(المدى) تنشر حلقات من كتاب  سنوات الجامعة العربية  لعمرو موسى (2): السيستاني: يا أخي عمرو موسى سأقول لك شيئا تذكره.. لا تلقوا بالعراق في أحضان إيران

(المدى) تنشر حلقات من كتاب سنوات الجامعة العربية لعمرو موسى (2): السيستاني: يا أخي عمرو موسى سأقول لك شيئا تذكره.. لا تلقوا بالعراق في أحضان إيران

 عمرو موسى يكشف أسرار زيارته الأولى للعراق بعد سقوط نظام صدام حسين

 إطلاق النار على بعثة الجامعة العربية للتحضير للزيارة جعل الجميع يناشدني لإلغائها

في هذه الحلقة الثانية من الكتاب الجديد للسيد عمرو موسى، الأمين العام الاسبق للجامعة العربية، الذي أورده تحت عنوان (سنوات الجامعة العربية) والصادر عن "دار الشروق" بالقاهرة، وحرره ووثقه الكاتب الصحفي خالد أبو بكر. نستعرض تفاصيل وأسرار زيارة موسى الأولى للعراق بعد الغزو الأمريكي، والتي تمت في أكتوبر/تشرين الأول 2005.

محاولات انتزاع العراق من حاضنته وهويته العربية في مشروع الدستور العراقي زادت من قرع أجراس الخطر لدى القوى الكبرى في العالم العربي، ومن هنا قدرت أن الظروف مواتية لاستغلال تلك المخاوف في محاولة اقتحام المسرح العراقي لضبط الأمور، وهو ما تَوافق عليه معظم القادة العرب، وتمت ترجمة ذلك يوم الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2005 بأن اتفقت اللجنة الوزارية العربية الخاصة بالعراق في جدة على قيام الأمين العام للجامعة العربية بزيارة إلى العراق‏،‏ في أقرب وقت ممكن‏ للتحضير لمؤتمر مصالحة وطنية تحت رعاية جامعة الدول العربية‏، وهو المسمى الذي اعترضت عليه بعض القوى العراقية، ليصبح مسماه "المؤتمر "التحضيري" لمؤتمر الوفاق الوطني العراقي"، على أن ينعقد في مقر الجامعة بالقاهرة (انعقد)، فيما ينعقد مؤتمر الوفاق الوطني في بغداد (لم ينعقد).

الحق أن هذا القرار جاء في لحظة غاية في الدقة والحساسية في ضوء الاحتمالات المتباينة المرتبطة بمستقبل العراق،‏ والتي كانت تستوجب تدخلا فوريا من جانب الجامعة العربية‏.‏ خلال اجتماعات جدة قررت إيفاد السفير أحمد بن حلي الأمين العام المساعد للشؤون السياسية والمشرف على مجلس الجامعة‏، على رأس وفد من كبار المسؤولين بالأمانة العامة إلى العراق للاعداد لزيارتي المرتقبة لبغداد.

وصل بن حلي بغداد في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2005. تعليماتي كانت واضحة له "قابل كل القوى السياسية والدينية والعرقية في العراق، وتحدث معهم في مسألة التحضير لمؤتمر مصالحة وطنية تحت رعاية جامعة الدول العربية، ونسق معهم جدول أعمال زيارتي المرتقبة للعراق".

الحقيقة أن مهمة بن حلي لم تكن سهلة، فخلال تلك الفترة كانت الأوضاع الأمنية في العراق شديدة الخطورة، فالاحتلال الأمريكي كان موجودا ويواجه مقاومة عراقية شرسة. كما أن البلاد انزلقت إلى اتون صراع طائفي بغيض، بدأت خطورته تظهر وتؤثر في مجمل الموقف. وهنا يجب أن نستمع لصوت بن حلي، وهو يستعرض المخاطر التي واجهته في التحضير لزيارتي للعراق، إذ قال قبل وفاته في مقابلة مسجلة بصوته لمحرر هذا الكتاب خالد أبو بكر: "بعد أن تقرر سفر الأمين العام إلى العراق، قرر إيفادي إلى ذلك البلد العربي على رأس وفد ضم 11 عضوا من بينهم طلعت حامد مستشار الأمين العام، ومحسن حميد رئيس بعثة الجامعة العربية في لندن، واستمرت الزيارة خمسة أيام. 

