نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل..العدل كغاية جوهرية (10 - 14)

آراء وأفكار 2020/12/23 06:56:12 م

نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل..العدل كغاية جوهرية (10 - 14)

 د. حسين الهنداوي

تقوم الدولة الخلدونية على ضرورة نوع من فصل السلطة الطبيعية، التي تكون لها السيادة أو الملك، عن السلطة السياسية، التي تقع عليها حماية المجتمع وتنظيم الحياة المدنية، وفصلهما معاً عن السلطة الدينية، التي تتولى مهمة «حراسة الدين».

على أن يتكفل فصل السلطات هذا بضمان تلبية المقتضيات الموضوعية الثلاثة، التي تتوالى صاعدة، من حيث الأهمية، على الشكل التالي: تحقيق سيادة الملك الذي هو غاية العصبية، وتحقيق العدل الاجتماعي الذي هو غاية السياسة، وتحقيق الفرائض الإلهية التي هي غاية الدين. أو كما يقول ابن خلدون:

"إن الملك الطبيعي، هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار. والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ أذ أحوال الدنيا ترجع كلها، عند الشارع، إلى اعتبارها بمصالح الآخرة: فهي، في الحقيقة، خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" .

إننا لا نقوِّل ابن خلدون هنا، أفكاراً لم يقصدها أبداً. فالتأكيد على أن العدل هو مضمون غاية الدولة في التاريخ الفعلي، نتلمسه في معظم الاستطرادات الخلدونية حول الدولة، كما في عناوين الفصول الخاصة بها، وهي تدور جميعاً حول فكرة أن «لا سبيل إلى العمارة إلا بالعدل». ولعل الإلحاح على هذه الفكرة، متأتِّ من يقين فلسفي عند صاحب «المقدمة»، يفيد بأنه إذا كان النزوع إلى أخذ الملك مصدره «النفس الغضبية»، وحقيقته فرض استبداده بالقوة الطبيعية، فإن من الضروري إيجاد معادل مضاد، يقلص من أخطارها على العمران، ومن وبالاتها على المجتمع وعلى الدولة نفسها. وهذا المعادل المضاد، هو العدل تحديداً، ومصدره «النفس العاقلة»، التي هي، بمعنى أو آخر، نقيض النفس الغضبية.

وعلى العموم، «إن العمران البشري، لابد له من سياسة ينتظم بها أمره». وهذه السياسة، لا تتعلق بـ«مدينة فاضلة»، كتلك التي تخيلها الفارابي، ونادى بها قبله أفلاطون، انما تتعلق بالحياة الواقعية في الدولة، التي تخلقها الغلبة الطبيعية.

فـ «السياسة، التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة»، ينبغي أن تكون قائمة على أساس العقل، وتتجه في اتجاهين، يراعى أحدهما المصالح على العموم، ومصالح السلطان في استقامة ملكه، على الخصوص. في حين يراعي الوجه الثاني فيها مصلحة السلطان، وكيف يستقيم له الملك مع القهر والاستطالة، وتكون المصالح العامة في هذه تبعاً.

فإذا كانت العصبية وقضاؤها بجعل السلطة غاية بدئية هي ما يخلق الدولة، فانها، وبعد أن كانت خلّاقة في الأصل، تنقلب إلى خطر جسيم على الدولة نفسها. وهذه الفكرة الأخيرة، توحي بأن ابن خلدون يقول، مثلما هو الأمر فيما بعد بالنسبة إلى هيغل، بأن تاريخ تطور الدولة يجتاز صيرورة جدلية، ينتج فيها الشيء نقيضه دائماً. فالعصبية، التي هي قوة طبيعية، تنتج الدولة بالضرورة، لكن الدولة، تفسد العصبية نفسها، التي تسببت بوجودها. إلا أن هذا الإفساد، يقود، حتماً، إلى تجريد الدولة من عنصر وجودها الأصلي، الأمر الذي يؤدي إلى ولادة عصبية جديدة، تتجه إلى الإطاحة بتلك الدولة عينها، وهكذا دورياً. 

