منصات الجامعات بين المتحصل والمطلوب

آراء وأفكار 2020/11/21 07:49:10 م

منصات الجامعات بين المتحصل والمطلوب

 د. نادية هناوي

احتلت مفردات بعينها خلال ظروف الحجر المنزلي بسبب الجائحة العالمية تعابيرنا وصارت لها الصدارة في كلامنا الذي نتداوله يوميا فتتردّد على ألستنا بكثرة مثل كورونا والوباء والجائحة ـ التي كانت من قبل مطمورة في بطون القواميس ـ والكمامة والتعفير والحجر والحظر والاغلاق والتباعد وإسطوانات الأوكسجين واللقاح المضاد والجيش الأبيض وأجهزة الانعاش وغيرها مما له صلة بالصحة والمرض ويهيمن على كلامنا بشكل واسع،

أما بسبب ما تولده من ضغوط نفسية علينا صغارا وكباراً أو لأنها لم تقتصر على جانب حياتي واحد وإنما شملت جميع مرافق الحياة ومؤسساتها العامة والخاصة التي أُصيبت أغلبها بالإعاقة والتعطيل سواء كان ذلك بإرادتنا أو كان خارجا عن إرادتنا.

ومن المؤسسات التي كانت قبل حلول كورونا تمد عصب الحياة بالمداومة والمواظبة والانضباط الدؤوب، المؤسسة التعليمية بكل مراحلها الأولية والثانوية والجامعية والعليا والتي أصابتها كورونا بالشلل حتى غدا الجزء الأعظم من أنشطتنا معطلا وقد اضطر نشئنا الواعد أن يكونوا جليسي البيوت؛ بيد أنهم تمكنوا من المواصلة مع أساتذتهم ومؤسساتهم متلقين دروسهم ومؤدين فروضهم وواجباتهم من خلال نافذة كانت موجودة قبل كورونا بصورة جزئية وربما كمالية( اعتبارية ) وصارت مع الجائحة هي الحياة نفسها، اعني الشبكة العنكبوتية التي أنقذت البشرية من عطالة العزل والحجر، وساعدتها على تجاوز صرامة سجن كورونا. فتواصلنا مع شرق الدنيا وغربها، واستطعنا أن نطلع على ما في العالم من جديد، ومن خلالها نتزود بكل متطلبات الاستمرار والصمود، وعبرها نؤدي التزاماتنا وعليها نعتمد في تمشية أحوالنا وأداء أعمالنا على تنوعها واتساعها. 

ولا يسعنا في هذا المقام أن نعدد حسنات الانترنت والخدمات الاتصالية التي تمدنا بها الشبكة؛ بيد أن جزءاً كبيراً من تلك الحسنات سنجده كامنا في مجال التعليم الالكتروني عبر مواقع وتطبيقات وبرامج هي في الغالب متاحة بالمجان وبإمكان أي فرد مهما كانت قدراته ضئيلة أن يعرف آليات تفعيل تلك المواقع والتطبيقات فيتمكن من الدخول إليها والعمل عليها بكل يسر وراحة. 

ويسر هذه البرمجيات الحاسوبية يتمثل في سهولة تعلمها بخطوات يسيرة سيجدها معرفة وموضحة في صور وبورتريهات وفديوهات ورسومات وشروح، حتى أن الذي لا يعرف القراءة والكتابة يمكنه استعمالها والإفادة منها نظراً لسهولتها ووضوح إجراءاتها.

ولعل أكثر تطبيقات البرمجيات الموجودة على الشبكة العنكبوتية أهمية ومنها أفادت المؤسسات التعليمية طلاباً وباحثين وأساتذة ومدرسين وإداريين هو تطبيق ZOOM الذي صمم بطريقة تسمح للمستخدم أن يقدم ما لديه من محاضرات ودروس متى ما شاء وبشكل مباشر (اونلاين) كما أن لا فرق في ZOOM بين أن يكون التواصل والتحاور صوتاً وصورة أو يكون كتابة ولا ضير أيضاً في استعمال التطبيق من خلال الحاسبة أو بالاعتماد على النقال.

وليس في عمل هذا التطبيق فرق بين أن يكون عدد المشتركين أفراداً أو يكون جماعات، قد تصل الى المئات كما أنه مزود بآلية تسمح بفتح الصفوف وتنظيم القاعات وإجراء الاختبارات وتبادل الآراء وعقد الاجتماعات وإجراء النقاشات واتخاذ القرارات وصناعة الخطط ومتابعتها وإدارة المؤسسات وتنظيم عملها ..إلى آخره من النشاطات التي كانت تقوم بها إدارات المدارس والمعاهد وعمادات الكليات ورئاسات الهيئات التعليمية الأعلى والأعقد.

وكان المفروض علينا أن نعمل بهذا التطبيق من قبل أن تأتي الجائحة نظراً لما في استعمال ZOOM من اختصار في الجهد وتوفير في الوقت وتقليص في الحلقات الإدارية المطلوب المرور بها؛ بيد أن ذلك الافتراض للأسف لم يكن معمولاً به في مؤسساتنا التعليمية بعامة والجامعية بخاصة التي كانت تمتلك ـ بسياسة حوكمة القطاعات الجامعية ـ كل متطلبات ذاك الافتراض.