كانت مهمة الوفد تتمثل في ترتيب جدول أعمال زيارة السيد عمرو موسى، ومقابلاته مع مختلف ألوان الطيف العراقي، والاستماع لوجهات نظر مختلف الفاعلين السياسيين فيا يخص التحضير لمؤتمر وطني عراقي تحت مظلة الجامعة العربية حتي يمكن للعراقيين التحاور والتناقش والعمل على إيجاد صيغة لضمان وحدة العراق وسلامته وإنجاز عملية سياسية واسعة لإقامة مؤسسات الدولة وإنهاء الوجود الأجنبي‏.‏

تكفل الأمن المصري بحمايتي في أثناء الزيارة؛ لأنه كانت هناك توقعات بمحاولة إفشال زيارة الأمين العام للعراق من قبل العديد من الأطراف. التقيت وأعضاء الوفد كل الشحصيات والقوى السياسية والمرجعيات الدينية مثل مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، وغيره من القوى الشيعية. 

كان الأمين العام حريصا على أن تشارك كل القوى العراقية في مؤتمر المصالحة، ومن هنا كان لابد من مقابلة ممثلين عن المقاومة العراقية، التي تمثل وجهة نظر العرب السنة؛ ولذلك اتفقنا مع الشيخ حارث الضاري، الأمين العام لهيئة علماء المسلمين السنية، على أن نلتقي به في مقره في مسجد "أم القرى". 

تضمن الاتفاق أن أصل ومعي وفد الجامعة العربية إلى هذا المسجد، ونلتقي مع هيئة علماء المسلمين، بعدها أخرج برفقته من المسجد عبر مسرب سري موجود به إلى مكان قريب لمقابلة زعماء من المقاومة وإقناعهم بحضور المؤتمر من خلال ممثلين عنهم، وقد حدث ذلك بالفعل. لكن في طريقنا إلى مقابلة الشيخ حارث الضاري تعرض الوفد لإطلاق نار من قوى مجهولة، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من الحراس العراقيين المرافقين للوفد".

كانت زيارة وفد الجامعة العربية كاشفة جدا عن الاطراف التي لا ترغب في دور قوي للجامعة العربية في الأزمة العراقية. فخلال زيارة الوفد للعراق أدلى ليث كبة الناطق باسم رئيس الوزراء العراقي،‏ بتصريحات رفض فيها عقد مؤتمر وطني عراقي للمصالحة تحت مظلة جامعة الدول العربية‏،‏ وأكد أن بلاده ليست في حاجة إلى مؤتمر مصالحة وطنية‏،‏ وإنما بحاجة إلى قيام المؤسسات الدينية بنشر ثقافة تحرم هدر الدم العراقي وممتلكات الناس‏.‏ بدا لي الموقف غريبا عقب تلك التصريحات، خصوصا وأن وزير خارجية العراق زيباري كان حاضرا اجتماعات اللجنة الوزارية العربية التي تم الاتفاق فيها على زيارة للعراق، ومن المدهش أن يأتي بعد ذلك متحدث باسم حكومة العراق ليدلي بمثل تلك التصريحات‏ التي تأكد لي بعدها أن اطرافا في العراق قد لا تعجبها كلمة "مصالحة".

