(إيحاءات) زادي سميث فـي زمن الكورونا

(إيحاءات) زادي سميث فـي زمن الكورونا

ترجمة : أحمد الزبيدي

نشر الكاتب والناقد سكوت كورب والأستاذ في جامعة باسيفيك في ولاية أوريغون الأميركية مقالة عن كتاب الروائية زادي سميث الأخير الذي كان بعنوان (إيحاءات)

أشار فيها الى أنه بات يشعر منذ آذار الماضي مع تصاعد موجة انتشار وباء كورونا ، أن بعض قدراته في الكتابة بدأت تتضاءل. وإنه لم يعد يتمكن من الكتابة:

في منتصف إحدى ليالي الربيع ، كتبت ملاحظة وجهت فيها السؤال التالي لنفسي، "لماذا لا تكتب؟" ثم أجبت بنفسي في الصباح التالي على ذلك السؤال: "لأنني لا أريد أن أدوّن أيًا من هذه الأفكار التي أشعر بها." كما أنني لم أتمكن من القراءة ، لا قبل النوم ، ولا وأنا على متن الطائرة التي كانت تأخذني غرباً.
كان أول شخص قريب لي علمت بوفاته بسبب فايروس كورونا هو شقيق المدير المالي في الجامعة التي أعمل بها ؛ ثم لحقه المشرف على المبنى الذي يعيش فيه بعض أصدقائي مع بناتهم ؛ أما الشخص الأقرب لي حتى الآن ، فقد كانت كاتبة وأستاذة جامعية كنت قد عملت معها في السابق ولها أخت، تعمل ممرضة ، وثقت وفاتها على موقع تويتر: وكيف كانت محادثتهما الأخيرة عبر الهاتف ، وإستخدامها جهاز التنفس الصناعي ، وكيف كان يصلي أفراد الأسرة باستمرار من أجلها حتى بعد رحيلها.
يبدو أن عميدة الكلية ومساعدتها قد أصيبوا بالفيروس، وعلى الرغم من أنني فقدت حاستي الشم والتذوق لمدة أسبوع في نيسان ، إلا أن نتيجة اختبارات الإصابة بالفايروس التي أجريناها أنا وزوجتي في المنزل لطمأنة أنفسنا كانت سلبية بشكل غير مؤكد ، وكانت تدور شتى الأفكار يبدو في رأسي في ذلك الوقت. وبقيت لا استطيع أن أقرأ.
كان الكتاب الأول الذي انتهيت من قراءته أثناء فترة الإغلاق هو كتاب إيحاءات للروائية زادي سميث ، وهو مجموعة مقالات قصيرة كتبت قبل عام 2020. وهذا الكتاب يحوي مجموعة من المقالات الشخصية ، "صغيرة بحكم التعريف ، وقصيرة بحكم الضرورة" ، على حد تعبير الكاتبة ، مكتوبة في "ذلك الحيز الصغير من الوقت الذي سمحت به انشغالاتنا هذا العام ". (وهو يشبه نوعاً ما ما تقرأه الآن). في هذه المقالات ، تتذكر سميث مدينة نيويورك ، خاصة في اللحظة التي سبقت فترة الإغلاق مباشرة ، عندما ، شاهدت على سبيل المثال ، في أوائل أيام ذلك الربيع الهش ، امرأتان في منتصف العمر تحدقان في بعض زهور التوليب من خلف أسوار حديقة جيفرسون ماركت المقفلة. وتقولان إنهما كانتا منجذبتان الى ذلك المكان في تلك اللحظة بفعل نوع من مشاعر "الغريزة القوية" ، رغم أنهما كان لديهما مكاناً آخر يذهبان إليه. والفكرة في هذه ، المقالة المعنونة "زهور الفاوانيا" ، أنها كانت تتمنى لو أنها شاهدت ذلك النوع من الزهور بدلاً من زهور التوليب ، وهي تشير بذلك الى الشعور بالتوتر الذي ينتاب المرء حين يكون عليه الاختيار بين المقاومة والخضوع:أي التحكم في تجاربنا (من خلال الكتابة ، بشكل غير عملي ، إلى حد كبير) ، لقد استولى الفايروس على أهتمام العالم بأسره بمجرد ظهوره ، وولّد حيرة وتردّداً لدى الكاتبة عبرت عنه بالقول: " حينما تخوض التجربة بنفسك لا تجد فيها عناوين لفصول أو فواصل بين الفقرات أو علامات حذف لتلتقط أنفاسك ... إنها تهجم عليك دون أن تمنحك اية فرصة لاستكشاف خباياها".
في مقال لها في الكتاب بعنوان "الاستثناء الأميركي" ، تشير المؤلفة الى ما قاله الرئيس ترامب في أواخر آذار وهو يتحدث عن الاختلاف ، في أمريكا ، بين "الأموات" و "الموت المطلق": فقد قال ترامب: "أتمنى أن نتمكن من استعادة حياتنا القديمة" . "كان لدينا أعظم اقتصاد شهدناه على الإطلاق ، ولم يكن لدينا هذا الموت". هذا التمييز بين الأموات والموت هو أحد الموضوعات العديدة التي تعود إليها سميث في كتابها ، بعد أن ركزت عليه في وقت سابق في مقالات لها نشرت عام 2013 تناولت فيها أعمال الرسامين مارك روثكو ، وآندي وارهول ، و كتاب كفاحي للكاتب كارل أوفه كناوسغارد. وقد حاولت في تلك المقالات ، أن تتخيل نفسها كجثة ، لكنها فشلت ، وقامت بعد ذلك ، بالإشارة إلى الانطباعات الأولى التي يلاحظها الأطفال عندما يجيئون الى العالم، التي تثير عندهم عالمًا مليئًا بالعديد من "الانقسامات الغريبة": "أناس فوق وأناس تحت،أشخاص سود وأخرون بيض،اغنياء و فقراء، احياء وأموات ."حيث تقول:
