(المدى) تنشر حلقات من كتاب  سنوات الجامعة العربية  لـ عمرو موسى (4): عمرو موسى لصدام حسين: العراق مُعرّض لضربة قاصمة

(المدى) تنشر حلقات من كتاب سنوات الجامعة العربية لـ عمرو موسى (4): عمرو موسى لصدام حسين: العراق مُعرّض لضربة قاصمة

 موسى للرئيس العراقي: لا الأوروبيون ولا الروس سيساعدونك ومصير الشعب العراقي في يدك

 الكويتيون كانوا غير مرتاحين لزيارتي لبغداد وجمدوا حصتهم في ميزانية الجامعة العربية

 كولن باول معلقاً على موافقة العراق على عودة المفتشين: صدام غسل مخك أنت وكوفي أنان!

في هذه الحلقة من الكتاب الجديد للسيد عمرو موسى، الأمين العام الاسبق للجامعة العربية، الذي أورده تحت عنوان (سنوات الجامعة العربية) والذي سيصدر قريباً عن "دار الشروق"، نستعرض جهود موسى والجامعة العربية في القضية العراقية، التي خصص لها فصلان على مساحة63 صفحة، تناول الأول جهوده مع صدام حسين في محاولة تجنيب العراق الضربة الأميركية، وهو ما سننشر مقتطفات منه في هذه المساحة، فيما خصص الثاني لأحداث "الغزو الأميركي للعراق، وجهوده في العملية السياسية بعد 2003.

ويكشف عمرو موسى في هذا الكتاب - الذي قام بتحريره وتوثيقه الكاتب الصحفي خالد أبو بكر- أسرار عشرية مليئة بالأحداث الجسام في بلاد العرب كان فيها أميناً لجامعة الدول العربية (2001- 2011)، فعلى مدار 19 فصلاً، موزعة على 574 صفحة من القطع المتوسط، لم يترك الأمين العام قضية سياسية كانت الجامعة وهو شخصياً طرف فيها إلا وتناولها في أي بقعة من بقاع العالم العربي من محيطه إلى خليجه.

من أول القضايا التي فرضت نفسها علىّ، فور أن توليت مهام منصبي أميناً عاماً للجامعة العربية مسألة توقف المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة بخصوص التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، التي كانت الولايات المتحدة الأميركية تزعم أن العراق يمتلك أو يسعى لامتلاك بعضها، خصوصاً الأسلحة النووية. 

في أوائل تشرين الثاني 2001 كانت زيارتي الأولى للأمم المتحدة بصفتي أميناً عاماً للجامعة العربية؛ لحضور اجتماعات الجمعية العامة بعد أن تأجلت، عن موعدها المقرر في أيلول من كل عام، بسبب وقوع هجمات 11/9. تحدثت إلى الأمين العام، كوفي أنان. قلت له: لا يليق في عهدك والأمم المتحدة تحت رئاستك، ألا يكون هناك مجهود واضح في منع حرب وشيكة على العراق تريدها وتسعى إليها الولايات المتحدة.

قال أنان بتململ: أحاول جهدي، لكن صدام حسين عنيد، وأنت تعرفه أكثر مني. قلت: لابد أن نمنح العراق فرصة للإفلات من الحرب التي تستعد لها واشنطن. سأزور الرئيس العراقي في كانون الثاني المقبل. أريد منك رسالة أستطيع أن أنقلها إليه لحلحلة الموقف فيما يخص استئناف عمل المفتشين الدوليين. أنا على ثقة في أنني عندما أقول له في أثناء مباحثاتي معه إنني قادم ومعي رسالة واضحة من الأمين العام للأمم المتحدة تدعو إلى تحريك الموقف فيما يخص موضوع التفتيش على الأسلحة فإنه سيتعاطى بإيجابية. فوافق أنان. 

رتبت مع وزير الخارجية العراقية، ناجي صبري الحديثي أمر زيارتي للعراق. هبطت طائرتي في مطار بغداد صباح 18 كانون الثاني 2002. وجدت الحديثي في استقبالي، وكان من وزراء الخارجية المهنيين، الذين أحترمهم، لكن ديكتاتورية صدام وانفراده بالقرار كانت تحدْ بشكل كبير من هوامش المناورة والفعل لديه.