كان لافتا موقف زيباري وزير الخارجية العراقية، الذي أصدر تصريحات مرحبة بزيارتي للعراق في أعقاب ما أدلى به المتحدث باسم مجلس الوزراء، فقد وصف زيارتي المرتقبة، بأنها "مهمة ويجب ألا نتعامل معها بسلبية منذ البداية، وأن العراق يعتقد ان هناك دورا للجامعة العربية والدول الشقيقة في دعم العراق ونحن لا نريد اعطاء احكام مسبقة على زيارة عمرو موسى، ونأمل ان يستمر التواصل بين العراق والجامعة العربية وان تقوم بتأسيس مكتب للتشاور في بغداد"‏.‏ عاد وفد الجامعة إلى القاهرة بعد أن مهد الطريق لزيارتي للعراق، لكن حادثة إطلاق النار على الوفد جعلت الكثير من الأصوات داخل مصر وخارجها تناشدني بعدم الذهاب إلى العراق في ظل هذه الأوضاع الأمنية الخطرة. وصلتني مئات البرقيات من مواطنين مصريين ومكالمات تليفونية من الأقارب والأصدقاء كلها ينطوي على معنى واحد: ‏ "لا تذهب‏ إلى العراق".‏

لكنني لم استجب لتلك النداءات، وعقدت العزم على إتمام الزيارة مهما كان في الأمر من خطورة. والحقيقة أن مصر أجرت كل الاتصالات اللازمة لتأمين الأمين العام وكذلك الأكراد، وكان هناك ترحيب من كل مكونات العراق عندما علموا أني سأزور بلادهم. وهنا يجب أن أشيد بموقف أسرتي: ليلى وهانيا وحازم؛ فرغم قلقهم الشديد عليّ، لم يطلب أي منهم إلغاء الزيارة. موقف أسرتي كان هادئا عاقلا لأنهم أكثر من يعرفني.

حكاية الضغط الأمريكي

ـتحدث البعض محاولا التقليل من مساعي الجامعة العربية للعب دور في العراق، بأن زيارة الأمين العام جاءت بضغط امريكي‏،‏ أو حتى بضوء أخضر من واشنطن،‏ والحقيقة أن هذا كلام عار من الصحة.جاءت الزيارة بناء على قرار من اللجنة الوزارية العربية الخاصة بالعراق والتى ترأستها الجزائر، وبتصويت من مختلف اعضائها بالاجماع، وترحيب الأمين العام بهذه المهمة رسميا وفوريا. الأمر الواقع والموقف الخطر في العراق هو الذي فرض على الولايات المتحدة قبول دور لجامعة الدول العربية في العراق خلال تلك الفترة شديدة الحساسية والمليئة بالدموية.‏ 

ربما كانت ترفض اي دور عربي أو حتى من دول الجوار الأخرى من قبل‏،‏ لكنها في هذه الأثناء عدلت سياستها ورحبت بالمبادرة العربية وكذلك فعلت الاطراف العراقية الأساسية. تحدث البعض الآخر عن أن الجامعة العربية تأخرت عن التواجد على الساحة العراقية. 

كنت أرد على هؤلاء بأن الظروف التي يمر بها العراق آنذاك،‏ لم تعد تسمح بأن يظل العرب خارج دائرة الفعل والتأثير‏، وإلا ضاع بلد عربي نهائيا‏،‏ ومهمتي إلى بغداد ليست مجرد زيارة‏،‏ لكنها بداية لعملية سياسية طويلة‏،‏ تهدف إلى دفع العراق والعراقيين نحو الطريق الصحيح‏، والذي هو طريق المصالحة الوطنية، وهو التعبير الذي اعترضت عليه بعض الطوائف العراقية‏،‏ كنت اقترحت أن نستخدم تعبيرا آخر وهو "الوفاق الوطني"‏، المقرر عقد مؤتمر له تحت رعاية الجامعة العربية تحضره كل الاطياف بلا عزل أو أي استبعاد أو تهميش‏..‏

كنت أقول ربما نقبل العتاب؛ لان الدور العربي تأخر بعض الشيء‏، ولكن أيهما أفضل‏،‏ أن نستمر في التأخر والغياب‏،‏ أم نتقدم ونبادر ونلحق بالفرصة السانحة‏،‏ نعم كانت الفرصة الآن سانحة‏،‏ أمريكا مأزومة ونحن مأزومون، وكل الاطراف العراقية كذلك‏،‏ والجميع أصبح مقتنعا بل مطالبا بدور للجامعة العربية في العراق‏،‏ فهل نرفضه لمجرد أن أمريكا توافق عليه أو ترحب به‏!! ولماذا لا نعتبر هذا الموقف إضافة إيجابية مطلوبة.‏

