(المدى) تفتح ملف الدراما العراقية..الدراما المحلية مسيرة متعثرة.. وأمل ضعيف (2)

(المدى) تفتح ملف الدراما العراقية..الدراما المحلية مسيرة متعثرة.. وأمل ضعيف (2)

كتّاب الدراما مثالاً

علاء المفرجي

كتبنا في مفتتح موضوعنا عن الدراما المحلية في جريدة المدى بعنوان " المدى تفتح ملف الدراما العراقية..الدراما المحلية مسيرة متعثرة .. وأمل ضعيف" الآتي:

"فإن وجد لنا نص يصلح أن يكون دراما تلفزيونية بعد أن نتخطى ملاحقات العشيرة وتهديدات السياسي، سنصدم بالعقبة الأخرى، وهي كتابة السيناريو فمن المُسلم به أن السيناريو فن معقد لايمكن أن يتعاطاه أو يحذقه إلا أصحاب الموهبة، ممن لهم دراية بأصول الكتابة الدرامية وفنيّاتها، إضافة الى تميزهم بسعة الخيال ومتانة الثقافة؛ فالمتابع للأعمال الدرامية العراقية يلاحظ بدون عناء الهنّات والعلّل في السيناريو، تنم عن نقص في الحرفية وعدم إلمام كافٍ بالمبادئ الاساسية للكتابة الدرامية.

ومن هنا أقول وكلي أسف، إنه لم يخلق عندنا بعد كاتب دراما حقيقي، يلم بكل تفاصيل العملية الدرامية واعتقد في رأيي المتواضع أن ذلك من أهم معوقات تطور الدراما. وكي لا نغمط الحقوق، هناك القليل من الأعمال التي لفتت إليها الانظار، أقول الأعمال، وليس كتّابها، كي لا أناقض ما قلته سلفاً. لذا كان من الطبيعي أن يلجأ (كتّابنا) الى الاقتباسات (كدت أقول السرقات) من أعمال درامية عربية أو أجنبية، وتسوق للمشاهد العراقي، وكأن الأفكار والموضوعات تلاشت، وأتساءل هل فكر كاتب أن يتناول موضوعاً عن الفساد، أو موضوعاً على عوائل شهداء الجيش والحشد الذين تناستّهم السلطة، أو موضوعاً عن التجسس...وكأن واقعنا يخلو من الأفكار والموضوعات، فالأفكار كثيرة ولاسبيل لتعدادها.. يكفي أن تفكر في الكتابة حتى تقفز الأفكار أمامك.. فعلى الطريقة (التشيخوفية) تنبثق هذه الأفكار. الأمر لايحتاج سوى الى موهبة المعالجة."

عدد من الكتّاب الفنانين العاملين في الدراما المحلية كان لهم رأي آخر.. نتوقف عند هذه الاراء، بأنتظار مايردنا من أراء أخرى:

عواطف نعيم: شُح الأعمال لعدم وجود النصوص الصالحة للانتاج وغض النظر عن خزين متميز للنصوص العراقية. 