كان اليوم التالي هو موعد لقائى مع صدام. تحرك بي موكب رسمي مهيب من مقر إقامتي في إحدى دور الضيافة التابعة لرئاسة الجمهورية في منطقة "كرادة مريم" الراقية بوسط بغداد، إلى مقر قيادة عسكرية، ومعي من وفد الجامعة العربية: السفير أحمد بن حلى، الأمين العام المساعد للجامعة العربية - رحمه الله - والسفير حسين حسونة رئيس بعثة الجامعة لدى الأمم المتحدة، والسفير هشام بدر، مدير مكتبي. 

بمجرد دخولي مقر الوحدة العسكرية وجدت ذلك الرجل الذي يرافق صدام كظله، والمعروف بشاربه الكث والبزّة العسكرية الأنيقة، والمسدس الذي يتدلى من خصره حتى في أثناء الاجتماعات الرسمية مع الرئيس العراقي، وكان ذلك استثناء نادر منحه له صدام لثقته الكبيرة فيه. 

تقدم إليّ الرجل في احترام شديد. قدم لي نفسه قائلاً: أنا الفريق عبد حمود. تفضل سأصطحب سيادتك لمقابلة سيادة الرئيس صدام حسين.

قلت: لابد من حضور زملائي الثلاثة من وفد الجامعة.

قال سيحضرون في سيارة أخرى. ركبت سيارة "تويوتا"، "بيج" اللون، بجوار عبد حمود، الذي قادها بنفسه إلى المقر الذي سألتقى فيه صدام، الذي قال لي حمود إنه في منطقة "الرضوانية" جنوب غرب بغداد. كان قصراً صغيراً لكنه جميل.

في نهاية طريق مليء بالأشجار وصلنا القصر المنشود. بمجرد دخولي وجدت بن حلي وحسين حسونة وهشام بدر في انتظاري خارج القاعة التي سألتقي فيها صدام.

بمجرد أن دخلت تحرك الرئيس العراقي من مقعده لاستقبالي. تقابلت أيدينا عند منتصف القاعة تقريباً. صافحته مصافحة اعتنيت ألا يكون فيها قبلات، أردته "سلاماً ناشفاً"، كما نقول في مصر؛ كي أضفى طابع الجدية على جلسة المباحثات التي سأجريها معه. لكن على أية حال. هالتني تلك النعومة التي كانت عليها يد صدام حسين، ذلك الرجل المخيف!

رحب بي صدام: "أهلا بسيادة الأمين العام.. أهلا بالأخ عمرو"(نطقها بضم الراء)، وراح يشيد بمواقفي القومية. بدأنا اللقاء الذي استغرق حوالى ساعتين وخمسة عشرة دقيقة.

بعد التحية والسؤال عن الصحة والشكر لكرم الضيافة وبعض الجمل العامة، تحدثت إلى صدام حسين بلهجة جادة قال من حضرها "إنها أعنف لهجة تحدث بها مسؤول عربي إلى صدام حسين". 

أعدت على الرئيس العراقي ما قلته لكبار مساعديه قبل لقائي به - دون الإشارة إلي حديثي معهم طبعاً - من الجمود الذي تبديه وفوده في الجامعة العربية. وعبت عليه تعامله غير الإيجابي مع زيارة خبراء الأمم المتحدة المعنيين بالتفتيش على أسلحة الدمار الشامل في العراق، ونقلت إليه رسالة الأمين العام كوفى أنان في هذا الشأن. 

قلت له إن العراق يخسر تعاطف منظمتين كبيرتين، وهو في الحقيقة يحتاج لكسبهما في صفه.. هل يعقل يا سيادة الرئيس أن يخسر العراق دعم الجامعة العربية ويفقد ساحة الأمم المتحدة؟

قبل أن يجيب قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أوجه لك سؤالاً: هل لديك أسلحة نووية تخشى التفتيش عليها.

قال: لا يوجد لدى العراق أسلحة نووية وأعلنت ذلك مراراً .

قلت له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أعيد عليك السؤال مرة أخرى: هل لديك أسلحة نووية تخشى التفتيش عليها.

قال ويبدو أنه مأخوذا من لهجتي الحادة: لا.. لا يوجد لدينا أسلحة نووية.

قلت: إذن لماذا تمانع في حضور المفتشين الدوليين مادام العراق لا يخشى شيئاً.

قال: لأن هناك ما نخشاه.

قلت: وما هو؟

قال: كل المفتشين الذين يأتون إلينا عملاء لوكالة المخابرات الأميركية (CIA).