لم يكن لمثل تلك الانتقادات وغيرها من محاولات التشكيك في زيارتي للعراق أن تحول دون إقدامي على تنفيذ قرار ستراتيجي بالذهاب مباشرة إلى الساحة العراقية. لقد قررت المضي في تلك المهمة رغم كل المخاطر والتحذيرات‏،‏ خصوصا بعد الاستنتاجات التي توصل إليها وفد الجامعة الذي عاد من بغداد‏،‏ وخلاصتها أن الترحيب بزيارة الامين العام واضح من جميع الاطراف الرئيسة.

لقد شجعني وساندني في التمسك بتنفيذ مهمتي في العراق ذلك التفويض الممنوح لي من لجنة العراق العربية‏..‏ فهذه من الأحداث النادرة في تاريخ السياسة العربية التي يكلف فيها شخص واحد أن يتحدث باسم العرب جميعا‏.. في هذا المنعطف الخطير وأن العالم العربي مؤيد لهذه المهمة،وبالتالي فالأمين العام يتحدث باسم الجميع دول وشعوب الجامعة العربية.

خمسة أيام في عين العاصفة

وصلت طائرتي والوفد المرافق إلى بغداد صباح 20 أكتوبر/تشرين الأول 2005، الموافق 17 من رمضان 1426ه، وقد حددت بدقة ما سأطرحه على المكونات العراقية، متضمنا المبادرة العربية لحل الأزمة العراقية، وفيما يخص تلك المبادرة أوضحت للجميع الحقائق التالية: 

* إن المبادرة العربية تهدف إلى عقد مؤتمر للحوار والتوافق الوطني العراقي تحت مظلة جامعة الدول العربية بهدف وقف نزيف الدم وإزالة الخلافات والصراعات والانقسامات، والإقدام على تقديم تنازلات متبادلة لصالح الوطن وتحقيق مشاركة شاملة في العملية السياسية لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الوفاق الوطني والحفاظ على وحدة العراق وصيانة استقلاله وتحقيق التوافق المطلوب لبناء العراق الجديد وفقا لما يرتضيه العراقيون بإرادتهم الحرة. 

* وأن هذه المبادرة تعبير عن إرادة عربية مشتركة لبلورة موقف عربي فعال لمساعدة العراقيين جميعا بمختلف أطيافهم دون تمييز أو انحياز لأي طرف على حساب الطرف الآخر.

* إن المبادرة تنطلق من كون العراق دولة محورية في البنيان العربي، وركيزة من ركائز الاستقرار في المنطقة، وأن المجتمع العراقي بكافة أطيافه ومكوناته هو جزء من الوطن العربي الذي يتنوع ثقافيا وعرقيا، ودينيا، وأن هذا التنوع هو مصدر قوته وثروته الحضارية. 

*الدعوة إلى وقف كل الأعمال العدائية اعتباراً من تاريخ محدد لتوفير الأجواء المناسبة لضمان نجاح الاجتماع التمهيدي وكذلك نجاح المؤتمر والعمل على إعادة الأمن والاستقرار العراق. 

في اليوم الأول لي بالعراق أجريت مباحثات مع عدد من المسؤولين العراقيين‏، تناولت الأوضاع السياسية والإعداد لعقد مؤتمر وطني بمشاركة الأطراف العراقية تحت مظلة الجامعة‏.‏ أول من قابلت إبراهيم الجعفري، رئيس الوزراء، ثم عادل عبد المهدي، وغازي الياور نائبي الرئيس العراقي،‏ وهوشيار زيباري وزير الخارجية‏،‏ وحاجم الحسني رئيس البرلمان‏.‏