فلما اجتاحنا الوباء وهدّدنا فايروس كورونا، انتبهنا إلى ZOOMكتطبيق ذي مجالات مهمة أفادتنا إفادة كبيرة وحققت النفع لقطاع التربية والتعليم.

ولهذا التطبيق وظائف ومظاهر كثيرة، وواحدة من تلك المظاهر التي صارت في الآونة الأخيرة ذات أهمية خاصة نظرا لعلاقتها الصميمة بسياق العمل الجامعي ومقتضياته العلمية هي( المنصات الجامعية ) التي من خلالها تجاوزنا ما سببته كورونا من حجر وتباعد وتمكنا من التقارب مواصلين أنشطتنا العلمية والثقافية والفكرية سواء بتقديم المحاضرات الحية وعقد المؤتمرات بمختلف التخصصات أو بالإسهام في الورش والندوات فضلا عن إلقاء الدروس وإجراء الاختبارات والسمنارات والمناقشات. 

واليوم صارت لكل مؤسسة جامعية تقريباً منصات لها تسمياتها وروابطها و(كوداتها) التي يمكن الوصول إليها والتفاعل معها بكل سلاسة وراحة، محققين من خلالها غاياتنا المرجوة ومؤدين ما علينا من التزامات وأعمال.

وتتفاوت جامعاتنا العراقية في كيفيات استثمار منصة ZOOM والطبيعة التي بها تعمل والصيغة التي بها تتواصل مع روادها ومتابعيها الذين يدخلون إليها بحسب جداول معدة بالمحاضرات والندوات حتى أن المرء بمجرد أن يسجل اسمه وعنوانه وهاتفه وبريده الالكتروني يكون قد دخل ZOOM متمكنا من الوصول إلى ما يروم الإفادة منه. 

وتعد (منصة الجامعة المستنصرية للتعليم الالكتروني) واحدة من المنصات الجامعية التي صارت تقدم خدماتها العلمية بشكل منتظم ومبرمج على وفق آلية الكترونية مدمجة بموقع الجامعة الافتراضي على الشبكة العنكبوتية وبنظام آلي تتوزع عبره كليات الجامعة ومراكزها وأقسامها التابعة لها. ومنذ آذار الماضي وهذه المنصة مستمرة في تقديم أنشطتها وفعالياتها محاضرات وسنمارات ومؤتمرات وورشاً ودروساً وبشكل يكاد أن يكون يومياً.

والآلية التي اختيرت للتسجيل فيها تنطوي على بعض التطويل الذي بالإمكان اختصار بعض حلقاته وتبسيط خطواته فبدلا من أن تكون عشر خطوات تصبح خمساً كما أن العمل بـ(الكودات) يمكن هو الآخر اختصاره وبالشكل الذي يسمح بتيسير تسجيل المشارك وتوكيد حضوره ثم حصوله على شهادة بالمشاركة. ولقد شكا كثير من زائري هذه المنصة من صعوبات في عملية دخول المنصة بسبب تلك ( الكودات) التي يختلط أمرها عليهم فلا يميزون بينها.

وإجمالاً؛ فإن هذه الصعوبات هي سهلة ومقدور على تجاوزها والتغلب عليها، ليس لأنها أمور تقنية حسب؛ بل لأن كثرة الدخول إلى ZOOM ستمكن الزائر من تلافي الأخطاء التي يقع فيها وسيعرف كيف يجتازها؛ بيد أن الأهم من هذه الصعوبات التقنية هي بعض المؤاخذات اللوجستية والعلمية ذات الصلة بالمستويين النظري والتطبيقي التي قد ترافق النشاطات العلمية المقدمة والمعروضة من خلال هذه المنصة الافتراضية. 

وسنوجز تلك المؤاخذات في مسألتين الأولى تتعلق بمديري الجلسات العلمية والثانية تتعلق بالأساتذة المحاضرين الذين يقدمون بحوثهم ويعرضون أنشطتهم عبر هذه المنصة. ولا نسعى من وراء ذلك إلى تصيد الأخطاء في مجال ما زال فتيا وجديدا علينا وإنما هو تعضيد للمساق العملي الذي ينبغي أن يكون في أحسن صورة وأتمها وكالاتي:

أولاً: ما يتعلق بمديري الجلسات العلمية :

أ‌) عدم تنسيق العمل مع المحاضرين قبل إجراء البث المباشر مما يتسبب في تأخر المحاضرة وبسبب ذلك يتخلف المحاضر عن الموعد المعلن سابقاً.

ب‌) قد لا يحقق مدير الجلسة العدالة أما سهواً أو قصداً في توزيع الأدوار بين المحاضر والمتابعين، كالانتقاء لأفراد معينين يعطيهم الأولوية في المداخلة أو التعقيب أو التعليق أو التساؤل.

