المجلس الأطلسي : كيف يمكن لقطاع الغذاء الزراعي أن يُحيي اقتصاد العراق من جديد

المجلس الأطلسي : كيف يمكن لقطاع الغذاء الزراعي أن يُحيي اقتصاد العراق من جديد

 ترجمة: حامد أحمد

على الرغم من كونه ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك وسادس أكبر منتج للنفط عالمياً فان اقتصاد العراق يتعرض لأزمة غير مسبوقة ويواجه تحديات كبرى بالسيولة النقدية نتج عنها تأخير صرف الحكومة لمرتبات الموظفين مع توقف شبه كامل لجانب الاستثمار الحكومي .

وفي مقدمة هذه التحديات لعبت أزمة تفشي وباء كورونا دوراً كبيراً بالإضرار باقتصاد البلد الذي يعاني أصلاً من تدهور ناجم عن عقود من تحديات أمنية وسياسية ترافقها سوء إدارة عامة .

ويشير المجلس الأطلسي في تقريره الجديد أن وسط هذه التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق ، يمكن للغذاء الزراعي أن يلعب دوراً جوهرياً في قلب الاقتصاد رأسا على عقب ويعيده لطريق النمو والازدهار من جديد . وبينما يمكن للإصلاحات الحكومية المالية البنيوية واستثمارات البنية التحتية أن تساعد في تحفيز الاقتصاد ، فإن الغذاء الزراعي يمكن أن يحقق نمواً اقتصادياً بأقل كلفة وأكثر يسراً ، وإنه قد يستجذب استثمار القطاع الخاص المطلوب بشكل ملح في وقت تعاني فيه الحكومة من أزمة سيولة نقدية ، وكذلك يوفر فرص عمل على نحو سريع في وقت يعيش فيه البلد معدلات بطالة عالية نجم عنها احتجاجات لشباب يائس يبحث عن فرص عمل .

الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كلي على النفط ، والذي يشكل نسبة 96% من صادرات العراق ، و 92% من عوائد ميزانية الحكومة ، و 43% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2019 . وبعد أن وصل إنتاجه النفطي الى رقم قياسي بحدود 4,8 مليون برميل باليوم في آب 2019 ، اضطر العراق الآن لتقليص انتاجه الى 3,5 مليون برميل باليوم التزاماً باتفاق أوبك بلاص لتقليص الإنتاج للحفاظ على أسعار النفط لقلة الطلب عليه بسبب جائحة فايروس كورونا .

تفشي وباء كورونا والأزمة الاقتصادية التي لم يسبق لها مثيل الناجمة عن هبوط أسعار النفط قد كشفت هشاشة الوضع المالي للعراق . وبينما حثت هذه الأزمة الحكومة الى إعادة النظر بالهيكلية الاقتصادية ككل كما توضح ذلك بخطة الورقة البيضاء الإصلاحية الجديدة ، فمن المفترض أن يؤدي ذلك وبشكل طبيعي الى الأخذ بنظر الاعتبار الى الفرص المتوفرة في قطاع الغذاء الزراعي . وقبل أن يصبح العراق بلداً مصدراً للنفط بفترة زمنية طويلة ، كان اقتصاد البلد يعتمد على الزراعة . حتى في الوقت الحاضر فان قطاع الغذاء الزراعي ما يزال يعتبر المساهم الأكبر لنمو الناتج المحلي الاجمالي بعد عوائد النفط . وبينما تناقصت نسبة قيمة الزراعة المضافة للناتج المحلي الاجمالي للبلد من 20% قبل العام 2003 الى 3,3 % فقط خلال العام 2019 ، وجزء من ذلك يعود لزيادة أسعار النفط خلال هذه الفترة ، فإن القيمة المضافة الفعلية للزراعة ارتفعت من 2,5 مليار دولار في العام 2003 و 2004 الى 11,5 مليار دولار في العام 2014 .هذه الزيادة لم تدم طويلاً بسبب تنظيم داعش الارهابي الذي تسبب بتخفيض قيمة الزراعة المضافة الى ما يقارب 4,6 مليار دولار في العام 2019 . ورغم ذلك ، فان من الانصاف القول بأن الزراعة هي بمثابة قصة النجاح المخفية خلال العقدين الماضيين .