أكد الجعفري عقب اللقاء استعداد العراق للتعاون مع الجامعة العربية في كل مايهم الأمة.‏ كما أعلن حاجم الحسني تأييده لعقد مؤتمر للوفاق تحت مظلة الجامعة في نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام‏.‏ والحقيقة أنني لمست تجاوبا وتوافقا عاما على ما طرحته من أفكار‏.‏ 

قلت أيضا في المؤتمر الصحفي مع رئيس الوزراء الجعفري إن الجامعة لن تفرض جدول أعمال معينا على العراق‏، وأن المسألة تخص العراق وشعبه‏.‏ ويمكنني أن الخص مطالب الحكومة الانتقالية برئاسة الجعفري فيما ما يلي:

* استبعاد البعثيين والإرهابيين من أي حوار وطني عراقي. (لن يدعى إرهابيون بالطبع، وأما البعثيون فيرى التعامل معهم في إطار الدستور الذي لم يستبعدهم جميعاً من إطار المشاركة في العمل السياسي وإنما استبعد المتهمين منهم بأعمال ضد الشعب العراقي إبان الحكم البعثي، وكذلك رموز هذا النظام السابق). 

* قيام الدول العربية المجاورة للعراق بضبط حدودها ومنع الإرهابيين من التسلل إلى العراق (وهذا كان العمل جاريا على تحقيقه بالفعل). 

* قيام الدول العربية بتوجيه إعلامها لمساعدة العراقيين في التهدئة بدلا من التحريض على القتل والإرهاب في العراق.

طالب زعيم الائتلاف الشيعي عبد العزيز الحكيم، الدول العربية القيام بإدانة صريحة لكل أعمال أبو مصعب الزرقاوي - زعيم تنظيم ما يسمي بـ"قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" الذي هو فرع تنظيم القاعدة في العراق، وهذا تم بالفعل من جميع الدول العربية. حدث أثناء خروجي من منزل عبد العزيز الحكيم، أن سألني صحفي قائلا: السيد مقتدى الصدر طالبكم كي يوافق على لقائكم به باصدار استنكار واضح ضد جرائم الاحتلال والجرائم الارهابية ضد المدنيين والمقدسات واعمال ابو مصعب الزرقاوي‏.‏ كما طالب بإصدار استنكار ضد افعال الرئيس السابق صدام حسين والمطالبة باعدامه أو محاكمته محاكمة عادلة بأياد عراقية شريفة قبل القيام بأي وساطة سياسية في العراق‏.. ما ردكم؟ 

قلت: أنا الآن في العراق وأبواب كل الزعامات السياسية فتحت لي بترحاب شديد، ولم يشترط أحد علي شيئا قبل زيارته؛ وبالتالي لن أزور مقتدى الصدر إلا إذا دعاني هو لذلك، ولكنه لم يدعني ولن أزوره. لكن لم يخل الأمر من بعض الأسئلة الملغومة، فسألني أحد الصحفيين ما إذا كنت سأجري حوارا مع الجماعات المسلحة!!

قلت على الفور: ليس لدي علم بأماكن وجود هذه الجماعات حتى ألتقي بهم! وسألته إن كان يعلم مقارهم وتليفوناتهم حتى نسهل اللقاء فضحك الجميع. باستثناء عدد من اللقاءات الخارجية التي أجريتها مع الزعامات الكبيرة سياسية ودينية، كانت أغلب اجتماعاتي مع القوى العراقية المختلفة تتم داخل المقر الآمن الذي أعد لي في قلب بغداد ويقع خارج المنطقة الخضراء ببضعة كيلومترات في منطقة الجادرية‏. 

