تحتضرُ دوماً.. لكنها لم تمُتْ أبداً

تحتضرُ دوماً.. لكنها لم تمُتْ أبداً

حوارٌ مع فرانشيسكو بولديزّوني

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

فرانشيسكو بولديزّوني Francesco Boldizzoni (مولود عام 1979) : مؤرّخ وعالم اجتماع إيطالي ،

يعمل في الوقت الحاضر (منتصف عام 2020 ) أستاذاً للعلوم السياسية في الجامعة النرويجية للعلوم والتقنية ، وقد سبق له أن عمل أستاذاً في كلّ من جامعة تورين وجامعة هلسنكي ، وقبلهما أشغل مواقع بحثية في كلية (كلير هول ) بجامعة كامبردج وكذلك في معهد ماكس بلانك لدراسة المجتمعات في كولون ، ألمانيا .

القسم الأوّل

يُعدُّ بولديزوني واحداً من الشخصيات الأوربية المميّزة في ميدان الاقتصاد السياسي ؛ فقد قدّم مساهماتٍ مؤثرة في حقل النظرية الرأسمالية وتأريخها ، وطوّر هيكلاً فكرياً يؤكّدُ أهمية تأريخ الأفكار والمفاهيم في فهم الاقتصاد الحديث . دعا بولديزّوني إلى اعتماد مقاربة غير وضعية anti-positivist في دراسة العلوم التأريخية والإجتماعية – تلك المقاربة التي تقومُ على بحث الهياكل الاجتماعية ، والتأويل الثقافي ، والنظرية النقدية . يُعرَفُ عن بولديزّوني في وقتنا الراهن كونهُ أحد أكابر النقّاد للتأريخ الاقتصادي النيوليبرالي ، وقد عبّر عن قناعاته الناقدة للسياسات النيوليبرالية في كتابه المعنون ( فقرُ الأغلبية : إعادة بعث التأريخ الاقتصادي ) .

ألّف بولديزّوني ثلاثة كتب صارت مصادر مرجعية في ميدانها ، وهذه الكتب هي ( بحسب ترتيب نشرها ) :

- وسائلُ وغايات : فكرة رأس المال في الغرب ( 1500 – 1970 ) ، 2008 

- Means and Ends: The Idea of Capital in the West, 1500-1970, New York: Macmillan, 2008 

- فقر الأغلبية : إعادة بعث التأريخ الاقتصادي ، 2011

- The Poverty of Clio: Resurrecting Economic History, Princeton: Princeton University Press , 2011 

- نبوءة نهاية الرأسمالية : مغامراتٌ فكرية هزيلة منذ كارل ماركس ، 2020

- Foretelling the End of Capitalism: Intellectual Misadventures since Karl Marx, Harvard University Press , 2020

أدناه ترجمة لحوار أجراه ( روبن كايسر تشاتزلن ) مع البروفسور ( فراشيسكو بولديزّوني ) بعد نشر كتاب البروفسور بولديزّوني المعنون ( نبوءة نهاية الراسمالية ) عن جامعة هارفرد . نُشِر الحوار في مطبوعة ( مراجعة لوس أنجيلس للكتب Los Angeles Review of Books ) المنشورة بتأريخ 22 تموز ( يوليو ) 2020 .

المترجمة

مافتئ النقّادُ يواصلون تدبيج أطروحاتهم التنظيرية المبشّرة بالموت الوشيك للرأسمالية الصناعية منذ اللحظة التي هيمنت فيها هذه الرأسمالية على العالم الغربي في بواكير القرن التاسع عشر . نحنُ على ألفة مع نبوءات كارل ماركس Karl Marx ؛ لكننا أقلّ ألفة بكثير مع ماكتبه معاصرُ ماركس ، جون ستوارت مِل John Stuart Mill ، الفيلسوف الإنسانوي العظيم الذي كان عظيم الاهتمام بمعرفة قدرة الاقتصاديات المختلفة على البقاء في المدى البعيد . 

شهدت النظريات المتصارعة الخاصة بالنهايات المحتملة للسياسات الرأسمالية تواصلاً مستديماً منذ بواكير القرن التاسع عشر وحتى مائتي سنة بعدها ( أي حتى مطالع الألفية الثالثة الراهنة ، المترجمة ) ، وكانت هذه النظريات عُرضة لتغييرات مواكبة لتغيّر العالم الذي نعيشه ؛ إذ مِن جون ماينارد كينز John Maynard Keynes و جوزيف شومبيتر Joseph Schumpeter وحتى دانييل بِل Daniel Bell و هربرت ماركوز Herbert Marcuse أبدى المنظّرون استجاباتٍ متباينة للعالم الذي يعيشون فيه بطريقة إنطوت على نبوءات مختلفة ومتقاطعة بشأن المستقبل الاقتصادي الدقيق الذي سيكون عليه العالم .

