الفيلسوف الفرنسي روجيه بول دروا : فايروس كورونا.. هو تسونامي عقلي

الفيلسوف الفرنسي روجيه بول دروا : فايروس كورونا.. هو تسونامي عقلي

ترجمة : عدوية الهلالي

في فترة الحجر المنزلي التي خضع لها أربعة مليارات شخص من سكان الأرض ، حرص الفيلسوف الفرنسي روجيه بول دروا على كتابة يومياته ليتذكر تفاصيل تلك الفترة ..

وتصور فلسفة دروا الفايروس على أنه صراع العصر الذي يمتزج فيه القلق بالأمل ،كما يعتبر أي تفكير أعقب فترة الوباء المذهلة بأنه زائف لأن تلك الفترة كانت من أكثـر الأوقات التي شهدتها البشرية عنفاً وصعوبة عدا مانتج عنها من انهيار للاقتصاد العالمي ..

يقول الفيلسوف روجر بول دروا بأن الوباء علمنا كيفية إعادة التفكير في الموت دون اندهاش ولامبالغة وبدون مراوغة أو لامبالاة ، ففي كل يوم تتزايد الحصيلة المروعة لضحايا كوفيد -19 في جميع القارات ، ومنذ بداية الوباء ، يندب الكثير منا بالفعل اختفاء الأصدقاء والأقارب ، ونخشى على أحبائنا وعلى حياتنا بعد أن شعر كل من في الكوكب فجأة بأن الموت كامن في كل مكان ..لقد كدنا ننسى تلك الحقيقة بجعلها غير مرئية وإيداعها في الظل ..كنا ندرك إننا جميعاً بشر وإننا ننتظر الموت ، لكنها كانت مجرد حقيقة غامضة وليست مؤلمة وملموسة كما هو الحال الآن ..لقد تحول الموت الى شبح ذي قوة مذهلة ، لذلك بدأنا نسعى الى الحصول على الدعم ..

ويرى دروا أيضاً بأن من المغري التمسك بهذه العبارة التي ينسبها افلاطون الى سقراط :" التفلسف هو أن تتعلم كيف تموت !" ، أم نعود الى ابيقور ليشرحها لنا لغرض تبديد القلق بعقلانية ..فلماذا لايمثل الموت شيئاً بالنسبة لنا ، وهل علينا أن نستعير من الرواقيين أو من ماركوس أوريليوس أو سينيكا تدريباتهم على الحزم ونبذ الخوف ونقنع أنفسنا بمغادرة الحياة دون ندم وبوعي تام ؟ ربما لايكون هذا شيئاً فعالاً ولايتناسب مع الأوقات التي نمر بها ..علاوة على ذلك ، فأن " تعلم الموت " بالمعنى الحرفي للكلمة ، هو مشروع سخيف – كما يرى الفيلسوف دروا – ولن يحصد الكثير من الاهتمام والاقتناع ..

إذن ،هل يمنعنا فايروس كوفيد 19 حقاً من العيش ؟ وماهي قيمة الوجود الذي يتساءل عنه الفلاسفة القدماء عندما يصبح العالم فريسة للمقايضات بين الاقتصاد والصحة العامة ؟وهل ينبغي علينا الاشتراك في عملية حماية الحياة بالاجماع والاقتناع بوجوب الحفاظ على الوجود وتحسينه قدر الإمكان ؟..اذن ، كيف يمكن حل الخلافات التي تمزق الرأي العام اليوم ؟ والتي تدور حول "الحياة الحقيقية " ، تلك الحياة البيولوجية والعضوية التي تشترط وجود الكائن الحي لتكون بشرية وممتلئة وحقيقية ..

وبالنسبة للفيلسوف روجر بول دروا ، يمكن أن تساعد الفلسفة في رؤية الأشياء بوضوح في أزمة مثل هذه ،وهي ماجعله يعتبر الوباء تجربة حميمية وعالمية كبيرة بل إنه يشبه تسونامي عقلي ، إذ يضغط وباء فايروس كورونا على النظام الصحي ويهدد الاقتصاد العالمي ويعطل التوازنات الاجتماعية ويكشف الأنظمة الأضعف في العالم ..كيف يمكن للفلسفة إذن أن تساعدنا على عبور هذه الموجة العالمية التي تكسر معاييرنا وتغير حياتنا اليومية وعلاقتنا بالآخرين ومع العالم والحرية والعمل لأنها تكشف مالم نكن نريد رؤيته ؟..ربما لم تكن هنالك تجربة في التاريخ بهذا الحجم وبهذا الشكل ، فهذا الوباء لايؤثر في حياتنا اليومية فقط بل في أفكارنا ومعتقداتنا ويقيننا ، من خلال الكشف عما لم نكن نريد رؤيته من هشاشة حياتنا ودور الصدفة فيها ، فلم يتوقع أحد مثل هذه التجربة الفلسفية الراديكالية ..فمنذ حوالي عشر سنوات ، عرف روجيه بول دروا مجتمعنا المعاصر بأنه عالم مهووس بالرغبة في القضاء على الصدف والرومانسية والخيارات الشخصية والفنية ، لكن الصدفة جزء من الوجود ، وهاهي تعود بهيئة هذا الفايروس الذي لايمكن التنبؤ به مايجعلنا نختبر بعمق علاقتنا بالأمور الطارئة والعشوائية ..

