من اللوحة إلى الشاشة قراءة ثقافية في السينما والتشكيل

من اللوحة إلى الشاشة قراءة ثقافية في السينما والتشكيل

موج يوسف

لم تكن اللوحة التشكيلية مجرد صورة محنطة تزخرفها الألوان ، بل كانت تحملُ معاني تتوغل في عاطفة الناظر إليها ،

حاملة فيها سرد ، وحدث ، وشخصية ، متكئة على فكرٍ حضاري محاطاً بدلالات ورموز. دراسة الباحث حيدر نصير لازم بعنوان (من اللوحة إلى الشاشة المرجعيات التشكيلية للّقطة السينمائية) الصادرة عن دار العالي مؤخراً .

استطاع الباحث لازم من العودة إلى المرجعيات الأساسية التي كوّنت اللبنة الأولى للسينما وهي الفن التشكيلي ، فقد ناقش في الفصل الأوّل ( علاقة السينما بالفن التشكيلي) من حيث الارتباط بين التقنيات التشكيلية وآلة التصوير السينمائي ، ويرى الباحث أن العديد من التقنيات التشكيلية مهدت لظهور التصوير السينمائي . وعملية البحث هذه قادته ـــــ الباحث ـــ للكشف عن العلاقة المتجذرة بين الفنين وذلك عبر رصد كل من ( الغرفة المظلمة ، الفانوس السحري، التصوير الشمسي ، والصور المتحركة ) هذه التقنيات كانت المخاض الأول لولادة السينما والتي مهدت لظهورها ، وهذا ما حتّم على المؤلف أن يؤرخ لبدايات السينما في تجاربها البدائية من جهة ، ومن أخرى قد كشف عن العلاقة الراسخة بين هذين الفنيّن وهذا ما قادنا إلى التساؤل عن إذ كان هناك فرقٌ بيّن وواضح بين الفنيّن ؟ لتكمن رؤية الباحث في أن الحركة هي الفرق الأساس بين التشكيل والسينما ؛ لأن الأخيرة تعتمد صورتها على الحركة ودونها لا وجود لفن السينما . بينما اللوحة في الفن التشكيلي تحاول إيهام المتلقي بالحركة عبّر الخطوط والصراع اللوني كلها تعطي ديناميكة في الصورة . ويعزز الباحث نصير رؤيته التي انطلقت منها الدراسة ليقف عند المكوّن الأوّل للسينما وهو ( عناصر البناء التشكيلي للّقطة السينمائية) فكان هذا الفصل الثاني ، والذي توغل الدارس فيه بعمق العناصر المنتجة للّقطة السينمائية بدءاً من عنصر النقطة : التي تكشف عن طبيعة العلاقات المكانية ومعرفة المسافة بينهما وهي موجودة في اللوحات التشكيلية ، ومن ثم ينتقل إلى الخط ، والذي يعدّ منتجاً للدلالات التي يمكن استقراؤها من نوعية داخل فضاء الصورة السينمائية . ومن وجهة نظرنا الثقافية إن هذه الدلالات ذات معنى مضمر ، وحضورها يأتي لحسم اللحظات الغامضة ، والتعبير عن موقف ما فهي بمثابة النص ، والكلمات التي يطرحها الفنان بلغة مشفرة تعبر عن بوحه الذاتي . ويتوقف الباحث نصير عند ( الشكل ) الذي هو المدخل الأساس والقائد إلى المعنى وعن طريقه يمكن الوصول إلى المضمون ، وهو البناء الظاهر للمضمون ورؤية الباحث تقودنا إلى رؤية أخرى لتأويل الشكل باعتباره أيقونة تقود المتلقي إلى فكك لغة المضمون وما يخفيه الفنان من رسالة موجهة إلى الجمهور . ويواصل الباحث بتتبع عناصر اللّقطة والتي تتراوح بين ( الكتلة ، واللّون ، والتوازن ، والإيقاع ، والحركة ، والفراغ أو الفضاء ) وغيرها من العناصر ، بل وهذه التقنيات أو العناصر هي الوحدة الفنية التي يتطلب تكاملها للحكم على جودة العمل . وهذا ما جعل الباحث ينبه المخرج السينمائي على أهمية تكاملها وكيفية توظيف التشكيل من أجل إبراز الدلالات والأفكار أو تعمق المدلول الدرامي أو السردي . العمل الإبداعي والفني لابد أن تتوفر فيه مرجعيات يستند عليها المبدع وهذا ما تطلبته الدراسة ليبحث في صلب الموضوع الذي أثار فكره ليعنون الفصل الثالث ( المرجعيات التشكيلية للّقطة وفق تنوع النظريات الأدائية) إذ كانت المرجعيات السينمائية نابعة من بعض نظريات الفن التشكيلي ، وأولها الكلاسيكية ؛ لما فيها من نظام يحول المادة الخام وغير المصقولة إلى شكل ونموذج ، ويعدّ من عمل العقل . ولا ننسى أن الكلاسيكية كانت هي السائدة في أوروبا قبل عصر النهضة وانتجت فناً وأدباً تجلى إلى السينما . وثانيها الإنطباعية والتي تعدّ من النظريات المهمة على مستوى الفن التشكيلي فكانت مصدرَ إلهام العديد من المخرجين السينمائيين ـــ بحسب رؤية الباحث ــــ أمّا الثالثة التعبيرية فقد وظفت الطروحات النفسية داخل المنجز الفني ، ويبين المؤلف إن السينما التعبيرية الألمانية استفادت من المذهب التعبيري في الرسم ويشير إلى فيلم ( كابينة دكتور كاليجاري) . أما النظرية الرابعة فهي التجريدية التي كان لها الأثر الواضح في صناعة المحتوى السينمائي ، ويختم الباحث مرجعياته بـ( السريالية ، والرمزية ، والتكعيبية ) ويرى أن هذا ما جعل السينما تُعيد إنتاج اللوحات العالمية ، فقد كان لموضوعات اللوحات التشكيلية ، ونقل تصاميمها البصرية ، وطبيعة العلاقات التشكيلية ما بين عناصر التكوين في اللوحة ؛ لتكون لقطة سينمائية وهذا ما تمّ توضحيه ودراسته من قبل البحاث نصير حيدر لازم حين ختم الدراسة بفصل أخير ، اختار ثلاثة أفلام وهي ( آلام المسيح ، أشباح غويا ، والطاحونة والصليب) فعمل على تحليل الفيلم وبيان مرجعية كلّ لقطة بإنها مستمدة من اللوحات العالمية ومنها لوحة جسر قرية آل للفنان فان كوخ ، ولوحة امرأة شابة وشجرة العرعر ليوناردو دافنشي وغيرها . الدراسة تفتح آفاقاً كثيرة للباحثين للخوض بهذه التفاصيل الدقيقة ، وتنبه المخرجين السينمائيين على أهمية وجود الفن التشكيلي في اللّقطة وصنع محتواها ومن وجهة نظري أن الباحث استطاع أن يعالج مشكلة ضعف الدراما العربية والعراقية خاصة التي صار محتواها فارغاً من الجمال والإبداع ؛ لبعدها عن التشكيل وعزل دور الفنان التشكيلي من السينما .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top