غابت الدراما العراقية عن مواسمها لخمس سنوات عجاف إلا بعض الظهور البسيط في بعض الفضائيات التي إعتادت تقديم البرامجيات الكوميدية المفرّغة من محتواها الفكري والجمالي وتوجه المتلقي العراقي إلى متابعة العروض الدرامية العربية والتركية بمختلف أنواعها وبقي الفنان العراقي ولاسيما الجاد والملتزم أسير الحسرة والانتظار لأعمال درامية يجد من خلالها ذاته ويعلن بها عن طاقاته وقدراته الإبداعية المجمدة ، ولكي يدفع أصحاب القرار ولاسيما الحكومي و الذي يعمل بالمال العام عن نفسه التهمة في تعطيل عجلة الدراما وإهمالها والاكتفاء ببرامج عادية و مملة إدعى أن شُح الأعمال وقلتها تعود لعدم وجود النصوص الدرامية الصالحة للإنتاج وغض النظر عن خزين متميز من النصوص العراقية في بنك النصوص وهي لكتاب عراقيين متنوعين وتعالج مواضيع متعددة وكتبت بمستوى راق من الإجادة والمسؤولية والاجتهاد ، وبنك النصوص موجود في شبكة الإعلام العراقي كما هو مقدم لعدد من الفضائيات العراقية التي تهتم بتقديم الدراما العراقية ولكنها تنتقي حسب التوجه الأيديولوجي والمعطى السياسي الذي يقف منه الكاتب العراقي وقفة حذر وحرص ، لذا من غير الصحيح التعلل بتلك الحجج في تبرير أسباب غياب الدراما العراقية والأصح أن تقال وتقدم الحقائق لغرض إيجاد الحلول والسبل التي توفر الدعم المطلوب لنهوض الدراما بالصورة التي تليق بها وبتأريخها المعروف ومنع نكوصها وتراجعها ، ما تحتاج إليه الدراما هو توفر الدعم المادي والتخطيط المدروس لإنتاج أعمال درامية ترضي طموح الفنان العراقي وتوفر المتعة البريئة والتشويق الجاذب للمتلقي العراقي وأيضاً تكون قادرة على المنافسة والتسويق في سوق الدراما العربية التي تزخر وتضج بها الفضائيات العربية وأن لا تكتفي قنواتنا العراقية بشراء الأعمال العربية لعرض ثالث ورابع ولأعمال قديمة ومُعادة بل أن تدعم الإنتاج العراقي وتنهض به وتقدمه ، نأمل أن يطل علينا رمضان القادم بأعمال عراقية فيها عدالة في توفير فرص العمل للفنان العراقي دونما تحيز وأخوانيات وفيها حداثة وجدّة في الرؤية الفنية والمعالجة الإخراجية كما فيها حرص على إختيار الخطاب الدرامي المعبر عن هموم الناس وتطلعاتهم ، كما نأمل أن يكون المستوى الفني والجمالي متميز وملفت ، نامل وننتظر وعسى أن لا تخيب الأمال ...

عقيل مهدي: يجب على المؤلف أن ينتقي (موضوعاً) مبتكراً يخص أسلوبيته هو حتى إنْ كان (مقتبساً) 

للإجابة عن هذا التساؤل ينبغي أن نستعرض ، عمل المؤلف ، والمخرج في صورته الإبداعية في التنظير أو حين تغيب هذه الصورة الفنية في الانتاج الاحترافي العملي 

أولاً يحرص المؤلف الدرامي الناجح على أن يقرن ( نغمة ) حوارات الشخصية ، بالحركة والصورة الفنية لأبطاله الدراميين التي يكاد يراها ويسمع ملفوظاتها المنطوقة في تخييله الدرامي عند الكتابة ، ولا يعنى بمجرد تدوين وقائع نثرية غير متسقة ومقطوعة عن بؤرتها المركزية التي تؤطر أجزائها في وحدة موضوعية .

يجب على المؤلف أن ينتقي (موضوعاً) مبتكراً يخص اسلوبيته هو حتى ان كان ( مقتبساً ) عن رواية أو فيلم او نص مسرحي لكتاب آخرين ، فهو يجب أن يلم بأسرار البناء الدرامي منذ المقدمة الاستهلالية وما تجرّه الأحداث من انعطافات في تقدمها وتراجعها بنظرة استباقية مدروسة بعناية سواء في تأزمها وذرواتها ، أو في اتجاهها وانحدارها البياني نحو حلول مقترحة . 

تختلف المعالجة الدرامية في رسم (الحبكات) حسب مصادرها ، الأسطوري أو التاريخي أو الفنطازي أو الخيال العلمي وصولاً الى تلك المقترنة بأحداث واقعية تخص الحرب والسلم أو حياة الإنسان الهامشي أو مَن تتهدده الأجهزة القمعية لسلطة جائرة مثلاً .

وقد يدعم موضوع حبكته الرئيس بتطوير تفرعات (ثانوية ) لينشّط من حيوية إطاره الموضوعي العام . 

