تحتضرُ دوماً.. لكنها لم تمُتْ أبداً

تحتضرُ دوماً.. لكنها لم تمُتْ أبداً

حوارٌ مع فرانشيسكو بولديزّوني

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

فرانشيسكو بولديزّوني Francesco Boldizzoni (مولود عام 1979): مؤرّخ وعالم اجتماع إيطالي،

يعمل في الوقت الحاضر (منتصف عام 2020 ) أستاذاً للعلوم السياسية في الجامعة النرويجية للعلوم والتقنية، وقد سبق له أن عمل أستاذاً في كلّ من جامعة تورين وجامعة هلسنكي، وقبلهما أشغل مواقع بحثية في كلية (كلير هول ) بجامعة كامبردج وكذلك في معهد ماكس بلانك لدراسة المجتمعات في كولون، ألمانيا.

القسم الثاني

 

يُعدُّ بولديزوني واحداً من الشخصيات الأوربية المميّزة في ميدان الاقتصاد السياسي ؛ فقد قدّم مساهماتٍ مؤثرة في حقل النظرية الرأسمالية وتأريخها ، وطوّر هيكلاً فكرياً يؤكّدُ أهمية تأريخ الأفكار والمفاهيم في فهم الاقتصاد الحديث . دعا بولديزّوني إلى اعتماد مقاربة غير وضعية anti-positivist في دراسة العلوم التأريخية والإجتماعية – تلك المقاربة التي تقومُ على بحث الهياكل الاجتماعية ، والتأويل الثقافي ، والنظرية النقدية . يُعرَفُ عن بولديزّوني في وقتنا الراهن كونهُ أحد أكابر النقّاد للتأريخ الاقتصادي النيوليبرالي ، وقد عبّر عن قناعاته الناقدة للسياسات النيوليبرالية في كتابه المعنون ( فقرُ الأغلبية : إعادة بعث التأريخ الاقتصادي ) .

أدناه القسم الثاني من ترجمتي لحوار أجراه ( روبن كايسر تشاتزلن ) مع البروفسور ( فراشيسكو بولديزّوني ) بعد نشر كتاب البروفسور بولديزّوني المعنون ( نبوءة نهاية الراسمالية ) عن جامعة هارفرد . نُشِر الحوار في مطبوعة ( مراجعة لوس أنجيلس للكتب Los Angeles Review of Books ) المنشورة بتأريخ 22 تموز ( يوليو ) 2020 .

المترجمة

تشاتزلن : لم يكتفِ التأريخ المعروض في كتابك بايراد منظّرين من اليسار ؛ بل تناول كذلك مفكّرين من الجناح اليميني ممّن أبدوا قلقاً بشأن تهاوي الرأسمالية . هل تستطيعُ أن تحدّثنا عن التضاد بين ( جون ماينارد كينز ) و جوزيف تشومبيتر ( أو ربما حتى بين دانييل بل و هربرت ماركوز ) و كم كانت لأفكارهما أصول متماثلة أو متباعدة ؟

بولديزّوني : يتشاركُ المفكّرون المبشّرون بالنهايات القيامية الكئيبة ، بعامة ، مشاعر قوية بشأن الرأسمالية ، والأمر سواءٌ إذا ماكانت هذه المشاعر سلبية أو ايجابية . الأمر الأكثر خصوصية الذي يميّزُ المعتقدات السياسية لكلّ مفكّر من هؤلاء يكمنُ في المحرّك الأخلاقي الكامن وراء تنبؤاتهم والذي يتجلى في نهاية المطاف بشكل رغبة جامحة أو خوف جامح أيضا ، وفيما عدا ذلك فإنّ هؤلاء الذين رغبوا في موت الرأسمالية من جانب ، والذين أبدوا خوفاً عظيماً من مآلات الرأسمالية في جانب آخر إنتهوا إلى التأويل ذاته : فهم الفريقان أن الإشارات التي تطلقها الرأسمالية ليست سوى نُذُرٍ منبئة بأزمة لايمكن عكس مفاعيلها . إرتكب الفريقان أيضاً الأخطاء التنبؤية ذاتها بشأن الرأسمالية . 