كان محاطا بإجراءات أمنية مكثفة ونقاط تفتيش عديدة وحراسة من العشرات من قوات الجيش ورجال الشرطة والأمن والمخابرات (وخاصة من قوات البيشمركة الكردية)‏،‏ وهو عبارة عن منزل كبير شاسع يحوي نحو ثماني غرف ويقع بين خمسة قصور أخرى كان يمتلكها صدام حسين‏..‏ وقد علمت أن هذا المقر هو نفس المنزل الذي كان مخصصا للسكرتير الخاص لصدام حسين الفريق عبد حمود‏.‏

التقيت في هذا المكان بأكثر من 40 وفدا من الشخصيات العراقية المؤثرة‏،‏ وشيوخ القبائل وزعماء العشائر ووفود من الجبهات التركمانية والآشورية‏،‏ الذين كانت تضيق بهم قاعات المنزل الشاسعة‏،‏ لم أكن ألبث من الانتهاء من اجتماع حتى أشرع في دخول آخر‏!!‏

جاء الدور على زيارة مقر هيئة علماء المسلمين (سنية) بمسجد أم القرى‏،‏ الواقع في منطقة الغزالية في قلب المنطقة الحمراء‏ (‏الأكثر خطورة وحربا ودمارا‏) وهي نفس المنطقة التي سبق أن تم إطلاق النار فيها على طليعة وفد الجامعة الذي ذهب للاعداد لزيارتي برئاسة السفير أحمد بن حلي‏،‏ وكانت النتيجة مقتل ثلاثة من قوات الحرس العراقيين في رسالة تحذيرية واضحة لي بعدم الحضور إلى العراق، لكن ها أنذا في العراق.

كانت الزيارة في يوم الجمعة الموافق 21 أكتوبر/تشرين الأول. 

ركب جميع من في الوفد المرافق سيارات مصفحة بعد أن تم تقسيمهم إلى مجموعات صغيرة‏،‏ وانطلق الموكب من أمام مقر الإقامة في منطقة الجادرية‏، في نحو‏20‏ سيارة مصفحة تغطيها أربع طائرات مروحية في السماء‏،‏ ويحيط بها مئات من سيارات الجيش والشرطة التي تقل جنودا وضباطا وضعوا أيديهم على زناد أسلحتهم في حالة استعداد تام لإطلاق النار في أي لحظة والتعامل مع أي موقف طارئ في الحال‏.

‏ بعض سيارات الحراسة كتبت عليها عبارة "ابتعد عن الرتل ‏100‏ متر‏..‏ القوة مخولة بالرمي"‏،‏ وبعضها الآخر وضعت عليها مدافع في وضع استعداد. حالة الاستنفار كانت أيضا في الشوارع التي نقطعها والتي اكتظت بجنود وضباط أخذوا وضع الاستعداد والتصويب‏،‏ بعضهم من الوضع واقفا‏،‏ والآخر من الوضع راكضا أو جاثما على ركبتيه‏،‏ ومشاهد أخرى كثيرة وعديدة جعلتنا نشعر بأننا في غمار حرب مستعرة‏!!‏

‏25‏ كيلومترا تقريبا قطعها الركب في أكثر من عشرين دقيقة ذهابا ثم مثلها إيابا من أم القرى إلى الجادرية مرت على الحرس وكأنها الدهر‏،‏ وكانت التحدي الأكبر والأخطر في تلك الرحلة المثيرة‏.‏

في مقر هيئة علماء المسلمين بجامع أم القرى التقيت المسؤولين بالهيئة برئاسة الشيخ حارث الضاري في لقاء حميمي وصريح. 

رحبوا خلاله بي وأشادوا "بعروبتي وقوميتي" لكنهم شكوا لي من استشهاد ‏120‏ من أساتذة الجامعات‏،‏ واختطاف ‏135‏ طبيبا في ستة أشهر‏،‏ وقتل ‏112‏ أستاذا جامعيا بدم بارد على يد قوات الاحتلال‏.‏ 

قالوا:‏ إن كل تلك الجرائم قيدت ضد مجهول؛ لأن ما وقع عليه مجلس الحكم الانتقالي يقضي بعدم مساءلة قوات الاحتلال‏. وأكدوا أن العراق منهوب وأن الحل يكمن في رحيل قوات الاحتلال‏،‏ وطالبوا بتحديد جدول زمني للانسحاب والتمهيد لذلك بسحب القوات من المدن‏.