قلت: وماذا لو تأكدنا من أنهم من خارج (CIA)، أي يعملون لحساب الأمم المتحدة. نستطيع أن نشدّد على المنظمة الدولية كي ترسل مفتشين على درجة من النزاهة والاستقلالية. ويمكنني تأكيد ذلك من خلال عملية مفاوضات تتم بينكم وبين الأمم المتحدة وبالذات كوفى أنان. 

قال لي: أقبل بذلك، وآخذ بكلمتك؛ لأنك رجل عربي محترم.

قلت له: هل تقبل أن أنقل هذا الكلام للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان.

قال: نعم أقبل.

شهادة أحمد بن حلي 

أستكمل ما دار في مقابلتي مع صدام من خلال السفير أحمد بن حلي، الذي قال في شهادة مسجلة بصوته لمحرر هذا الكتاب، خالد أبو بكر، بعد أن أعطاه صورة من محضر المقابلة (منشور بكامله في الكتاب) ما يلي بالنص الحرفي:

"هذه نسخة من محضر مقابلة الأمين العام، السيد عمرو موسى، مع الرئيس صدام حسين، مكتوب بخط يدي، الذي أتمنى أن تستطيع قراءته بسهولة. لكنني أود أن ألفت انتباهك بأننا في كتابة محاضر الاجتماعات لا نسرد كل التفاصيل، ونكتبها بطريقة حرفية معينة. دعني أقص عليك بعضاً من هذه التفاصيل التي لن تجدها بالمحضر فيما يلي: 

عندما دخلنا إلى الاجتماع مع الرئيس صدام بدأ عمرو موسي بتلطيف الجو بعدم البدء بالموضوعات الخلافية. كان صدام يعيش في هيلمان وأبهة ويتكلم بنوع من الفخامة. شعرت عند بدء اللقاء أنه لا يعرف عمرو موسي عن قرب، ربما التقاه مرة أو مرتين عندما كان وزيراً للخارجية، لكنه لا يعرفه حق المعرفة.

بعد التقديم بالقضايا العامة دخلنا للموضوع المهم، وهو إقناع الرئيس صدام بالتجاوب مع قرار صادر عن القمة العربية خاص بتعامل العراق مع المراقبين والمفتشين الدوليين (على أسلحة الدمار الشامل)، والعراق كان متحفظاً علي القرار. كما كان عمرو موسى يريد أن يتعامل العراق بأقصى حد من التعاون دون إثارة المشاكل مع الأمم المتحدة؛ لتفويت الفرصة على المساعي الأميركية لضربه. كان الأمين العام يريد من صدام اتخاذ قرارات تجنب العراق ضربة عسكرية يراها وشيكة، ويريد اقناع الرئيس صدام بأن العراق مقبل بالفعل على هذه الضربة التي ستقضي علي العراق كله، وهذه رسالة قوية بدأ عمرو موسي يشرحها.

راح الرئيس صدام يخفف من هول ما يتعرض له العراق بقوله: أحنا صامدين ومهما كان لن يموت العراق. 

عندما سمع موسى هذا الكلام شعرت أنه فقد صبره، ووجدته يرد بغضب شديد بلهجته المصرية على صدام: اسمع "بقى" يا سيادة الرئيس.. التنظير لن ينفع العراق ولن ينفعك بكل صراحة. أنا بقولك العراق معرض لضربة قاصمة من الولايات المتحدة القوة الكبرى الأولي في العالم.. هل أنت واع بأن بلدك معرض لهذا الخطر الداهم؟ 

هل أنت واع لمسؤليتك في تجنيب العراق هذه الويلات؟ 

قال ذلك عمرو موسى بنبرة بدت وكأنها صرخة في وجه صدام حسين.

حاول صدام مقاطعته قائلا: يا دكتور عمرو.

باغته موسى غاضباً: أنا "مش" دكتور، بقولك يا سيادة الرئيس: العراق في خطر، استجب لما نطرحه عليك من إجراءات تعيد تواصل العراق مع الأمم المتحدة ومع أشقائه في الجامعة العربية.

شعرت بأن الرئيس صدام كان في غيبوبة؛ فاكتشف الوضع الخطير بكلام عمرو موسى، الذي قال له بوضوح: إن العالم تغير، وأنه لا الأوروبيون ولا الروس سيساعدونك، ومصير الشعب العراقي في يدك.

