة إن المزاج العالمي ،الذي مال بوضوح وبصيغة استباقية ،ومنذ انطلاق الحدث الحدث الاميركي ، وحتى قبل إعلان استحقاق كلا المرشحين الانتخابية ، نحو خيار المرشح الديمقراطي ( جوبايدن ) ،--

أما وسائل الإعلام العربية فقد غطت الحدث باحترافية عجيبة وببذخ كبيرين من حيث الأدوات والوسائل ، ولكنها تخلت عن حيادية العمل الإعلامي من حيث الاداء ،--

كان الموقف من الرئيس الاميريكي المنتهية ولايته هو ما حدّد مسافة الانحياز مباشراَ كان أم مواربا ، وتمثل الاداء في انتقائية الأخبار التي جرى اختيارها والتركيز عليها ، ونوعية المحللين وتوجهاتهم ، والتي تصب في أغلبها في مصلحة بايدن ، وتجمل صورته ،-

كان التحيز الى بايدن واضحاً ، ومورس بكثافة ، بغية تهياْة المناخ النفسي للناخب الاميركي من اْصول عربية أو إسلامية المتابع لهذه المحطات ، لدفعه وتوجيهه لتقبل الصورة النقية المطروحة للمرشح الديمقراطي والترحيب بها ،مقابل شيطنة صورة نظيره الجمهوري (ترامب ) ، 

المتابع لهذه الانتخابات من بعيد وخصوصاً ذلك الذي ينتمي مثلنا الى واحدة من البلدان التائهة ، لا يهمه فوز اللون الأزرق أو الأحمر ،بقدر الإعجاب بمشهديتها واّليات ممارساتها ، ولكننا مجبرون للانغماس في لعبة المفاضلة ما بين الألوان ، ويبقى في هذه الانتخابات يسوقنا سؤال هو لماذا بدت شخصية ( بايدن ) أكثر قبولاً نفسياً لدى المزاج العالمي العام ، من نظيره (ترامب) ؟--ينبثق هذا السؤال مع توفر اليقين لدى الجميع ،إن السياسة الأميركية ترتكز على ثوابت لا تتغير بتغير الوجوه أو قاطن البيت الابيض ،واية فروقات قد تحدث ستكون ثانوية ،بمثابة تعديلات طفيفة أو انزياحات حقيقية ، تدرك كسياسة أميركية خارجية تفرز تاْثيراتها السلبية أو الايجابية على بعض دول العالم ،-

هذه اللعبة الأميركية ، هي مبارزة أميركية صرفة ، تهم أهلها الذين يتحقق لهم بعض من التغيرات الإيجابية والسلبية ،--طبعاً ستتكرر هذه اللعبة الجميلة كل أربع سنوات ،لكن الملفت أن كثيراَ من الدول في العالم هي من تربط مصيرها مع ذيول هذه اللعبة ،دون أن تستقل لتخطط لنفسها نمطاَ خاصاَ بها ، حتى تكون لعبتها هي ،، تعزز استقلالها وقرارها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top