والأغرب من ذلك كله هذا التوزيع غير المتكافئ للجثث. يبدو ظاهرياً أننا نأتي من أرض يعيش فيها الناس جميعاً بشكل طبيعي. لكن هؤلاء الأشخاص (غالباً ما يكونون ذوي بشرة سمراء ، وغالباً ما يكونون فقراء) يأتون من مكان ينتشر فيه الموت. يا لها من محنة أنني ولدت في مثل هذا المكان!
في كتابها الجديد ، تستأنف زادي سميث ذات الحديث. فتكتب عن الموتى في أميركا ، الذين يُنظر إليهم على أنهم "خسائر " أو "ضحايا" ، او" مجرد مارة أبرياء لا أكثر و لا أقل "فتكتب قائلة :
جميع هؤلاء يحملون بعض الذنب عن موتهم.بسبب مجيئهم في المكان الخاطئ والزمان الخاطئ. أو أن لون بشرتهم خاطئ.أو لأنهم كانوا يسيرون في الجانب الخطأ من الشارع. أو كتبوا رمزاً بريدياً خاطئاً ، أو يؤمنون بمعتقدات خاطئة ، أو كانوا يعيشون في المدينة الخطأ. أو كانت أيديهم في الوضع الخاطئ عند مطالبتهم بالخروج من السيارة. أو أن تأمينهم الصحي غير قانوني - أو لا يملكونه. أو تصرفوا بشكل خاطئ مع ضابط الشرطة (تشير الى حادثة مقتل جورج فلويد- م).
لا أعرف جيداً الذنب الذي اقترفه شقيق المدير المالي للجامعة التي اعمل بها أو أصدقائي في المبنى الذي اسكن فيه حسب النمط الأميركي ، لكن الأستاذة والكاتبة ، رانا زوي مونغين ،البالغة من العمر 30 عاماً ، ماتت بعد إرسالها مرتين إلى المنزل من المستشفى من دون إجراء اختبار لها. ولكونها سوداء ،فقد ماتت في حي براونزفيل في بروكلين والذي غالبية سكانه من الفقراء السود ، حيث تبلغ معدلات الإصابة بفيروس كورونا خمسة أضعاف ما كانت عليه في حي مانهاتن الذي كنت أعيش فيه ، وحوالي ثمانية أضعاف ما كانت عليه في قرية غرينتش ، القريبة من حديقة جيفرسون ماركت – وهذه الحقيقة لا تغيب عن انتباه سميث فتشير في كتابها الى : "إن خارطة انتشار فياروس كورونا في أحياء نيويورك تبدو كما لو أنها لاتشير الى المناطق بحسب معدلات الإصابة بالفايروس وعدد الموتى من جرائه بقدر ما تشير الى التوزيع السكاني حسب الدخل فتكثر تلك المعدلات لدى الأفراد ذوي الدخول المتدنية
على الرغم من أن الكاتبة تصف نفسها بانها "إنسانة عاطفية" - أي أنها تعتقد أن "الغاية من الأدب هو لمساعدة الناس ، حتى لو كانت المساعدة مؤلمة - خاصة في مثل هذه الاوقات" إلا أن طلبتي ينظرون إليها أحياناً على أنها غريبة. ويبدو أن سبب ذلك إنهم يعتقدون أنها تقوم بملاحظتهم ، ودراستهم ، بطريقة غريبة ، لأنهم على ما أعتقد ، لم يعتادوا على الاهتمام الدقيق بهم ولا يشعرون بأنهم يمتلكون القدرة على ملاحظة الأشياء كما تفعل. (إذا شعروا بهذه الطريقة ، فهذا خطأنا نحن الأكبر سناً منهم ).
إن الفكرة التي تشير اليها زادي سميث في كتابها وهو إن احزاننا لا تمثل دائماً طبيعتنا الشخصية هي بالضبط ما تجعله كتاباً متميزاً ، أو ربما تكون ببساطة هي التي أمدتني بالقدرة على إنهاء الكتاب في خضم عام من الحزن المتزايد الذي لم يكن من الضروري أن يحدث. (والفكرة الفلسفية المعروفة ب "الاحتمال او الإمكان" ، والتي تشير الى حقيقة أن يكون المرء في وضع ليس هناك حاجة لأن يكون فيه ، هي من المواضيع الأخرى التي تشير اليها زادي سميث في تلك المقالات.) هذا لا يعني أن أحزاننا ومعاناتنا هي في الواقع نسبية أو قابلة للقياس لكن هذه المعاناة كما تقول سميث مثل الشعور بالتميز تؤثر على كل واحد منا على حدة ، وتتكيف مع أجسادنا وعقولنا ،و كما تقول سميث ، "كما لو كانت تتشكل بشكل فريد" لكل واحد منا. لكننا كلنا نعاني. وكلنا نحزن. النساء اللواتي يمسكن بأسوار حديقة جيفرسون ماركت جاردن ، وزادي سميث في العزلة التي وصفتها في الكتاب ، وأنا في عزلتي ، وأنت في عزلتك. تقول سميث: "إن الشعور بالتميز والإحساس بالمعاناة لديهما الكثير من الأشياء المشتركة".

عن موقع لوس أنجلس ريفيو أوف بوك

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top