وبدأ صدام يصغي بالفعل لطرح عمرو موسى، وعندما وصل الحديث للفنيات الخاصة بالتفتيش على الأسلحة أعطاني عمرو موسي الكلمة، وكان معنا السفير حسين حسونة والسفير هشام بدر.

بدأ صدام يستوعب. وفي الأخير وقال لعمرو موسى أنا أفوضك لتتكلم باسم العراق واذهب لسكرتير عام الأمم المتحدة وقل له سنتعاون معه.

شعرت وكأن الرئيس العراقي اكتشف عمرو موسى؛ لأنه تحدث معه بلغة لم يعتد عليها صدام، لغة فيها صراحة وتحميل مسؤولية، وفي آخر المطاف قال له: أنا مفوضك للتحدث باسم العراق، وقال له: اتصل بأميركا وكوفي أنان، وفعلاً عمرو موسي أجرى اتصالاته لكن للأسف كان يبدو أن قرار الحرب قد اتخذ.

وربما هذا اللقاء التاريخي بين موسى وصدام لو كان قبل هذا التاريخ - أنا أقولك بكل أمانة - كنا جنبنا العراق هذه المأساة وهذه الحرب ضده من الولايات المتحدة".

إبلاغ العرب وأنان بنتائج الزيارة

في اليوم التالي لوصولي القاهرة قادماً من بغداد عقدت اجتماعاً للجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين لإبلاغهم بنتائج زيارتي للعراق ومباحثاتي مع صدام حسين، وتم ذلك مساء 20 كانون الثاني 2002. اتصلت فى نفس اليوم بالقصر الملكي في الأردن طالباً موعداً عاجلاً للقاء الملك عبدالله، بصفته رئيس القمة العربية لتقديم تقرير عن مباحثاتي مع صدام حسين. وكذلك اتصلت تلفونياً بالرئيس مبارك ثم بوزير الخارجية أحمد ماهر السيد، وبالأمير سعود الفيصل.

صبيحة اليوم التالي أجريت اتصالاً هاتفياً مع الشيخ صباح الأحمد، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي، أمير الكويت فيما بعد، لإطلاعه على ملخص ما اتفقت عليه مع صدام حسين فيما يخص مسألة الأسرى والمفقودين الكويتين منذ الغزو العراقي للكويت سنة 1990، واتفقنا خلال الاتصال على أن أقوم بزيارة سريعة للكويت في 22 كانون الثاني 2002.

ذهبت إلى الكويت، والتقيت الشيخ صباح الأحمد، وعددا من المسؤولين. كان الجو العام يقول إن الإخوة في الكويت غير مرتاحين لزيارتي للعراق. وكانت وجهة نظري التي شرحتها لهم: أنه مهما يكن غضبنا مما حدث في سنة 1990 فالعراق بلد عربي عضو في الجامعة العربية، وهو طرف رئيس في واحدة من أكثر الأزمات العربية خطورة بعد عدوانه على الكويت، ويهم الجامعة العربية أن تضع نهاية عربية مقبولة لهذا الوضع المهدد لاستقرار العالم العربي، وأن تضمن عدم تكراره. وفي نفس الوقت جئت إليكم لأطلعكم على ما دار خلال الزيارة، وما توصلت إليه بشأن موضوع الأسرى والمفقودين الكويتيين.

والحقيقة أنني كنت مقدراً لحالة الغضب الكبير الذي يشعر به الكويتيون بعد ما حصل من صدام حيالهم، وأفهم تخوفهم من دور للجامعة العربية يتم خارج إطار التفاهمات الدولية عالية المستوى إزاء عراق صدام حسين وسياساته فى المنطقة، لكنهم ظلوا على غضبهم لفترة امتنعوا فيها عن دفع حصتهم السنوية في ميزانية الجامعة العربية، إلى أن وجدوا – على ما اعتقد - أن الجامعة تتطور، وأن أمانتها العامة وأمينها العام يقومون بجهد ملموس في مختلف القضايا العربية، فتماهوا مع الجامعة؛ لأن الكويت بلد يحب الجدية في العمل؛ ولذلك سريعا ما قدروا ما نقوم به من جهد في خدمة العمل العربي المشترك.