السلبيات : 

تختلف مراتب النص الدرامي وسيناريو الفلم والمسلسل التلفزيوني ما بين الصنعة الاحترافية العارفة بأسرار المهنة عن تلك المعالجات الانطباعية الهامشية للنوع او الجنس الدرامي ومراعاة اختلاف التقنيات الملهاوية ، عن تلك المأساوية ، إذ لكل منهما قواعده المحددة إبداعياً وبخلافها لا يقوى النص على الصمود في استقطاب الجمهور , أو حين يلجأ الى تقديم أعمال فنية دعائية ( بروباجاندا ) التي يضيع فيها المغزى العاطفي والفكري والتخييل الفني المطلوب ، أو حين تقفز أحداث النص الى افتعال نهايات سعيدة غير مقنعة .

قد نجد في العرض المسرحي وسواه ( بصمة ) خاصة بالمخرج ، كأن يكون المشهد السينمائي متعلقاً بما يسمى ( عمق المجال ) مثلاً لمشهد يوهمنا بلقطاته وزواياه ، ببعد جديد تتزامن فيه الشخصيات والاحداث في فضاء وزمان موحد بأشكالها الجمالية وظواهرها المتنوعة التي يحركها جوهر واحد أساسي ، أو حين يرى أن ( الكلمات ) المدونة في النص المكتوب ، أو السيناريو بحاجة الى تأويل مرئي جديد ، بإضافة لغة أخرى تحتمها الضرورة الإخراجية ، حيث يفجر فيها الطاقات الكامنة لتلك (المعاني) المنسية ( للكلمات ) كما يراها ( انتوان آرتو) وهو يبتدع وظائف جديدة ( للنص الورقي) ليحول الكلمات الى ( وهج ) يشحذ الحبكة بأبعاد مثيرة تفاجئ ( المتفرج ) حتى إن كان قد ( قرأ ) النص .

الجانب السلبي /

حين يكون المخرج ميالاً الى تكرار نماذج نمطية مستعارة من تجاربه السابقة أو من سواه فتصبح مسرحياته حافلة بتكرار ضحكات مفتعلة أو بكائيات مقيتة منافية للذوق الفني السليم أو حين يختار المخرج نصاً لتقديمه من غير أن يتساءل هل أن ( موضوعه ) يستحق التقديم للجمهور ؟ 

وهل أن ( عنوان ) عمله هذا وحواراته وجوها العام مصاغ بطريقة متماسكة وبمهارة كتابية حاذقة ؟ 

وهل بإمكانه أن يشحذ خبرته العملية وتقنياته لاستبطان صور فنية منبثقة من فضاء الحدث والشخصية ويحولها الى مظاهر سلوكية ملموسة؟ 

وهل تأوّل المخرج في تصميم تشكيلات فنية مدركة حسياً أم باتت لديه مفتقرة لتلك الأبعاد الحدسية التذوّقية المطلوب حضورها في المسرح أو السينما ؟ 

لأنه في الحالة هذه ستفتقد أعماله للدلالات المكثفة وللاستقلال النوعي الخاص بعمله .

موقف الجمهور : 

ينتظر ( المتفرج ) عند مشاهدة العمل الفني ذلك المصير الخاص بالبطل وهو يتسائل هل سينجح البطل للخروج من مأزقه ؟ أم تراه سيفشل ؟ 

وما نمط العلاقة التي تربطه مع أتباعه ، وخصومه ؟ 

ولكن حين ينعدم التشويق هذا ، أو حين يختار المخرج ممثلين نمطيين يصطنعون أدوار مكرورة لا تتناسب وقدراتهم وطاقاتهم في الأداء .