واشاروا إلى أن هذا الانسحاب هو المفتاح الذي تنطلق معه كل الخطوات العملية‏،‏ وحددوا ستة مطالب رأوا أنها كفيلة بحل المشكلة العراقية إذا تحققت‏،‏ وأهمها تحديد جدول زمني مكفول دوليا لانسحاب قوات الاحتلال، واعتبار المقاومة العراقية حقا مشروعا‏،‏ وتأكيد أن الإرهاب جريمة مرفوضة بكل أشكاله‏،‏ وإعادة الجيش العراقي إلى ما كان عليه ليمثل كل أطياف المجتمع دون الخضوع لتوجيهات معينة‏. 

سلموني قائمة بتلك المطالب حملتها معي مع مطالب الجهات الأخرى التي قد تكون مختلفة ومتضاربة من أجل التوفيق بينها وبين أصحابها، على أمل جمعهم على مائدة حوار واحد بهدف الوصول إلى وفاق أو مصالحة وطنية‏.‏ 

في صباح اليوم التالي (السبت 22 أكتوبر/تشرين الأول 2005) جاء الدور على زيارة المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله العظمى علي السيستاني في النجف التي تبعد نحو ‏160‏ كيلومترا تقريبا عن بغداد، وقطعتها المروحية التي وضعتها القوات العسكرية تحت تصرفي فيما يقرب من ‏50‏ دقيقة. 

جلس على متن كل هليكوبتر قناصان أحدهما على اليمين والآخر على اليسار،‏ ظلا طوال الرحلة ذهابا وإيابا مصوبين فوهة أسلحتهما خارج نافذة الطائرة‏،‏ يمينا ويسارا وأسفل في حالة استعداد قصوى لإطلاق النيران على أي شخص قد يكون مختفيا بين الأشجار والمزارع التي نمر فوقها‏،‏ أو مختبئا في أحد المنازل القديمة التي نعبرها‏.

كانت الطائرتان تشكلان فيما بينهما تشكيلات متفق عليها لتحمي كل منهما الأخرى‏،‏ وهما تطيران على ارتفاعات منخفضة‏،‏ فمرة تهبط الطائرة إلى أسفل مع ظهور منطقة مزارع أو بيوت منخفضة حتى تكاد تلمس الأرض‏،‏ وأخرى تصعد عالية وكثيرا ما نميل بدرجة حادة تأخذ معها القلوب حتى وجدت أمامي بعض الوجوه مصفرة‏ من حالة الهلع التي أصابتهم‏.‏

هبطنا بإحدى القواعد العسكرية في النجف بعد أن أمنت لنا وزارة الدفاع العراقية هذه الرحلة‏،‏ وكانت القاعدة هي أول قاعدة عسكرية عراقية في هذه المدينة‏. ذهبت لبيت السيستاني وكان متواضعا للغاية جلست معه على الأرض. أكد السيستاني في محادثاته معي حرصه على وحدة العراق وسلامة أراضيه‏،‏ وإنهاء الاحتلال الأجنبي بالطرق السلمية‏،‏ ووصف الانتخابات المقبلة بأنها ضرورية‏،‏ ويجب أن تحقق العدالة لجميع أبناء الشعب العراقي‏.‏ 

وقبيل انتهاء اللقاء، طلب السيستاني أن أبقى معه للقاء منفرد لدقائق ولما خرج الجميع قال السيستاني: يا سيادة الأمين العام يا أخي العزيز عمرو موسى سأقول لك شيئا تذكره "لا تلقوا بالعراق في أحضان إيران". 

قلت له: أنا وجودي هنا لتأكيد الهوية العربية للعراق وهي مسألة مهمة لهوية العراق ولأمن العراق. رد علي مكررا ذات العبارة: "يا أخي لا تلقوا بالعراق في أحضان إيران".

