نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل ((9 - 14))

آراء وأفكار 2020/12/02 09:06:39 م

نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل ((9 - 14))

 د. حسين الهنداوي

غاية الدولة

يتباين هيغل عن ابن خلدون تبايناً عميقاً فيما يتعلق بمصدر عقلانية قيام الدولة في التاريخ البشري. فبينما هو، عند هيغل، داخلي، وجوهره الوعي الذاتي بوحدة الجزء مع الكل، و«الأنا» مع المجموع، إذا به، عند ابن خلدون، خارجي، قطعاً، وهو الحاجة المباشرة إلى «وازع أو حاكم».

وهذا الفارق بين المنظورين، هائل في نتائجه المتضادة، على صعيد مضمون غائية الدولة، الذي هو حماية الحق بالعدل، عند الأول، بينما هو تحقيق الحرية، عند الثاني.

إذا بدأنا بابن خلدون، نجد أن الدولة، لا تظهر فعلاً، إلا في فترة لاحقة على عملية الانتقال من العمران البدوي إلى العمران الحضري. بمعنى آخر، إذا كان «التمدن غاية للبدوي» فإن الدولة ليست كذلك. إلا أنها تصبح غاية في فترة لاحقة، هي بالتحديد فترة تقدم البدوي نحو «اكتساب» المدنية. ففي هذه اللحظة، ولأسباب تطرأ على الوعي، بفعل عوامل خارجية، تطرح الدولة نفسها كضرورة موضوعية، تتطلبها المدنية، ولذلك تبدو فوق المجتمع، وليس قوة من قواه الذاتية. فالقبيلة البدوية لا تحمل جنين الدولة، إنما هي أصل الحضارة أو المدنية وحسب، وسابقة عليها، لأنها "أول مطالب الإنسان الضرورية. ولا ينتهي إلى الكمال والترف، إلا إذا كان الضروري حاصلاً". لكن الدولة، تبرز في خضم سيرورة التقدم نحوها، وكنتاج مباشر لها. وذلك لأن الاجتماع الحضري، إذا تحقق، فلابد من وازع دنيوي صارم وعنيف يكبح «الطبائع الحيوانية» في الإنسان نفسه الذي يصنع الحضارة، لأن "من أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعضهم على بعض".

وفكرة «أن الآدميين، بالطبيعة الإنسانية، يحتاجون، في كل اجتماع، إلى وازع وحاكم»، ترد مراراً في «المقدمة»، لتحديد مصدر الضرورة الجوهرية لقيام الدولة عند ابن خلدون. وهذا المصدر مزدوج الأساس، في رأينا، أي طبيعي وميتافيزيقي في الوقت نفسه. فلئن كانت «العصبية»، وهي قوة ملموسة، هي ما ينتج الدولة مباشرة، وليس الدين، فإن الدين يلعب دوراً في توسعها وتحولها إلى «دولة كلية» أو أمبراطورية، كما يؤكد ذلك قوله: «إن الدول العامة الاستيلاء، العظيمة المُلك، أصلها الدين، إما نبوة أو دعوة حق».

وفي الواقع، إن العلاقة بين الدين والدولة، عنده، هي علاقة جدلية، على شتى المستويات. فالدين، باعتباره أصل الدولة العامة، يمنحها الشكل والمضمون المناسبين. كما أن «الدعوة الدينية، تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية، التي كانت لها من عددها». بالمقابل، لا يستفيد الدين من وجود الدولة في تعزيز موقعه، كوازع أخلاقي وروحي فقط، يوازي الوازع السياسي المادي الذي تمثله، إنما يعتمد عليها اعتماداً كلياً في نجاحه، نظراً إلى أن "الدعوة الدينية من غير عصبية، لا تتم" .

إن هذه الاستنتاجات الأخيرة مهمة جداً، عندما نريد الانتقال إلى مقارنتها بما يناظرها في المفهوم الهيغلي، حول مصدر ضرورة الدولة. إذ نجد هيغل يقول، هو أيضاً، بأن الدين أصل الدولة. وبالفعل، بالنسبة إليه، إن دولة ما، لا يمكن أن تظهر، إلا استناداً إلى دين محدد، هو ذلك الذي تولد فيه. ولذا، فهي ترتبط به، بشكل دائم وعميق، على صعيد قيم حياتها الداخلية والخارجية، فتزدهر بازدهاره، وتندحر باندحاره أيضاً. يقول هيغل:

"الروح فردانية وحيدة، تؤكد جوهريتها هذه في جميع مجالات نشاطها: الدين يصورها ويقدسها على هيئة الله أو الذات، والفن يقدمها عبر التصور والحدس الحسي، وأخيراً الفلسفة تدركها وتفهمها عبر الفكر. إن هذه التكوينات، بسبب الماهية الأصلية لجوهرها ومضمونها وموضوعها، متحدة، في شكل لا ينفصل، بروح الدولة. وهكذا، فإن شكل نظام سياسي معين، لا يمكن أن يظهر إلا مقترناً بدين محدد. وفي دولة محددة، لا يمكن أن يوجد إلا نوع محدد من الفن أو من الفلسفة.. لكن الدولة، هي الوجود الموضوعي لذلك الاتحاد» كما يقول لنا هيغل في كتابه "العقل في التاريخ".

ففي الدولة فقط، يمتلك الإنسان وجوداً متطابقاً مع العقل، لأنها هي الإطار الأرقى، الذي يعبّر فيه المطلق عن نفسه، عبر قوانين وتحديدات عقلانية وكونية.

