بعد 200 عام على ولادته أنجلز يحط الرحال فـي  مانشستر

بعد 200 عام على ولادته أنجلز يحط الرحال فـي مانشستر

علي حسين

قبل أيام مرّت الذكرى الـ 200 لميلاد زميل ماركس ورفيق رحلته فريدريك أنجلز ، والغريب إن المانيا لم تحتفل بابنها أنجلز مثلما احتفلت بمرور 200 عام على ميلاد كارل ماركس عام 2018 ؟ 

دائماً ما يطرح السؤال : هل أن شخصية ماركس ألقت بضلالها على فريدريك أنجلز ؟ ، حتى أن الماركسية أو الشيوعية ما إن تذكر حتى يتبادر للذهن فوراً اسم كارل ماركس ، ونجد أن الكتب التي تتحدث عن أنجلز وحياته قليلة بالقياس الى ماركس ، وكنت في رحلة البحث عن ماركس قد عثرت على بعض الكتب القليلة التي خصصت لصاحب الكتاب الشهير " أصل العائلة " ، وقبلها جربت أن اقرأ انجلز بمعزل عن تأثيرات ماركس ، فقررت أن اقرأ كتابه " ديالكتيك الطبيعة " الذي حصلت على نسخة منه وكانت من منشورات دار التقدم ، أما لماذا اخترت هذا الكتاب بالذات ؟ فالأمر يتعلق بنصيحة اسداها لي صديق من عشاق ماركس وأنجلز وقال لي وقتها إذا كان التحليل الجدلي – الديالكتيك – لعلم الاقتصاد قد ارتبط باسم كارل ماركس من خلال كتابه الشهير " رأس المال " ، فان التحليل الجدلي لعلم الطبيعة ارتبط باسم فريدريك انجلز من خلال كتابة " ديالكتيك الطبيعة " ، ولأهمية هذا الكتاب وجدت فيما بعد أن إمام عبد الفتاح إمام يكتب في كتابه " تطور الجدل بعد هيغل – جدل الطبيعة – " أن كتاب انجلز أعمق ما كتب في الجدل بعد هيغل ، ويخبرنا روجيه غارودي في كتابه " كارل ماركس " أن مشروع ديالكتيك الطبيعة كان يراود ماركس حتى أنه كتب في إحدى رسائله الى أنجلز :" حين أفرغ من عبء الأعمال الاقتصادية ، سوف أكتب في الجدل ، إن قوانين الجدل الصحيحة موجودة فعلاً عند هيغل لكنها في صورة مثالية ، ولابد أن ننزع عنها هذه الصورة " .. كان فريدريك أنجلز عام 1873 يتمنى أن تتيح له الظروف أن يطبق الجدل الهيغلي في ميدان العلوم الطبيعية ، وفي الرسائل التي تبادلها مع ماركس في ذلك العام يبدى رغبته في انجاز مثل هذا الكتاب ، فيكتب في الثلاثين من أيار عام 1873 :" هذا الصباح عندما كنتُ مستلقياً على الفراش خطرت ببالي الأفكار الديالكتيكية التالية حول العلوم الطبيعية: موضوع العلوم الطبيعية هو المادة في حركتها ، الأجسام لا يمكن فصلها عن الحركة ، لا يمكن الحديث عن مادة بدون حركة، وبدون الأخذ بنظر الإعتبار علاقتها بالأجسام الأخرى. في الحركة فقط يكشف الجسم عن ماهيته. العلوم الطبيعية، إذن، هي دراسة الأجسام في علاقاتها المتبادلة وفي الحركة " ، وظلت هذه الأمنية تراود انجلز ، حيث وضع تخطيطات لكتاب " ديالكتيك الطبيعة " وكتب عدداً من المسودات ، لكنه لم ينشرها ، وانما انشغل عنها بكتابه " انتي دوهرنغ " او " ضد دوهرنغ " في الترجمة التي نشرتها دار التقدم ، والذي صدرت عام 1878 ، وفيه نرى ان موضوع ديالكتيك الطبيعة كان حاضراً ، لكنه سيضطر الى التخلي عن نشر كتابه " ديالكتيك " الطبيعة " بعد وفاة ماركس ، من أجل أن يتفرغ لنشر المخطوطات التي خلفها صديقه .. وهكذا لم يستطع أنجلز إصدار " ديالكتيك الطبيعة " أثناء حياته ، وقد جمعت مسودات الكتاب ليصدر عام 1925 أي بعد وفاة أنجلز بثلاثين عاماً .. كان هذا الكتاب واعني " ديالكتيك الطبيعة " دافعاً لي لأن ابحث عن فريدريك أنجلز ، وكنت كلما اذهب الى مكتبة اسأل هل يوجد كتاب عن حياة أنجلز فيكون الجواب هناك كتب عن كارل ماركس .