شهد كلّ من تشومبيتر و كينز في فترة مابين الحربين العالميتين ( الأولى والثانية ) تهاوي الرأسمالية الليبرالية وتحوّلها لنظامٍ محكوم بالتدخّل واسع النطاق للدولة فضلاً عن اعتماد اقتصاداتٍ مخطّط لها من قبل الدولة ، وقد أزعج هذا التغيّر - بكلّ وضوح – تشومبيتر الذي أبدى على الدوام ولعاً لاحدود له بالفردانية البرجوازية . أبدى كينز – على العكس من تشومبيتر – كراهة لاتخفى لكلّ قيم المجتمع الفكتوري التي نشأ في ظلّها ، وبقي يحلمُ بعالمٍ خالٍ من أصنام " الجشع ، والربا ، والعيش تحت مذلة التحوّطات المالية الطارئة التي لاتنتهي " . 

نجد أيضاً مثل هذا التأويل الثنائي المخالف للواقع ذاته لدى بِل و ماركوز ، وفي حالتهما كانت الثقافة المضادة التي سادت العالم في ستينيات القرن الماضي هي السبب وراء المشاعر المتناقضة لديهما : كان بِل مولعاً بالقيم التقليدية للمجتمع الأميركي ، ورأى في العادات السلوكية المقتصدة للبرجوازية البيوريتانية القديمة تجسيداتٍ لنزعة أخلاقية رفيعة جرى تلويثها بالأعراف المنحطّة التي أشاعها الهيبيون Hippies ومقايضو الزوجات فيما بينهم !! . بالنسبة لماركوز ، وعلى النقيض من رؤية بل ، مثّلت هذه الظواهر مؤشّرات تنبئ عن أنّ المجتمع اندفع في نهاية المطاف بثورة تمرّدية بالضد من الرأسمالية الاستعبادية التي خلقها المجتمع ؛ فقد رأى ماركوز بأنّ الرأسمالية قمعت " الحاجات الحقيقية " للكائنات البشرية عندما جعلت هذه الكائنات مخلوقات مُستلَبة ، إغترابية ، غير سعيدة . 

تشاتزلن : كان جون ستوارت مِلْ مفكراً إنسانوياً ، وتنبّأ بأنّ الرأسمالية ستبلغ حداً لن تبارحه ؛ أي أنها ستصلً مرحلة مستقرة stationary . يبدو هذا النمط من التحليل وكأنه ذاته الذي حصل مع كينز ، بل وحتى مايحصل في أيامنا هذه حيث بتنا نواجهُ عالماً لايحقق سوى أقلّ معدّلات النمو الاقتصادي . هل ثمة مايوجد في الرأسمالية يستجلبُ فكرة الحدود المحبِطة ؟ ( أفكّرُ هنا بشأن الضغوط التي تفرضها البيئة ، تلك الضغوط التي بدأت في الحقبة الفكتورية واستمرّت حتى يومنا هذا ) 

بولديزّوني : نعم . وجود حدود بيئية أو أخلاقية للرأسمالية هي فكرة متواترة لم تخفت منذ عهد بعيد ، وانا آسفٌ هنا للتصريح بأنّ هذه الفكرة لم تبرهن كونها فكرة حقيقية بأي شكل من الأشكال .

أحد أشكال هذه الفكرة ينبئ بأنّ استهلاك كلّ موارد الأرض بسبب النمو الاقتصادي المستديم سيجعل الرأسمالية تتضوّرُ جوعاً للوقود النافد الذي يديم نموّها . الشكل الآخر لفكرة الحدود يخبرُنا بأنّ المجتمع ، وبعدما يصبح غنياً متنعّماً بكلّ أسباب الوفرة المادية ( دعنا نَقُلْ إلى حدود من الوفرة المادية تتجاوز عتبة حرجة محدّدة ) فإنّ قيمه الأخلاقية ستشهدُ تغيّراً حتمياً يستوجبُ أن يجعل من تعطّشه المستديم لمراكمة ثروة إضافية شيئاً تمّ ترويضه وإخماد جذوته . 