ت‌) أحياناً لا يتقيد مدير الجلسة بوقت المحاضرة فيمد الوقت للمحاضر بشكل يختلف عما أعلن عنه، فإذا كان الوقت مثلاً ساعة فانه يمده له ساعة ونصف بدعوى سخونة موضوع المحاضرة واهميته حتى إذا جئنا إلى الواقع وجدنا أن أغلب ما يثار ويناقش هو معتاد ومكرر ولا جديد فيه.

ث‌) الاقتصار على مدير واحد يظهر في كل الجلسات التي تبث عبر المنصة لكلية أو قسم بعينه يولد روتيناً ومللاً يجعل الزوار والمتابعين ينفرون من المنصة لاسيما إذا كان أسلوب المدير ولهجته وانتقاؤه لألفاظه والكيفيات التي يتنقل بها بين المتحدثين تنماز بالبرود أو تبدو ثقيلة ومتكلفة. ومن هنا تكون مراعاة التنوع في هذا الجانب مهمة عبر إتاحة الفرصة لآخرين في إدارة هذه الجلسات.

ثانياً: ما يتعلق بالأساتذة المحاضرين :

أ‌) إن الأغراض العلمية هي التي ينبغي أن تأتي بالمحاضر إلى المنصة والذي عادة ما يكون باحثاً جامعياً أو أستاذاً متخصصاً أو شخصاً مشهوداً له بالتمكن والأصالة؛ بيد أن هذا الأمر قد لا يتحقق فيتم تجاوزه من خلال معايير لا علاقة لها بالأغراض العلمية.

ب‌) إن استقدام أساتذة عراقيين مغتربين أو ضيافة باحثين أجانب من جامعات عربية وعالمية يحقق نوعاً من التلاقح والتنوع والتجديد إلا أن بعضاً من هؤلاء قد يأتي أحياناً وهو يحمل أفكاراً قد تبدو له علمية ومسوغة لكننا نلمس فيها اجتراراً أو بعداً عن الموضوعية التي يستلزمها البحث العلمي وقد نجد فيها تعارضا ومغالاة.. وآخرها النشاط المعنون ( هل تقتل اللغة العربية اللسان العربي) الذي فيه سفه المحاضر اللغة العربية وعلماءها ناظراً بسلبية مقيتة لأساطين الدرس النحوي العربي القديم. وكأن اللغة العربية ليست تلك اللغة الحية بثوابتها المتمثلة بالقرآن والشعر العربي بمراحله التاريخية والأدبية المعروفة إلى جانب النثر العربي بكل صنوفه وأغراضه. ولاشك أن للغة العربية من الإمكانيات ما يجعلها كائناً حياً في حالة تطور مستمر فنتوارثه معتزين به لا تعصباً وإنما هوية وانتماء. وهو ما تفتقر إليه أمم مبتورة اللسان ليس لها لغات عريقة كلغتنا. وما كان للغة العربية أن تكون عالمية يحتفى بها في 18 كانون الأول من كل عام لولا أن الناطقين بها من غير العرب صاروا يشكلون حجماً كبيراً من سكان العالم ثم كيف ينسف المحاضر علوم اللغة العربية وهي التي أسست للغات أخرى علومها وفتحت آفاق دراسة اللغة من الداخل نطقاً وتركيباً وصرفاً ومعاني؟ وهل تقعيد اللغة ووضع أصولها جريمة أم الجريمة هي قتل كائن حي هو اللغة العربية وتمثل هذا بقوله النابي والمستفز بإن كتاب سيبويه جريمة ؟! وإذا كان هذا المحاضر نحريرا متخصصا فلماذا تغافل عن ظاهرة تيسير النحو التي فتحت للدارسين آفاق التوليد والاشتقاق اللغويين ؟ ولقد أحسن بعض المداخلين ومنهم متخصصون باللغة في مؤاخذة المحاضر وتسفيه ما أراد به تسفيه اللغة العربية مبتغيا قتل لسانها واقتلاع وجودها. 

ت‌) بعض الشخصيات العلمية والأدبية المضيفة في هذه المنصة لها باعها في مجال اختصاصها ومشهود لها بالألمعية والبراعة.. وهي غنية عن التعريف لدى متابعيها في الحقل الذي تعمل فيه ومن ثم فأن كثرة الإطراء وابداء الإعجاب تضيّع وقت الزائرين التائقين إلى الإفادة من تلك الشخصية.

وإننا إذ نؤكد أن لكورونا حسنة أنها جعلتنا ننتبه لما في تطبيقات الشبكة العنكبوتية ذات الصلة بالتعليم الالكتروني من أهمية وفاعلية؛ فإن المغالاة في الارتكان على العالم الافتراضي وحده ونسيان أنشطتنا الواقعية سيكون هو الضارة التي ستتركها كورونا فينا بعد أن تزول جائحتها وقد نسينا ما هو واقعي متمسكين بما هو بديل افتراضي.

ومنطق الأشياء يتطلب منا أن نكون وسطا ما بين الواقع العملي الجامعي الذي له حسناته التي لا يمكن التفريط بها وبين الواقع الافتراضي الذي لا يمكن تجاهله أو الاستغناء عنه والحاجة تظل ماسة إلى العمل به والإفادة من فضاءاته اللامحدودة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top