هل استطعت أن افهم كتب انجلز وأنا أغلق الصفحة الأخيرة من كتاب " أنجلز حياته وأعماله " ؟ ، طرحت على نفسي هذا السؤال وقررت العودة الى كتاب " ديالكتيك الطبيعة " ، لأتصارع معه من جديد ولأدرك أن الكتاب الذي فكر فيه أنجلز وهو مستلقٍ على الفراش ، يطرح عدداً من القضايا أبرزها : " التلازم الضروري بين المادة والحركة ، أو اعتبار الحركة شكل وجود المادة " ،فالطبيعة الجوهرية للشيء هي الحركة ، وقد أراد أنجلز أن يبرهن أن الطبيعة تعمل على نحو ديالكتيكي لا على نحو ميتافيزيقي فالطبيعة في نظره :" هي التي تبرهن على صحة هذا الجدل ، ويجب القول بأن العلوم الطبيعية قدمت لهذه البرهنة مواد غنية الى أقصى حدود الغنى ، وهي مواد تزداد يوماً بعد يوم ، وهكذا يثبت العلم في نهاية المطاف أن الطبيعة تعمل على نحو جدلي لا على نحو ميتافيزيقي " ، كان ماركس قبل سنوات قد قرر التصدي لمعلمه الأول هيغل ، فينشر كتابه الشهير " نقد فلسفة هيغل في الحقوق " حيث يقترح قلب الجدل الهيغلي لوضعه على قدميه أي الانطلاق ليس من النظريات ، وإنما من ظروف الحياة الواقعية ويصوغ لأول مرة فكرة أن الوظيفة التاريخية للبروليتاريا هي قلب الرأسمالية ويكرر على خلاف هيغل أن الدولة ليست هي التي تُسيِّر التاريخ ، بل التاريخ هو الذي يُشكل الدولة ، وإن الإنسان لا يتمكن من التحرر إلا بأفعاله وليس بنزوة مُحسن أو بإرادة دكتاتور متنور إذ لا يمكن للثورة أن تأتي إلا من خلال طبقة اجتماعية محررة بامتياز. وفي الوقت الذي كان فيه كان كارل ماركس يتنقل من النزعة العقلانية الى الرومانتيكية ثم الى الهيغلية ثم الى الشيوعية ، فان صديقه المقبل ورفيقه في وضع أسس الفلسفة المادية ، فريدريك انجلز استطاع أن يصل الى نفس التصورات والمفاهيم ولكن عبر معاناة مع عائلته التي كانت ترى في الفلسفة والفكر نشاطاً عبثياً .، والواقع أن فريدريك أنجلز ، بعكس رفيقه كارل ماركس الذي ولد في وسط ليبرالي ، كان عليه أن يتحرر من التصورات الرجعية والدينية لعائلته الغنية ، وكان شأنه شأن ماركس انتهج الطريق الثوري لا بدافع الحاجة وإنما بدافع الاقتناع العميق 

ولد فريدريك أنجلز في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1820 في الشطر الصناعي من المانيا ، وكان ينتسب الى عائلة من الصناعيين الكبار ، وبخلاف عائلة ماركس ذات العقلية المتحررة ، فان عائلة أنجلز كانت ذات نزعة رجعية ، وقد اضطر أنجلز منذ سنوات شبابه الأولى للكفاح بضراوة ضد هذه العقلية التي لاترى في الحياة سوى المال ، وعند بلوغ أنجلز الرابعة عشرة أرسلته العائلة الى كلية البريفيدا والتي تعتبر آنذاك من الكليات المتميزة ، وشأن والد كارل ماركس ، كان والد أنجلز مع اعترافه بمزايا ولده ، يحس بالصدمة لطبيعته المختلفة جذرياً عن أشقائه ، وكان يخشى أن تؤدي هذه الاختلافات الى اضطراب روحه وخراب مستقبله.

ونظراً لأن أنجلز لم يكن يجد في عائلته تفهماً لرغباته في الدراسة والعمل والحرية الشخصية ، فقد كان يحس بالعزلة وكان ينطوي على نفسه ، وقد قالت امرأة عجوز كانت تقطن بالقرب من منزلهم ، إنها شاهدته يسير في النهار حاملاً مصباحاً في يده قائلاً إنه يفتش مثل ديوجين عن الحقيقة ..بل إنه في مرة من المرّات تخيل نفسه دون كيشوت فكتب قصيدة طويلة جاء فيها : 