برهنت نبوءة نهاية الرأسمالية دوماً كونها تمريناً فكرياً له من القدرة على الاستدامة بمثل ماللرأسمالية من قدرة على الاستمرارية . هنا يتوجّب علينا أن نتساءل : لِمَ صار الحال بهذه الكيفية ؟ يقدّمُ لنا البروفسور ( فرانشيسكو بولديزّوني ) في كتابه الجديد ( نبوءة نهاية الرأسمالية : مغامرات فكرية هزيلة منذ كارل ماركس ) عن جامعة هارفرد خارطة فكرية لهذه النظريات المتصارعة ويشخّصُ مآلاتها الفاشلة . كتاب البروفسور بولديزّوني تأريخٌ شامل لهذه التوجهات النظرية ؛ فهو يحاول جاهداً توضيح منابت هذه الأفكار ، ثم ينتهي في خاتمة الكتاب بتوضيح الكيفية التي جعلت الرأسمالية مشروعاً قابلاً للبقاء على قيد الحياة . 

استولى كتاب بولديزّوني على اهتمامي الكامل لأنني ، ولكوني صحفياً متخصصاً بالشؤون الاقتصادية فقد وجدتُ دوماً مسحة تفاؤلية عارمة عند استخدام التوصيف الاصطلاحي ( الرأسمالية المتأخرة Late Capitalism ) الذي وجد شيوعاً صارخاً بين عامّة الناس . بدت مفردة ( المتأخرة ) الملحقة بالراسمالية يُرادُ منه الايحاء أنّ منظومتنا السياسية والاقتصادية الراهنة يمكن الاطاحة بها في أي يوم من قابلات الايام لأنها شاخت بفعل تقادم الزمن ، وفي الوقت الذي تشيرُ فيه عبارة " الرأسمالية المتأخرة " ، في سياقها الدلالي بالطبع ، إلى بعضٍ من المعالم الرئيسية التي بنى عليها ماركس نظريته الاقتصادية فإنّ كتاب البروفسور بولديزّوني ( نبوءة نهاية الرأسمالية ) يقدّمُ إضاءات حول التأريخ الفكري تدعمُ أفكاراً على شاكلة " الرأسمالية المتأخرة " ، كما يقدّمُ الكتاب مساءلة واستكشافاً للكيفية التي يمكن بها للرأسمالية أن تحقق فعلاً متجاوزاً على واقع حالها الراهن إذا ماكان مثل هذا التجاوز ضرورة لابديل عنها للبقاء على قيد الحياة .

تحدّثتُ مع البروفسور بولديزّوني بشأن هذه الموضوعات ، وكانت لنا هذه الحصيلة الحوارية التي تحققت عبر البريد الالكتروني .

تشاتزلن : كيف انتهت بك المقادير لكتابة هذا الكتاب ؟ تكتبُ في كتابك بأنّ " الكساد العظيم أشّر العودة الكبرى لنبوءة نهاية الرأسمالية " . هل لعبت هذه العودة أي دورٍ في دفعك لكتابة هذا الكتاب ؟

بولديزّوني : أدهشتني حقاً التنبؤات الكئيبة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية ( إشارة إلى أزمة عام 2008 ، المترجمة ) ؛ لكنّ دهشتي الأكبر كانت مدفوعة بحقيقةٍ مفادها أن الناس ماعادت تتعامل مع الرأسمالية كمعطى قائم بذاته يتوجّب قبوله كيفما كان ، ومثّلت هذه الحقيقة في حياتي شيئاً جديداً غير مسبوق : نشأت في حقبة ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين ، وكانت تلك الحقبة زمناً كنّا فيه مانزال نستمتع بثمار السلام الاجتماعي والرفاهية الاجتماعية في أعقاب الحرب ( العالمية الثانية ، المترجمة ) . الحقّ أن تلك الاستقرارية التي عشنا في خضمّها ثُلِمت بفعل الأزمة المالية الأخيرة ؛ لكنّنا تطلّبنا بعضاً من الوقت لادراك أبعاد هذه الحقيقة . 

كانت تسعينيات القرن الماضي عقداً تخلى فيه اليسار عن شعاره العتيد الداعي لتغيير الرأسمالية . الرأسمالية من جانبها تصاغرت ومنحت لجامها بعبودية ذليلة للسياسات النيوليبرالية التي نافح عنها كلّ من ( بل كلينتون ) و ( توني بلير ) ، ولم يكن بوسع هؤلاء الذين انشقوا عن المسيرة النيوليبرالية سوى أن يلتمسوا اللجوء في ظلال الفنتازيات اليوتوبية الهادئة ؛ لذا عندما حلّت الأزمة المالية العالمية فقد أيقظت هؤلاء اليساريين التقدّميين من رقدتهم المجلّلة بالسبات ، وحينها وجد هؤلاء أنفسهم على غير جاهزية للتعامل مع الاوضاع المستجدّة . نبعت الحاجة لكتابة هذا الكتاب أيضاً من الضرورة الملحّة لتذكير هؤلاء الذين طال سباتهم بالأصول التي شكّلت متبنياتهم الفكرية وماآلت إليه هذه الأصول الفكرية في فترات لاحقة .