المهم أن يحرص المخرج في عمله مع الممثل بأن يوظف ادراكه للعالم ، لا في استخدام الكلمات فقط ، بل باعتماد التعبير عن عواطفه ومدركاته الحسية وحركاته واشاراته التي تجعله قادراً على أن يقرن الانفعالات الشخصية بطبائع الأبطال الذين يتقمصهم ويجسدهم جرياً على نصيحة ( سارتر ) بالآتي : " قم بأداء المعنى ، لا الكلمات " 

الخلاصة : تكمن المعضلة إذن في تخلّف الأعمال الفنية وعدم انتشارها بسبب ضعف التأليف والإخراج والتمثيل وربما تبرز العقبة الأكثر وضوحاً في غياب ( التخطيط المبرمج ) للأعمال الفنية وضعف الطاقة الإنتاجية والميزانية و تواضع التعامل مع التقنيات نتيجة عدم احترافية المخرج في تقديم صورة فنية واضحة أو في إدارته لحركة الكاميرا ، واستقرار اللقطات ، أو تداخل وجهات النظر ، أو عدم استقلالها ما بين الشخصيات ، فضلاً عن غياب خشبات المسارح والاستوديوهات لتسجيل وتقديم العروض والأفلام والمسلسلات الجاذبة للجمهور العام . 

هذه هي الأسباب مجتمعة التي أدت الى عدم النهوض بواقعنا الفني وتعثره ومن بينها إقصاء الفنانين الجادين عن المشهد الدرامي الراهن .

ضياء سالم: الكاتب العراقي يراوح في مكانه بين مطرقة المنتج الجشع وعزوف المؤسسة عن الإنتاج.

منذ تأسيس تلفزيون العراق عام 1956 ولحد الآن مازالت الدراما العراقية بخير ولكن ؟ هنالك تفاوت كبير بين الأمس واليوم , لأسباب عديدة أهمها التلقي بين المرسل والمستقبل فقد كانت المواضيع المطروحة ان ذاك تطرح بشكل مدروس من قبل القائمين على التلفزيون مراعين كل شيء ليصل المسلسل الى المتلقي بشكل جيد وسلس دون تعقيد وكأنه رسالة تربوية تبث على شكل مشاهد درامية , حتى تطور وأصبح يناقش قضايا المجتمع حتى فترة الستينيات , في مطلع السبعينيات وسط الصراع الايديولوجي انتج التلفزيون أروع المسلسلات العراقية وهي تناقش حياة الناس بطريقة مختلفة عن الفترة السابقة فقد تحرر الكاتب من سلطة الرقيب وبدأ يطرح الهم الإنساني من خلال قضايا المجتمع ويبثها كرسالة إنسانية حتى تطور المرسل في بث شفراته الى المتلقي رغم صرامة المؤسسة التي كانت تميل الى تعبئة كل شيء لصالحها , هذه الفسحة لم تدُم طويلا فقد سيطرت المؤسسة الإعلامية على كل شيء وصارت تنتج كل المسلسلات تحت راقبتها الصارمة وجاء مقص الرقيب ليمنع عشرات المسلسلات لأنها لاتتلاءم مع سياستها , لم يكن هناك شركات تعمل خارج إطار المؤسسة الكل يخضع للشروط والضوابط مثل شركة بابل وشركة عشتار وشركة سومر وغيرها من الشركات الصغيرة التي ظلت تمارس عملها في الإعلانات