لا تضحكوا يا إخوتي 

إنه دون كيشوت البطل 

الذي يجوب العالم 

على جواده النبيل 

عام 1841 سيلتقي كارل ماركس بشاب أصغر منه بعامين ، يرتبطان منذ اللحظة الأولى بصداقة تنتج عشرات المؤلفات ، إنه فريدريك انجلز ، في تلك السنة يقرأ ماركس كتاب فيورباخ الشهير " جوهر المسيحية " الذي يؤكد فيه ، من أجل السماح بارتقاء مجتمع انساني يجب على الفلسفة أن تجد امتدادها في السياسة القادرة وحدها على تحرير الإنسان من اغترابه بإلغاء الملكية . ولهذا كما يقول فيورباخ يجب توحيد البشرية المعذبة والبشرية المفكرة المضطهدة أي العمال والمثقفين ، ويجب تحويل الدولة جذرياً لأنها ليست كما يظن هيغل تجسيداً لمطلق فوق الطبقات، بل انعكاسٌ للعلاقات الاقتصادية والقانونية والاجتماعية ، ويزداد عشق ماركس لفيورباخ وسيؤرخ أنجلز لهذا التأثير الذي مارسه هذا الفيلسوف على تطور الهيغليين الشباب الفكري :" كانت الحماسة عامة شاملة وأصبحنا جميعا اتباعاً لفيورباخ في الحال "، في عام 1842 يكتب ماركس أولى مقالاته السياسية بعنوان " الشيوعية " التي يعتبرها غرامشي فيما بعد الأساس الذي بُنيت عليه الفلسفة المادية ، في هذه المقالة يشرح ماركس للمرة الأولى مفهوم الشيوعية ويُعيد أصولها الى الفيلسوف أفلاطون ، في تلك السنة يعكف مع زميله أنجلز على مراجعة كتب سان سيمون وتسحرهما مقولات برودن التي كان يوجهها ضد الملكية : " ما هي الملكية إنها ترفٌ مرفوضٌ " .

في تشرين الأول من عام 1847 وقبل ظهور البيان الشيوعي بأشهر يكتب أنجلز عن موضوعة التفاوت بين الطبقات، بعدها سنجد ماركس يلقي خطاباً أمام مجموعة من العمال سينشر فيما بعد تحت عنوان"العمل المأجور ورأس المال"، يرسم فيه كارل ماركس للمرة الاولى الخطوط الكبرى لنظريته الاقتصادية، والتي شكّلت فيما بعد الأساس الذي بنيت عليه أفكاره السياسية، فيما حاول أنجلز أن يقدم صورة جديدة للعلوم .

يشكل البيان الشيوعي الذي صدر بداية عام 1848، تطوراً جديداً في فكر ماركس وزميله أنجلز، فهما يقدمان لنا من خلاله تصوراً أكثر كمالاً للنظرية المادية، يكون فيه صراع الطبقات المحرك الرئيس للتاريخ، وتكون الطبقة العاملة القوة الخلاقة الزاحفة لمجتمع جديد. إنها بداية الاشتراكية العلمية، وهو الإنتقال الى حيز العمل السياسي. يستهل البيان بهذا التصور للمجتمع البشري:"عن تاريخ كل مجتمع، حتى أيامنا هذه، لم يكن سوى تاريخ صراع الطبقات"، ونجد البيان الشيوعي يقدم تصوراً للمجتمع البدائي كما كتب عنه جان جاك روسو في"تفاوت الطبقات بين البشر"حيث نقرأ هذه العبارة:"كان المجتمع البدائي يسمح لكل فرد بان يظل حراً لتنفيذ العمل الضروري للمحافظة على بقائه".

كان مظهرهما من الخارج مختلفاً جداً ، فقد كان أنجلز الألماني الأشقر طويل القامة ، يعتني بملابسه ويحافظ على استقامة قامته ، عضواً محترماً في بورصة مانشستر ، لامعاً في التجارة ، وفي مسرات الحياة البرجوازية من صيد الثعالب الى حفلات أعياد الميلاد ، أما ماركس فقد كان قوي البنية ذا عينين سوداوين وشعر كثيف أسود ، لم يكن يهتم بمظهره ، كان يستنفذ قواه في العمل الفكري الذي كاد لايترك له وقتاً لابتلاع وجباته الغذائية ، مما أحدث أثراً سلبيا على صحته ، كان ماركس غير عملي في المسائل الصغيرة ، لكنه كان يبدي براعة في الأعمال الكبيرة . فلم يكن يستطيع إدارة أمور بيت صغير ، لكنه كان لايُجارى في قدرته العبقرية على حشد جيش وقيادته الى الأمام ليغير به وجه الأرض.

أدرك أنجلز منذ البداية تفوق ماركس العبقري ، ولم يطمح الى لعب أي دور غير دور الشريك الثاني ، غير أنه لم يكن مجرد مفسر لماركس ، بل كان دائماً معاوناً مستقلاً ، ويملك قدرة فكرية مختلفة ، ونجد ماركس يكتب بعد عشرين عاماً من لقائهم الأول :" أتعلم أنني أولاً وقبل كل شيء اتوصل الى الأشياء ببطء ، وإنني ثانياً اتبع خطاك على الدوام " .