الا أن الاختلاف، يصبح عميقاً، عند الانتقال إلى تحديد غاية تلك الضرورة، التي تصنع الدولة، والتي يسميها ابن خلدون بـ«المقصود من السلطان». فهذه الضرورة، لديه، هي العدل، وتحقيق المصلحة العامة للناس في الحياة الدنيا. بينما هي التحقيق الموضوعي للمجتمع البورجوازي الحر، لدى هيغل.

وهذا الاختلاف، يجد مصدره في استفادة هيغل من التطور الكبير، الذي حققه الفكر الغربي، على صعيد صياغة النظريات السياسية، التي طورت خلال الفترة التي تفصله عن ابن خلدون. وهي فترة خصبة جداً، بفعل الصراعات الدينية والاجتماعية، التي تمخضت عنها الحركة البروتستانتية، من جانب، وظهور الطبقة البورجوازية وطموحاتها الكونية، التي عبّرت عنها فلسفات الأنوار، من جانب آخر. 

وإجمالاً، يمكننا القول إن نظرية الدولة الهيغلية، هي إحدى النتائج المباشرة للثورة الفرنسية، وهذا ما يعكسه نقدها الشديد للدولة الإقطاعية، وللتسلط المطلق للنبلاء، وللاحتقار الارستقراطي للمشاعر القومية. كما أن أفكار الحرية وحقوق المواطن، بل مفهوم المواطنة نفسه، التي انتشرت في أوروبا، وألمانيا خاصة، في مطلع القرن التاسع عشر، خلقت شروطاً موضوعية جديدة، سمحت لمفكر كهيغل، أن يسجل آراءه الخاصة بحرية وجرأة لم يكن لابن خلدون أن ينعم بهما على الإطلاق، عندما دوّن أفكاره. ولعل إحدى نتائج كل ذلك، كون مضمون غاية الدولة، في الفلسفة الهيغلية، يطرح نفسه بصراحة متناهية، ويؤسس نفسه كالهدف المركزي للسيرورة التاريخية، بل الهدف الوحيد لها، وذلك لأن البورجوازية الأوروبية، كانت قد بدأت تعي إمكانية انتصارها، محلياً وعالمياً، حتى من وجهة نظر واقعية. بينما عاش صاحب «المقدمة» في عصر، دخل فيه العالم الإسلامي مرحلة من الانحطاط ، منذ زمن ليس بالقصير، بسبب طغيان الأمراء واستبدادهم بوجه خاص. ولعل هذا الحال، يفسر، تماماً، تركيز ابن خلدون على جعل العدل غاية للدولة، بينما لا يذكر مطلقاً مفهومي الحرية والحقوق.

فبالنسبة إليه:

"إن مصلحة الرعية في السلطان، ليست في ذاته وجسمه، من حسن شكله، أو ملاحة وجهه، أو عظم جثمانه، أو اتساع عمله، أو جودة خطه، أو ثقوب ذهنه، وإنما مصلحتهم فيه من حيث اضافته إليهم.. والصفة التي له، من حيث إضافته إليهم، هي التي تسمى الملكة، وهي كونه يملكهم، فإذا كانت هذه الملكة وتوابعها من الجودة بمكان، حصل المقصود من السلطات على أتم الوجوه" .

لذلك، فإن شروط هذا المنصب، هي «العلم والعدالة والكفاية وسلامة الحواس والأعضاء». فالعدل، إذن، هو حقيقة السيادة الملكية وغايتها، بينما نقيضها هو الظلم، وهو لا يقتصر على كونه «مؤذن بخراب العمران»، إنما هو أيضاً مؤذن «بانقطاع النوع البشري» كما جاء في المقدمة. أما مضمون العدل في حياة الأفراد، فهو "النعمة عليهم والمدافعة عنهم. فالمدافعة، بها تتم حقيقة المُلك، وأما النعمة عليهم والإحسان إليهم، فمن جملة الرفق بهم، والنظر في معاشهم" .

لكن ابن خلدون، لا يرى إمكانية تحقيق ذلك، الا بوجوب إلزام الملك بالرجوع إلى "قوانين سياسية مفروضة، يسلّم بها الكافة، وينقادون إلى أحكامها، كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم. وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة، لم يستتب أمرها، ولا يتم استيلاؤها" .

إنها دولة «خلافة» دستورية، بمعنى ما، تلك التي يدعو لها ضمناً ابن خلدون، دولة يخضع فيها الملك لقوانين تجمع عليها «الكافّة»، وإلا:

"ولما كانت حقيقة الملك أن الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر، اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، كانت أحكام صاحبه، في الغالب، جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم، لحمله إياهم، في الغالب، على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته. فتعسر طاعته لذلك، وتجيء العصبية المفضية إلى الهرج والقتل" .

ومن الواضح، أن دولة القانون هذه، لا تتعارض، في رأيه، مع الشريعة الإسلامية، ما دام يقر بإمكانية الاستفادة من تجارب «الفرس وغيرهم من الأمم». بلا شك، ان الشريعة الدينية، لديه، «نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وذلك أن الخلق، ليس المقصود بهم دنياهم فقط». الا أنه من الممكن أيضاً تشريع قوانين إضافية، وذلك لأن هذه القوانين، إذا كانت «مفروضة من العقلاء وأكابر الدولة وبصرائها، كانت سياسة عقلية» كما تنص المقدمة.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top