ولم تقترب من الإنتاج الضخم كبابل وسومر الشركة الوحيدة التي كانت تسوق أعمالها خارج نطاق المؤسسة , ومع بداية الحرب العراقية الإيرانية توقف كل شيء لتتجه المؤسسة لصناعة سينما الحرب وانتجت الكثير من الأفلام التعبوية غير مكترثة بالمسلسلات التلفزيونية ولم ينتج إلا القليل وأغلبه كان تاريخاً حديثاً وابتعدت كثيراً عن المتلقي , في مطلع التسعينيات وفي ظل الحصار صار الإنتاج غزيراً وأغلب المسلسلات التي أنتجت وخاصة البدوية شدّت الرحال الى دول الخليج لأنها كانت تصنع بمبالغ زهيدة ولايهم المنتج النوع لأنه كان يفكر بالربح كما حدثت في بغداد صناعة أفلام السكرين سيئة الصيت وانتهت هذه الموجة سريعاً ولم تنتج فيلما واحداً له قيمة فنية لأن المنتج جاء من الشارع كي يربح , وبقي الكاتب العراقي يراوح في مكانه بين مطرقة المنتج الجشع وعزوف المؤسسة عن الإنتاج وهناك طابور كبير من الكتّاب يخضعون لقسوة المنتج الذي يفرض عليه الموضوع مختصراًعدداً أماكن التصوير وصار التقشف يمتد من جيب المنتج الى قلم الكاتب ورغم ذلك كانت الدراما بخير حتى سقوط النظام , بعد السقوط انتشرت الفضائيات بشكل سريع وصار الكاتب في فسحة أمل كي يكتب مايريد وبدأت العجلة تدور وصار الإنتاج غزير لكن حدثت فجوة أخرى بين الكاتب والفضائيات المؤدلجة ليخضع الكاتب مرة أخرى للرقابة وضاع كثير من الكتّاب في هذه الدوامة بعد أن اختارت المؤسسة حديثة الولادة أجندتها لتقدم جرائم النظام السابق بشكل غير مدروس وأغلب المسلسلات التي انتجت في هذه الفترة هي مسلسلات تعوم فوق السطح ولم تناقش تلك الحقبة بعمق الجزء الأكبر يتحمله الكاتب لأنه لم يتعلم الدرس على مدار كل هذه السنوات وما مرّ به من تعسف وظلم , أما الآن لايوجد لدية آزمة نص كما يقول البعض لدينا كتاب كبار ومهمين في طرح قضايا المجتمع العراقي الآن لدينا أزمة كبيرة اسمها الإنتاح فقد غادرت الفضائيات مضمار الإنتاج واقتصرت على انتاج ( السكيجات ) في شهر رمضان فقد وبقي الكاتب والمخرج والممثل ينتظر في طابور العاطلين عن العمل لأن الدولة غير معنية بالإنتاج الدرامي وليس لديها خطة في بث الحياة من جديد للدراما , تبقى الكاتبة الدرامية هاجساً كبيراً يرافق الكاتب أينما حل وخاصة في هذه الفترة التي يمر بها العراق من تقشف وعجز الدولة تأمين رواتب الموظفين وتوقف التعليم والفوضى العارمة في السوق وتهريب العملة هذه المادة الدرامية عاجزة أن تدخل في الحراك الدرامي بسبب فقدان المنتج وعزوف المؤسسات عن الإنتاج أذن الأزمة هي أزمة إنتاج .