إنّ موضوعة الاقتراب من الحدود القصوى لما يمكن تحويله من الموارد الأولية إلى رأسمال يمكن أن يكون مقدّمة ممهّدة لطورٍ منذر بتصاعد أزمة صراعية بشأن توزيع الناتج الرأسمالي : لو نظرنا في الزيادة المتعاظمة لمظاهر اللاعدالة في توزيع الناتج الرأسمالي على مدى الأربعين سنة الماضية فسيكون من اليسير ربط هذا التوجّه المتّسم باللاعدالة المفرطة بتباطؤ النمو في البلدان المتقدّمة . لنضع الأمر بكلمات أخرى : طالما أنّ كعكة الثروة توقّفت عن الكبر فقد راح متحصّلو الأرباح العظمى يُبدون توجّهات أكثر عدوانية نحو العاملين بأجور . من جانب آخر ، طالما بقيت مظاهر اللاعدالة في الدخول المالية متفاقمة ؛ فلماذا ينبغي على الثروة أن تفقد أهميتها ؟

الأمثولة البليغة التي يمكن أن نخرج بها من هذه التوقّعات الخائبة هي أنّ الرأسمالية تبقى في نهاية الأمر نظاماً إجتماعياً ، وأنّ المفاعيل الناجمة عنه تعتمد – بالتأكيد – على الظروف المادية المحيطة به ( وليست مرهونة برؤى منفصلة عن وقائع الحياة الحقيقية ) . 

تشاتزلن : تقولُ في كتابك أنّ الرأسمالية أبقِيت على قيد الحياة بالاعتماد على خليط من التراتبية الطبقية والفردانية ( التراتبية الطبقية نزعة لها أصول قديمة ؛ أما الفردانية فنزعة حديثة الأصول ) . كيف تتفاعل هذه المفاهيم مع بعضها ، وهل ثمة بعضُ الأمثلة لكليهما ؟

بولديزّوني : كلّ المجتمعات المعقّدة فيها تراتبية مجتمعية إلى حدود ما ، والمجتمع الرأسمالي بدوره ورث من المجتمع الاقطاعي الذي قام على أنقاضه بعض علاقات القدرة ( المالية والمجتمعية ) غير المتكافئة بين الأفراد . إنّ الاعتماد ذاته الذي خلقته الحاجة إلى ربط مصير الأجَراء بأسيادهم في المجتمع الاقطاعي إنقلب ليصبح اعتماداً من جانب منتجي الغذاء من صغار الفلاحين والقائمين على إدامة سلاسل توريد الغذاء من صغار الباعة على مستغليهم من البليونيرات الجُدُد ، وبهذا السياق تكون الرأسمالية قد إستبدلت التراتبيات المجتمعية القديمة بأخرى جديدة إقترن بها مفهوم جديد هو الطبقة Class الذي كان – ولم يزل – مفهوماً ذا أهمية مركزية عظيمة في مجتمعاتنا المعاصرة . عكست التمييزات الاجتماعية في العالم القديم المكانة الاجتماعية عند الولادة ؛ أما في العالم الجديد فقد باتت هذه التمييزات تقوم على مدى قدرة المرء في مراكمة المال ، وبهذا المعنى يكون المال عنصراً مؤثراً قاد إلى إعادة ترسيم خارطة التراتبية الاجتماعية . 

العنصر الجديد الذي صاحب نشوء الرأسمالية وارتقاءها هو الفردانية individualism : يستشعر الناس في يومنا هذا ماهو قادرٌ على تحريك رغائبهم التي يفضلونها على ماسواها فحسب ، وكذلك حاجاتهم وحقوقهم بدلاً من الانصياع الاعمى للأعراف والواجبات التي يفرضها إنتماؤهم لمجتمعٍ بشري ما ، وقد طوّر هؤلاء الناس علاقات مع الآخرين تتمظهر بهيئة علاقات عمل ، وهم يجدون راحتهم في أسواق التبضّع التي صارت بمثابة منتجعات مصمّمة لتلبية حاجاتهم ، ومع الزمن حصل تعميمٌ مفرط المديات لمنطق السوق بحيث صار قادراً على اختراق مجالات حسّاسة من الحياة البشرية مثل العمل والرعاية الصحية . تفكّرْ مثلاً في الولايات المتّحدة : حتى بلازما الدم صار يُشترى ويُباع في الأسواق مثل أية سلعة أخرى ، ولولا اعتبارات السلامة الصحية والمخاوف من العدوى المميتة لكان الدم ذاته ( لا البلازما فحسب ) يُعامل كسلعة معروضة في الأسواق ! . 