تشاتزلن : كيف يختلف التنبؤ forecasting عن النبوءة prophecy التقليدية ؟

بولديزّوني : يمكن للمرء أن يجد بعضاً من الأمثلة المعيارية الجيدة على النبوءة التقليدية في سِفْر الرؤيا The Book of Revelation ( وهو آخر الأسفار الانجيلية ويسمّى أيضاً سفر يوحنا اللاهوتي ، المترجمة ) وكذلك في علم التنجيم القروسطي . التنبؤات الاجتماعية – وبخلاف النبوءة التقليدية – تعتمدُ بشكل حصري صارم على الملاحظات المستمدّة من الواقع ، وهي ( التنبؤات الاجتماعية ) تقوم على فكرة وجود نماذج تكرارية منتظمة regularities في السلوك البشري ، أو مبادئ تحكم التطوّر التأريخي الذي يمكن منه تشكيل توقعات ممكنة بشأن ماقد يكون عليه المستقبل . ليس من قبيل المصادفات الطارئة أنّ هذه الفعالية الفكرية نشأت أوّل الأمر خلال عصر التنوير الاوروبي الذي كان حقبة زمنية شهدت رسوخاً عظيماً لفكرة الإيمان بقدرة العقل البشري فضلاً عن الثقة الكبرى في فكرة التقدّم المضطرد . يتوجّبُ علينا في هذا المقام أن نعترف بأنّ شواهد لايمكن دحضها أثبتت بأنّ هذه الثقة قد وُضِعت في غير مواضعها أغلب الأحايين .

تشاتزلن : بدا كارل ماركس معجباً بالإبداع الخلاق الذي جاءت به الرأسمالية ؛ لكنه رأى الرأسمالية بطريقة مختلفة . هل تستطيع أن توضّح لنا الكيفية التي تختلف بها رؤية ماركس بشأن النهاية الكئيبة للرأسمالية عن رؤية جون ستوارت مل ؟ 

بولديزّوني : كان ماركس بالتأكيد مندهشاً بما جاءت به الرأسمالية ، ومامِن أحد فهم الرأسمالية بمثل مافعل ماركس . عند قراءة كتاب ( رأس المال Capital ) قد يشعر المرء أحياناً بمثل شعور من يصغي إلى صانع ساعات وهو يتحدث بدهشة طافحة عن ساعة فلكية عملاقة إنتهى للتو من فحصها ؛ لكن برغم هذه الحقيقة فإنّ ماركس لم يختزل وظيفة الرأسمالية إلى موضوعة من موضوعات الميكانيك . إمتلك ماركس القدرة على وضع الرأسمالية في سياقها التأريخي بمثل مافعل مع كلّ النُظُم التي سبقتها . تكمن معضلة ماركس في أنه إمتلك إيماناً مفرطاً بتأويله الخاص للتأريخ الذي يتجوهر في فكرة أنّ التغيّر التقني يمتلك القدرة على توليد التغيّر الاجتماعي في المدى الطويل . نعلم اليوم ، أو الأصح أن نقول علينا أن نعلم اليوم إنّ الأمور أكثر تعقيداً من هذه الرؤية الماركسية .

مثّلَ مِلْ روحاً أكثر عملية بالمقارنة مع روح ماركس ؛ إذ لم يُبدِ مِلْ انقياداً مستسلماً للتنبؤات بشأن الموت المحتوم للرأسمالية واكتفى بالتفكّر في أنّ الرأسمالية لها أكلافٌ إنسانية وبيئية عالية للغاية وغير مقدّرٍ لها أن تستديم لأزمان طويلة قادمة ، وفضلاً عن هذا فقد آمن مِلْ ، وبثبات صارم ، في قدرة الإنسانية على الارتقاء الأخلاقي ؛ لذلك راودته آمال عريضة في أنّ ارتقاء الحضارة البشرية كفيلٌ بتغيير الرأسمالية تغييراً جذرياً ( راديكالياً ) قبل أن يصبح الأمر عصياً على أي تغيير . 

عند مقارنة مِلْ مع ماركس يتوجّبُ أن لاننسى حقيقة امتلاك مِلْ خلفية إجتماعية مختلفة ؛ فقد كان مِلْ – مثل أبيه – موظفاً لدى شركة الهند الشرقية ، وعلى الرغم من أنه ظلّ دوماً أحد كبار الناقدين للمجتمع الفكتوري ، وأنه كان رجلاً حائزاً لأعلى مراتب النزاهة الفكرية المتجاوزة للحدود السائدة فهذا لايحجبُ عنّا حقيقة أنه ظلّ عنصراً فاعلاً في المؤسسة البريطانية .

يتبع القسم الثاني من الحوار

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top