في الوقت نفسه كان بن حلي جالسا في غرفة أخرى مع ابنه محمد السيستاني واتفقا على التواصل ووسائله، أما أنا فقد عدت ومعي تأييد السيستاني بتلك العبارة القوية "لا تلقوا بالعراق في أحضان إيران". 

بعد انتهاء محادثاتي مع السيستاني عدت إلى بغداد‏،‏ ومنها إلى مدينة أربيل حيث التقيت الرئيس مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان‏،‏ ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني‏.‏ 

وعقدت اجتماعا مع عدنان المفتي رئيس البرلمان الكردستاني‏،‏ الذي القى كلمة بالعربية والكردية في الجلسة التي خصصها البرلمان الكردستاني للترحيب بي ووفد الجامعة العربية قال فيها: 

إن عمرو موسى حاور الجميع في العراق‏،‏ وهو الآن بيننا لإرسال الرسالة نفسها‏،‏ وهي أن الجامعة العربية مهتمة بالقضية العراقية والحوار الوطني العراقي‏.‏ إن الجامعة ليست ضد التجربة الديمقراطية‏.‏ مشيرا إلى ان هذا الفهم الذي ساد لفترة طويلة كان خاطئا‏،‏ ومؤكدا ان الجامعة لها قبول في الساحة العراقية‏.‏ 

وعقب ذلك دعاني المفتي لإلقاء كلمتي من فوق منصة البرلمان الكردستاني، قلت فيها: إنني في مهمة تمثل العالم العربي كله‏،‏ وإن جلوسي على منصة البرلمان الكردستاني في هذه اللحظة يمثل لحظة تاريخية فارقة مثل العراق الذي يمر حاليا بلحظة تاريخية فارقة‏.‏ إن العراق بكل فئاته يمثل جزءا مهما من العالم العربي وإنه مازال مهددا‏،‏ مما تطلب زيادة التحرك الذي اقوم به‏.‏ 

إن الجامعة العربية تعلم حق العلم أن هناك عهدا انتهى وهناك عصرا جديدا يتهيأ له العراق حاليا‏،‏ لكن يبدو ان العراق عليه ان يعبر عوائق عدة أولها ان يتصالح مع نفسه‏،‏ ويتحاور حتى تُبنى الأمور على توافق وتراض قومي شامل‏.‏ 

إن العراق الحر المستقل يمثل نقطة نوعية للتطور السياسي في المنطقة‏،‏ وكردستان العراق جزء مهم ليس فقط للعراق‏،‏ ولكن لكل العالم العربي والشرق الاوسط‏.‏ كم سعدت للاستماع إلى السلام الوطني العراقي والسلام الكردستاني‏،‏ وهو مهم لهذا الشكل الجديد للعراق الجديد‏. وهنا دوت القاعة بتصفيق حاد من كل اعضاء البرلمان البالغ عددهم ‏111‏ عضوا‏.‏ وعقب كلمتي قال رئيس البرلمان الكردستاني‏:‏ نحن معكم في جهودكم من أجل بناء العراق‏.‏ إن الجانب الكردي مهتم بالعملية الديمقراطية في العراق وانجاح مؤتمر الوفاق‏،‏ إلا انه اكد على ضرورة ان تُمثل في هذا المؤتمر كل القوى المؤمنة بالعراق الديمقراطي وبالتعايش بين جميع مكوناته‏،‏ أما الارهابيون فيجب ان يكونوا خارج الحوار‏.‏

وقبل مغادرتي أربيل متوجها إلى السليمانية زرت قلعة أربيل كما قمت بزيارة متحف السجاد اليدوي بالمدينة‏.‏ إن زيارتي للعراق في أكتوبر/تشرين الأول 2005 كانت من أهم وأعقد التكليفات ولكنها كانت من أمتع المسؤوليات والمناقشات والحوارات التي أجريتها في حياتي، وأستطيع ان أقول إنها حققت الهدف منها، وهو عقد مؤتمر الوفاق الوطني العراقي في القاهرة بعد انتهاء زيارتي باقل من شهر.

بالاتفاق مع دار الشروق

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top