كنت فور عودتي من بغداد قد تحدثت تليفونياً إلى كوفي أنان. قلت له لقد زرت العراق والتقيت صدام حسين، وأنا قادم إلى نيويورك لحضور "المنتدى الاقتصادي العالمي" (دافوس) الذي يعقد استثنائياً هذه السنة في نيويورك بين 31 كانون الثاني و4 شباط 2002. للتضامن مع الولايات المتحدة ومدينة نيويورك بعدما حدث في 11/9.

قال أنان: لن أنتظر وصولك نيويورك. أريد ان أعرف ما دار بينك وبين صدام. اسمع يا عمرو، أنا في استوكهولم اليوم وسأكون غداً في النمسا، أرجوك دعنا نلتقي في فيينا في طريقك إلى نيويورك. التقينا بالفعل في العاصمة النمساوية أواخركانون الثاني، وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام حسين بشأن موافقته على عودة المفتشين الدوليين للتفتيش على أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة.

في نهاية اللقاء سألت أنان عن خطوات الأمم المتحدة إزاء انفتاح صدام على عودة المفتشين. 

قال: لنتمهل قليلاً.

فهمت أنه كان يريد أن يتشاور مع الأميركان. 

وهنا قررت أن اتشاور أيضاً مع الأميركان بشأن المسألة العراقية. من فيينا تحدثت تليفونياً إلى كولن باول، وزير الخارجية. قلت له: لقد زرت العراق خلال الأيام القليلة الماضية، وقادم إلى نيويورك لحضور منتدى دافوس، وأريد أن أقابلك. 

قال: نلتقى صباح الثاني من شباط، ولنشرب القهوة معاً في مقري بنيويورك ولتكن فى الساعة 11 صباحاً.

بعد وصولي نيويورك تحدثت إلى أنان قلت له: سألتقي بأول.

قال: أعلم ذلك.

سألته متى نلتقي؟ 

قال: بعد لقاءك مع باول. 

جاء موعد اجتماعي مع وزير الخارجية الأميركي. بعد الترحيب وجدته يستبق الحديث بقوله: صدام حسين ضحك عليك كما ضحك على كوفي أنان. سترى أنت وأنان كيف أن صدام "نصاب وكذاب".

قلت له: اسمع لما دار بيني وبين الرئيس العراقي أولاً. وعرضت عليه ما توصلت إليه مع صدام. وفي النهاية قلت له: إذا كنت تريد إرسال مفتشين إلى العراق فلترسل فوراً، عبر مفاوضات بين أنان وصدام، وأن تتعامل المفاوضات مع شكوك صدام من أن بعض المفتشين ينتمون إلى جهاز المخابرات المركزية الأميركية (CIA). 

ضحك باول وعقب بقوله: غسل مخكم صدام حسين أنت وأنان! 

وأضاف: لا أنت ولا كوفي ستستطيعان إنجاز شيء. كان يقول ذلك جازماً. (لأن قرار ضرب العراق كان قد تم اتخاذه والتحضير له كان على قدم وساق من قبل الإدارة الأميركية). وإن كان فى الواقع لم يرفض اقتراحي بالتفاوض بين العراق والأمم المتحدة بشأن عودة التفتيش.

جاء موعد لقائي مع كوفي أنان يوم 4 شباط. ذهبت إليه فوجدته يجهز لي مفاجأة، وهى وجود هانز بليكس رئيس هيئة المفتشين التابعين لمجلس الأمن. في نهاية اللقاء وافق الأمين العام للأمم المتحدة على أن يقدم دعوة إلى الحكومة العراقية لاستئناف الحوار، وجرى تحديد 7 آذار 2002 لعقد الجلسة الأولى في هذا الشأن. 

لم تمض الأمور على مايرام، لم تكن الولايات المتحدة مستعدة للتراجع عن سياستها تجاه العراق؛ فسرعان ما تعثرت المفاوضات بين العراق والأمم المتحدة (توجد بالكتاب تفاصيل محاولات الأمين العام إنقاذ المفاوضات المتعثرة في أيلول 2002، بحضور وزير خارجية العراق، بالتوازي مع اتصالاته التي لم تنقطع بطارق عزيز في بغداد من مكتب كوفي أنان، إلى أن نجح في نهاية المطاف في إعادة المفاوضات بين الأمم المتحدة والعراق، وصرح أنان لوسائل الإعلام بعدها إنه بناء على الجهود المشتركة بين السكرتير العام للأمم المتحدة والأمين العام للجامعة العربية توصلنا إلى اتفاق بعودة المفتشين) .

بالاتفاق مع دار الشروق

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top