تشكّلت هذه الهياكل الاجتماعية التراتبية والقيم الفردانية على مدى بضعة عقود ، ومن غير الممكن إختفاؤها بغتة ، وإذا كانت التراتبية المجتمعية متعشقة في فكرنا وسلوكنا كلّ وقت فإنّ الفردانية حلّت في مجتمعاتنا الحديثة مع مقدم الحداثة الغربية ، والفردانية - بشكل ما - كانت الثمن المطلوب دفعه لقاء التحرّر من كلّ الأشكال القمعية التي تتخذها وسائل السيطرة الاجتماعية القديمة ، ومن جانب آخر فإنّ الفردانية تمثلت في قدرة المرء على أن يكون حرّاً في اتخاذ القرارات الملائمة له والمتفقة مع تطلعاته الحياتية ، ومن بعض حظوظنا الحسنة أن ليست كل المجتمعات الغربية متماثلة في مناسيب تراتبياتها المجتمعية وحظوظ أفرادها من النزعات الفردانية ، وهذا هو الأمر الذي يوضّحُ سبب وجود أنماط مختلفة من الرأسمالية قد تتقاربُ مع بعضها في خصائص محدّدة في الوقت الذي تتباعد عن بعضها في خصائص أخرى . 

تشاتزلن : تكتبُ في كتابك أنّ التنبؤ ( بنهاية الرأسمالية ) " يوهن الثقة الجمعية بالنظام الراهن " . أرى أنّ غياب الثقة هذه تقودُ إلى أمور أخرى مثل الحاجات الحقيقية للتغيير . كيف يتفاعل هذا التنبؤ بنهاية الرأسمالية مع الثورة الفاعلة والاصلاح الشامل ؟ وكيف يمكن لهذا التنبؤ إغلاق مسارب التغيير أو – بالعكس – تعزيز جذوته ؟ 

بولديزّوني : التنبؤ الاجتماعي يفترض بصورة مسبقة رؤية للتأريخ تجعله نتاجاً للأفعال البشرية . قد لايتفق المتنبؤون الاجتماعيون فيما بينهم حول المدى الذي يمكن في نطاقه جعل هذه الأفعال البشرية خاضعة للسيطرة ؛ لكن منذ أن تمت إزاحة الأسطورة القائلة بأنّ المصير البشري ( والطبيعي كذلك ) محكوم مسبقاً بنظام فوق – طبيعي أو طبيعي فقد بات من العسير القبول بحقيقة ضرورة بقاء الأشياء كما هي . الأشياء يمكن ( بل يتوجّبُ ) أن تكون عُرضة للتغيّر دوماً .

ظلّت الحقيقة الصراعية بين الانتظار السلبي لحدوث التغيير التأريخي وبين الثورة – بخاصة – معلماً خاصاً ومميزاً في التقاليد الماركسية ؛ فقد إعتاد ماركس على ترديد القول : " يصنعُ الرجالُ تأريخهم الخاص ؛ لكنهم لايصنعونه على النحو الذي يبتغون ! " لأنهم يصنعونه " وهم تحت تأثير ظروف محدّدة ( ...... ) إنتقلت إليهم من الماضي . " . كان ماركس محقاً ؛ لكن إدراك مدى قساوة ماضي البشرية كان لوحده كفيلاً بجعل ماركس أقلّ تفاؤلاً بشأن المستقبل .

لكن برغم كلّ شيء ، فمن غير التنبؤ الاجتماعي – مع كلّ الأخطاء المرافقة له – ماكان لنا أن نمتلك الدوافع الحقيقية لاصلاح الرأسمالية . إنّ تأريخ اليسار الديمقراطي ( أو الديمقراطية الاجتماعية كما نسمّيه هنا في أوربا ) ومحاولاته الحثيثة لجلب بعض العدالة الاجتماعية لهذا العالم يصلحُ أن يكون قصّة عن التغيّر البطيئ والمؤلم عندما نحاول إحداث انعطافة تتضاد مع محدّدات الماضي الصارمة . يتطلّبُ أي منظور إصلاحي تجاوزاً حاداً للأمثولات اليوتوبية – تلك الامثولات التي استطاع التنبؤ الاجتماعي الراهن تحقيق بعض الانفلات من قبضتها المُحكمة .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top