فيما يكتب أنجلز في وصف صديقه ماركس بأنه : " موسوعة حية ، مستعد للعمل في أي ساعة من ساعات الليل والنهار، مليء بصفاء الذهن ، سريع في الكتابة ، ونشيط نشاط شيطان " .

قبل وفاته بعام واحد اكتشف الدكتور الخاص لأنجلز بأن مريضه الذي يتمتع بصحة جيدة ونشاط وقدرة على الحوار مذهلة ، مصاب بسرطان الحنجرة ، وقد كتب الدكتور رسالة الى أحد أصدقاء أنجلز يوصيه بان يحضر لزيارة صديقه ، كان المرض قد تطور بسرعة ، وفي شهر تموز كان أنجلز قد فقد القدرة على الكلام ، لكنه حافظ على روحه المرحة ومقدرته على الكتابة ، فكان الدكتور يدخل إليه فيجده يكتب ملاحظات ، لم يخبره أحد أن مرضه خطير ، لكنه كتب للدكتور أنه يدرك أن هذه هي النهاية ، في الخامس من آب عام 1895 انتهت رحلة انجلز مع الحياة والمعارك الفكرية والسياسية ، وكان قد كتب وصية بأن يحرق جثمانه ويذر الرماد في البحر ، وقد قامت ابنة ماركس اليانورا بمهمة تنفيذ رغبته وذرت رماده في هواء البحر ، في وصيته كتب إنه يتذكر دائماً معبوده القديم الشاعر بيرسي بيش شيلي الذي كان يردد أشعاره مع صديقه كارل ماركس ، فقد كانا من عشاق هذا الشاعر الذي عرف بتمرده والذي طرد من جامعة اكسفورد بسبب نشره كتاباً عن الإلحاد ، كان الشاعر الانكليزي قد أوصى نثر رماده على شاطئ البحر وكانت آخر كلمات شيللي " ما هي الحياة ؟ " ، لم يطلب في وصيته أن يُقام له حفل تأبين أوجنازة كبيرة ، لم يطلب شيئاً سوى تذكرة بأنه كان ماركسياً وساهم في انتصار الشيوعية .

بعد أيام من رحيله نشرت مرثية بعنوان " فريدريك انجلز" بقلم الروسي الاشتراكي الشاب فلاديمير ايليتش أوليانوف الذي سيعرف فيما بعد باسم " لينين "وقد رأى أن يبدأ كلمته ببيتين للشاعر الروسي نيكراسوف يقول فيها 

أي مشعل للفكر قد نضب زيته 

اي قلب كف عن الخفقان .

عام 2017 قام فيليب كولينز، الفنان البريطاني المولود في برلين، بنقل تمثال لفريدريك إنجلز بطول 3.5 متر من قرية في شرقي أوكرانيا عبر أوروبا إلى بريطانيا ، ويعود تاريخ هذا التمثال الى سبعينيات القرن العشرين حيث نصب في المدينة التي عاش فيها فريدريك انجلز رفيق درب كارل ماركس وألف كتابه المعنون أحوال الطبقة العاملة في انكلترا

عاش أنجلز في مانشستر لأكثر من عقدين في منتصف القرن التاسع عشر، وشحذ فلسفته الثورية من خلال مشاهداته للظروف المروعة التي كان يعيشها العمال من الأطفال والنساء والرجال في مهد الرأسمالية الصناعية. وكما يشير الفنان فيليب كولينز، إنه على الرغم من أن حياة هذا الفيلسوف في مانشستر معروفة وموثقة بشكل جيد، فإنه لا يوجد له تذكار دائم في المدينة، ولا يوجد رمز مرئي للرجل على الإطلاق .

استغرق الأمر أكثر من عامين لتعقب تمثال مناسب لأنجلز. وأخيراً عثر على أحد التماثيل في قرية مالا بيريششيبينا، في منطقة كانت تسمى سابقاً أنجلز في شرق أوكرانيا. وقد تم رفعه من موقعه المركزي في القرية، وشطره إلى النصف في وسطه، وألقي به في مجمع زراعي وتمت تغطيته بأكياس كبيرة. وكان هناك آثار من الطلاء الأزرق الفاتح والأصفر على ساقيه، وهي ألوان العلم الأوكراني..وبعد ثمانية أشهر من المفاوضات، واجراءات قانونية، نقل أنجلز الى مانشستر ليكون شاهداً عن تحول تاريخي وليثأر من مجتمع كان شيوعياً ، بالذهاب إلى مكان ولادة الرأسمالية وتحت ظلال ناطحات السحاب .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top