قوة نشاط قطاع الغذاء الزراعي كانت تعتمد كلياً تقريباً على مدى اعتماد البلاد على النفط . عقب الغزو الاميركي للبلد عام 2003 ، لم يعاني قطاع الغذاء الزراعي وأظهر نمواً كبيراً لحين الاضطراب الذي سببه غزو داعش للبلد عام 2014

من الجدير بالذكر إن زيادة واردات النفط حافظت على معدل صرف الدينار إزاء الدولار وزادت القوة الشرائية للفرد مما حدى بالحكومة الى اللجوء الى البضاعة المستوردة الأرخص ثمناً بدلاً من حماية الانتاج الزراعي المحلي . في الواقع إن وزارات التجارة والزراعة المتعاقبة حاولت فرض تعرفة على المنتجات المستوردة وحماية الانتاج المحلي الزراعي. على الرغم من ذلك فان هذا الفائض مضافاً له هبوط بقيمة عملة البلدان المجاورة ، الناجم عن فرض عقوبات على إيران وتركيا ، قد مهد لفرصة ثمينة لتلك البلدان بتبديل منتجاتهم الزراعية المصدرة مقابل العملة الصعبة . هذا أدى الى إلحاق الضرر بالقطاع الزراعي في العراق الناجم عن المنافسة غير المسيطر عليها إزاء البضاعة الرخيصة القادمة من إيران والمنتجات ذات النوعية الأفضل القادمة من تركيا .

إن ما زاد من تقويض نمو قطاع الغذاء الزراعي أكثر إزاء القطاع النفطي هي سياسة النظرة الضيقة التي تركز فقط على النفط ومنتجاته مشتقات النفط ، متجاهلة الطاقة الكامنة للعراق بأن يصبح لاعباً مؤثراً في سلع ستراتيجية أخرى على مستوى عالمي ، مثل محصول الحنطة أو الشعير والتمور ومحاصيل زراعية أخرى ذات قيمة عالية .

ويشير تقرير المجلس الأطلسي ، أنه مع الأزمة المالية الحالية وهبوط أسعار النفط ، يتوجب على العراق أن يركز على قطاع الغذاء الزراعي لما له من فرص كامنة ضخمة يمكنها من حل مشكلتين ملحتين في العراق وهي خلق فرص عمل وإشراك القطاع الخاص بالتنمية ، وهما مهمتان تتجاوز قدرات الحكومة . بإمكان قطاع الغذاء الزراعي توفير فرص عمل سريعة بأقل فترة زمنية خصوصاً بالنسبة للشباب وشريحة النساء .

وقدر تقرير أخير للبنك الدولي صدر في شهر آب يتناول فيه الإصلاحات الاقتصادية للبلد وفقاً للورقة البيضاء ، إنه بامكان قطاع الغذاء الزراعي أن يوفر فرص إقامة 23,382 مشروعاً صغيراً ضمن بيئة نمو عالية ، مضيفاً ما يقارب من 120,000 فرصة عمل جديدة بحلول العام 2030

الغذاء الزراعي يعتبر أيضاً حلقة من حلقات الاقتصاد كان القطاع الخاص وعلى مدى التاريخ يود أن يستثمر فيها ، مما يجعل هذا القطاع قابلاً للبقاء والنمو حتى بدون أي تدخل حكومي كبير . هبوط أسعار النفط تعتبر محفزاً لهذا القطاع بان ينمو ضمن نشاط القطاع الخاص . ما بين عام 2014 و 2017 انخفض المحصول الزراعي للعراق من 15 مليار دولار الى ما يقارب من 7,6 مليار دولار ، ويمثل ذلك انخفاض بالأمن الغذائي للبلد بنسبة 50%

ويخلص التقرير الى أنه حتى لو تعافت اسعار النفط الى ما فوق 50 دولاراً للبرميل ، فان لدى العراق حافز بان يصلح عقود من تحديات الهيكلية الاقتصادية وإيجاد حلول مستدامة لها . الورقة البيضاء للإصلاح الاقتصادي هي خطوة جيدة بالاتجاه الصحيح رغم إنها بحاجة لفعل راسخ على الأرض . وبتوفير أرضية لنمو قطاع الغذاء الزراعي عبر إصلاحات في السياسة المتبعة ، يمكن للحكومة أن تساعد باعادة قطاع الزراعة لسابق عهدها والتي ستوفر فرص عمل جديدة وستساهم بنمو الناتج المحلي للبلد بمقدار 30 مليار دولار عبر العشرين سنة القادمة .

عن المجلس الأطلسي

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top