أحمد شرجي: هناك استسهال كبير في عملية الكتابة الدرامية على مستوى المواضيع تقنية الكتابة البناء الدرامي.

يمثل النص ركناً أساساً ومهماً في العمل التلفزيوني ، بل العقل لبقية الأعضاء الحيوية ( الإخراج، التمثيل، التصوير، المكياج) والجسد يمثل الإنتاج بكل تفرعاته، لايمكن عمل بقية الأعضاء للجسد بدون عقل فعال ومحرك لها ، لأنه مصدر الإيعازات التي تؤدي إلى أفعال، هكذا أرى وظيفة النص الدرامي في أي عملية درامية مسرحياً وتلفزيونياً وسينمائياً ، في المسرح والسينما يعوض الإخراج عن طريق الصورة البصرية ضعف النص أو بساطة الحكاية، لكن بالتلفزيون القضية مختلفة لابد من تماسك الحكاية حتى تمسك بالمشاهد كونها تمتد إلى ثلاثين حلقة/ ساعة تلفزيونية ، وهذه العملية تتطلب مهارات تقنية على مستوى الكتابة ، والتطور والبحث عن الجديد دائماً، من أجل خلق التمايز والتميز وإجبار المشاهد الجلوس أمام الشاشة للمتابعة.

هناك استسهال كبير في عملية الكتابة الدرامية على مستوى المواضيع وعلى مستوى تقنية الكتابة وعلى مستوى البناء الدرامي ومن ثم العملية الانتاجية لأنها مترجم النص إلى صورة بصرية. أين يكمن ضعف الكتابة الدرامية؟ عندما تكون تابعة وخانعة أيديولوجيا لسياسة القنوات الفضائية وأحياناً أشخاص، وأحياناً أخرى جهات سياسية تريد تمرير خطاب سياسي ، نتج عن ذلك أعمال درامية ركيكة وتبتعد عن الواقع ، بل سعت الكثير من القنوات وعبر الكتابة الدرامية لتشويه التاريخ سياسياً واجتماعياً ، لأن هذا النوع من الكتابة يكون ضمن اجندتها الايديولوجية وليس وظيفتها الارتقاء بالدراما العراقية ، أو الفنان العراقي ، والمؤسف بالأمر نجد الكثير من الكتاب الدراميين يقدمون هذه الأعمال بكرم كبير، والأسباب والأعذار دائماً جاهزة وهي الضائقة المالية وتحت شعار ( نريد انعيش)، ووفق ذلك تكون الكتابة الدرامية ضعيفة وغير مؤثرة داخل المجتمع العراقي ، ولا تشكل أي حضور عربي ، لأن ذات الأهداف محددة أيديولوجياً وخطاب موجه لفئة أو لتشويه جهة ما، وهنا السؤال أين هي الكتابة الدرامية؟ بل أصبحت خطاباً سياسياً قميئاً ومقززاً لأنه لم ينشد الجمال ولا التميز، بل دراما تابعة خانعة تعرض لمرة واحدة حسب مهمتها وتهمل ، مثلها مثل الثقافة الحزبية مسرحياً وسينمائياً ، ترمى بسلة المهملات عندما تنتفي الحاجة لها . منذ سقوط النظام وإلى الآن تُنتج أعمال تلفزيونية تدور بفلك النظام السابق بطريقة ساذجة جداً ، رغم أن النظم السابق ارتكب خطايا وليس أخطاء بحق المجتمع العراقي شوّه البنية الاجتماعية والثقافية للبلد ، ذهبت الكتابة الدرامية التلفزيونية إلى الكلائشية والأفكار الجاهزة رغم أن الواقع أكثر بشاعة منها ، فقط حتى يرضي الكاتب الجهة المنتجة ، لم تقدم مواضيع جديدة تستفز الممثل والمخرج قبل المشاهد ، بل اجترار عاطفي لذاكرة متقدة بما هو أبشع مما تقدمه الكتابة الدرامية ، لم يعد مهماً قوة النص الدرامي وتميزه بقدر أهمية رضا الجهات الداعمة عن خطابه وتوجهه واتفاقه مع ايديولوجة القناة وخطابها السياسي.هناك استسهال كبير يتحمل جزء كبير منه الكاتب لأنه يقبل أن يلعب دور التابع ،رغم أن هناك استثناءات قليلة تميزت بدرامات مهمة ولكنها محلية بحث لايمكن تسويقها ، وهذا سبب آخر ومهم حسب وجهة نظري للنهوض بالكتابة الدرامية لأنها مغرقة بالمحلية وتتناول مواضيع ليس فيها مشتركات مع المجتمعات الأخرى ، نعم هي دراما محلية ولكن يجب أن تكون قراءة المؤلف ذكية وعميقة ومحملة بالرموز التي تشترك بها مجتمعات أخرى، بمعنى آخر ، لابد أن تتناول الكتابة هماً انسانياً كونياً ، وليس هماً فردياً . وأكرر على تميز بعض الكتاب بتقديم نصوص رائعة وجميلة ولكن أفشلها الانتاج والتمثيل والإخراج ، لأننا نعاني من عدم التطور ومواكبة الحداثة التلفزيونية ، نعاني من قصور كبير على مستوى الصورة والصوت والمكياج ،والخبرة الإنتاجية وهذه تمثل بقية أعضاء الجسد التي يحركها العقل. بعض النصوص الجميلة يفشلها الإخراج والتمثيل. و العكس أيضاً صحيح نصوص ضعيفة يرفعها الإخراج والتمثيل..نحتاج ثورة على مستوى الكتابة والعملية الإنتاجية ، لأن الجسد الواهن لايمكنه أخذ حبات( البراسيتول) وهو يعاني من تلف بخلايا الدماغ.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top