قناديل .. الترجمة : شغف يلهم الإبداع

لطفية الدليمي 2020/11/21 06:49:53 م

قناديل .. الترجمة : شغف يلهم الإبداع

 لطفية الدليمي

شغفت بجماليات لغتي العربية وسحرها مذ امتلكت مفاتيح القراءة، ودفعني افتتاني باللغات إلى عشق اللغة الانكليزية مبكراً ،والسعي لتعلم الألمانية تارة والعبرية والأكدية تارة أخرى، لكني هجرتها جميعاً وتمسكت باللغة الانكليزية لوضوحها ويسرها وأهميتها لعصرنا، ودفعني للمضي قدماً أنني حصلت على دورة في كلية غولدسمث - جامعة لندن صيف عام 1978 أهلتني للارتقاء بلغتي الإنكليزية ومنحتني مفاتيح ملهمة للتعرّف على فضاءات غير مسبوقة.

بدأت علاقتي بالترجمة في ثمانينيات القرن الماضي عندما عملت في مجلة الثقافة الأجنبية وترجمت عدداً من القصص القصيرة ومتابعات ثقافية وفصولاً من يوميات فيرجينيا وولف، ثم ترجمت روايتين ومختارات من القصص العالمي، وتعزز شغفي بالترجمة في العقد الثاني من هذا القرن بسبب تفجّر الدفق المعلوماتي الذي أتاحته لنا الشبكة العالمية ( الإنترنت ) ؛ الأمر الذي شكّل إنعطافة كبيرة في تنوّع قراءاتي في الأدب والعلوم ( الفيزياء بخاصة ) والفلسفة إلى جانب السير الذاتية والمذكرات (التي أعشقها عشقاً كبيراً ) . 

غدت الترجمة - بالنسبة لي نبع إلهام ومتعة إضافة لشغفي بالرواية والقصة والكتابة المقالية والدراسات ، وخصصت لها وقتاً محددا لم يؤثر على اشتغالاتي الأخرى ، بل اعترف أن الترجمة أغنت أعمالي الأدبية بالرؤى الجديدة التي جنيتها من اطلاعي المثابر على مستجدات الفكر والعلم والفلسفة ، إضافة إلى الآفاق الواسعة التي أتاحتها لي لما تتطلبه من قراءات متنوعة لاختيار الأعمال الملائمة للترجمة. وقد أعانني على الموازنة بين انشغالاتي المختلفة التزامي بالنأي عن العلاقات الاجتماعية والابتعاد عن الظهور الإعلامي وتنظيم وقتي بشكل دقيق .

باتت ترجماتي الحديثة ومنذ نحو ست سنوات أكثر تنويعاً وتضميناً لعناوين في السيرة والسيرة الذاتية والمذّكرات والمصنّفات الفلسفية والعلمية و الحواريات المعرفية، كما تعزز لدي تقليد ثابت وهو العمل على مجموعة من الترجمات في وقت متزامن وهو الأمر الذي يديم لدي نوعاً من الحيوية الذهنية والمتعة التي أنتشي بها طوال الوقت . 

يمكنني القول إن ممارسة الترجمة إلى جانب الكتابة الإبداعية توسّع آفاق الكاتب وتضيف ذخيرة ثرية من الأفكار والرؤى والخبرات إلى عدّته الروائية ، وقد خبرت هذا الأمر شخصياً وتلمستُ آثاره الطيبة في عملي وحياتي .

المترجم - كما أرى - هو كاتب آخر للنص ، والترجمة هي نقل جسم معرفي مكتوب بصيغة أفكار في سياق لغوي وثقافي محدّد إلى مايقابله في لغة أخرى ، ونعلم أنّ كلّ لغة هي تركيب ضخم ومعقّد من العناصر النحوية والدلالية التي تؤثر في تشكيل النمط العقلي والسايكولوجي للناطقين بها ، ولايمكن نقل ذلك النمط إلى لغة أخرى .

يختلف حجم التأثير الفردي للمترجم في تشكيل المادة المترجمة بقدر حجم المؤثرات ذات الطابع الدلالي في النصّ الذي يُترجمه ؛ أي أن بصمة المترجم المميزة ستكون أكثر وضوحاً إذا ماكانت المادة المترجمة نصّاً شكسبيرياً أو مادة تختصّ بفلسفة العلم - مثلاً - بدلاً من أن تكون مادة تقوم على القيمة الإخبارية ( أحد نصوص الهندسة الوراثية أو الفيزياء الكمومية على سبيل المثال ) ، وإذا ماوضعنا في حسابنا أنّ العالم بات يتّجه صوب التفكير الخوارزمي الذي يعمل على كبح المؤثرات الدلالية في اللغة لصالح إعلاء شأن الخوارزميات المنمّطة المتوافقة مع متطلبات الذكاء الاصطناعي ، فلن ندهش عندما نكتشف تراجع عبارة ( المترجم كاتب آخر للنص المترجم ) لتحلّ محلّها عبارة (المترجم وسيط لنقل الفكر بأفضل وأدقّ وسيلة متاحة تحافظ على ذلك الفكر في صيغته الأصلية ) .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top