ولكن ، إذا كانت هنالك تجربة جذرية ، فيجب أن يكون هنالك تغيير جذري أيضاً ،فهل يمكننا تخيل الحياة بعد فايروس كورونا ..ستكون هنالك عواقب مؤلمة للغاية ، وآمل أن تكون هنالك عواقب إيجابية أيضاً ، فالفرق بين هذا الوباء وأزمة عام 2008 أو سلسلة الهجمات الإرهابية هي ان فايروس كورونا يدخل في جميع مفاصل المجتمع ويجبر المرء على التفكير بنفسه وبالآخرين وبشكل جماعي .. كما أن عواقب هذا الوباء المباشرة لا تقتصر على الصحة وسوق الأوراق المالية والحياة الاجتماعية. فبطبيعة الحال ، سيشبع الفايروس المستشفيات أكثر وأكثر ، ويؤدي إلى كساد الاقتصاد ، وإحداث فوضى في الأسواق المالية ، وتهديد للوظائف. لكنها أيضاً تجربة فلسفية مذهلة أقل ضوضاء ، وربما أقل وضوحاً في البداية. لكنها عميقة ودائمة ، فعندما تفكر للحظة، في المسار الطبيعي للحياة اليومية ، ينكسر شيء ما لا علاقة له بصدمة الهجمات الإرهابية. ولا مع العنف المعتاد الآن في النزاعات الجارية. اضطراب لا يزال غامضًا ، يصعب تحديده بدقة ، ولكنه يجبر الجميع فجأة ، على حين غرة ، على إعادة تقييم خرائطهم الذهنية.لأن التجربة الفلسفية هي أولاً وقبل كل شيء: موقف تتصدع فيه الحياة اليومية وتجبرنا على التفكير ، وإعادة النظر في وضوحنا ، والتفكير فيما نتركه جانبًا..

وهذه الصدمة العقلية يمكن أن تسمى "فرصة". إذ نختبر الآن ، ساعة بساعة ، لغز العشوائية. في عالم يريد القضاء عليه بأي ثمن ، حيث من الواضح أننا لم نتوقعه واعتدنا جميعاً أن نحلم من منظور "انعدام المخاطر" ، والأنشطة الخاضعة للرقابة ، والسيطرة العامة. فبحماسة غير مسبوقة ، سعى عصرنا إلى ارتكاب "قتل الصدفة" في كل مكان - وهي العبارة التي صاغها الفيلسوف دروا قبل عشر سنوات.لكنه عاد الآن بقوة ضمن ( صدفة) صعبة وعلينا أن نتعامل في كل مكان مع مالم نعد نواجهه مباشرة وما لا يمكن التنبؤ به ،الشيء المرتجل ، الذي لا يمكن السيطرة عليه. وعدم اليقين الذي واجهنا على الصعيدين العالمي والشخصي.

من زاوية أخرى ، يمكننا أيضاً تسمية الصدمة "بالحرية". فمن خلال مواجهتنا بما هو غير متوقع ، وبعدم اليقين ، والجهل ، والشك ، فإن هذا الفيروس يعيدنا في الواقع إلى أنفسنا ، وإلى قراراتنا ، وأعمالنا المسؤولة لأن حريتنا - متناقضة كما قد تبدو للوهلة الأولى ..فكيف سنكون إذن أحراراً عندما نتعرض لوباء لم نختاره؟ بينما نحن تحت قيود يقررها الآخرون؟

المفارقة موجودة: فزيادة الضغط الاجتماعي تزيد من حدة الحرية ، في نفس اللحظة التي يبدو فيها أنها تتضاءل. وقد رأى سارتر هذه الغرابة جيدًا ، عندما قال: "لم نكن أبداً أحراراً كما كنا تحت الاحتلال" ..لذا فأن تجربة الفايروس ، بطريقتها الخاصة ، تعيد تنشيط الأسئلة القديمة ، التي كان يُعتقد أنها أصبحت قديمة ، حول الحتمية والإرادة الحرة.كما ان المخاوف القديمة والمخاوف الجديدة تلتقي وتتواجه. فقد كان الهوس القديم بالأوبئة والجذام والكوليرا موجوداً فقط في كتب التاريخ. وهاهي تعود إلى الخدمة من جديد ، لكنها تصطدم وتميل إلى تعزيز كوابيسنا الأخيرة المتمثلة في نهاية العالم وانهيار ونهاية العالم.

في النهاية ، يمكن أن يكون كل ما أردنا إخفاءه حتى لا نفكر فيه مرة أخرى –هي تقلبات التاريخ ، وهشاشة وجودنا ، ومحدودية الحياة وضعفها ، والنضالات التي بدأت دائمًا بنتيجة غير مؤكدة ، باستثناء الموت في النهاية ، لأنه يعود إلينا فجأة دائماً ، وبصيغ مختلفة ، إنها بالفعل تجربة فلسفية عميقة ..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top