والاستفهام، الآن، هو كيف يبدو هذا الجانب عند هيغل؟

تتطلب الإجابة عن هذا السؤال وقفة خاصة، حول انعكاس العلاقة الجدلية بين المطلق والملموس في الدولة. فلقد رأينا أن الروح الإلهية المطلقة أو الكونية، هي جوهر التاريخ العالمي، عند هيغل، وأنها تتحقق وتتجلى فعلياً في التاريخ، عبر الأرواح الجزئية، التي هي البشر، لكن ليس بصفتهم كأفراد، إنما كشعوب وكعبقريات قومية. فمهمة الفلسفة، إذن، هي البحث عن حقيقة الروح وإدراك ومتابعة تطورها في تعددية الأشكال والمظاهر الحية لروح الشعب التاريخي، الذي يتفوق على الشعوب الأخرى، في كل مجال في فترة محددة. لأن هذه التعددية أو التنوع، ليس إلا تعبيراً عن تمثيل الكلي الكوني، من خلال ذلك الشعب التاريخي. أما ماهية الحقيقة أعلاه، التي ينبغي أن تكون ملموسة وممكنة الإدراك، فهي الحرية. وهذا ما يؤكده هيغل، في مناسبات عديدة، وفي شكل لا يقبل اللبس. ففي محاضراته، في برلين، كما في مؤلفاته، التي نشرها في حياته، يؤكد هذا الفيلسوف مراراً أن «جوهر الروح هو الحرية»، وإن «ماهية الروح هي الحرية»، و«مملكة الروح هي مملكة الحرية»، كما أن الحرية هي «الخير الأعظم» الذي تمتلكه الروح كما يقول هيغل.

وهذه الفكرة، تبدو، في الواقع، الأساسية والمركزية بين كل أفكار الفلسفة الهيغلية. ولكنها تطرح نفسها، بشكل مباشر جداً، في فلسفة التاريخ منها بوجه خاص. ففي تعريفاتها العديدة للروح، لا تبدو هذه تجريداً للطبيعة الإنسانية، أو لأي عنصر طبيعي آخر، إنما هي بنية قائمة بذاتها ولذاتها، وفردية كلياً، ونشيطة بشكل مستقل عن أي قوة خارجية، وحيّة ومريدة تماماً. إنها، بكلمة أخرى، وعي يعي نفسه عبر وعي حقيقته، أو بكلمات هيغل: إنها «وعي والموضوع الخاص بهذا الوعي في الوقت نفسه»، وفي هذا، على وجه التحديد، تتمثل حقيقة الروح، أي في جعلها نفسها موضوعاً وحيداً.

أما عملية وعي هذه الحقيقة، فلا تتم مباشرة، ولا دفعة واحدة، إنما عبر وعي نقيضها على الدوام، ذلك لأن استقلالها يظل مطلقاً حيال أي شيء غيرها. ولهذا، فهي كليا في ذاتها، حتى عندما تكون في غيرها، لأن «الحرية توجد فقط، حيث لا يوجد، بالنسبة لي، أي آخر غيري، لا يكون هو أنا بالذات» كما كتب هيغل في موسوعة العلوم الفلسفية.

حتى الإنسان الطبيعي، ليس حراً، الا شكلياً، ولا يكون في ذاته مادام غير محكوم سوى بغرائزه. أما الروح فهي حرة، لأنها الموضوع الوحيد لمعرفتها، وهذا يعني أن وعيها لذاتها هو، أساساً، وعيها لاستقلاليتها ولحريتها:

"إنها في ذاتها، وتظل في عنصرها الخاص، وفي هذا، بالتحديد، تتمثل الحرية. فأنا حر، عندما أكون في عنصري الخاص، لأنني إذا كنت تابعاً، سأعتمد في وجودي على شيء آخر، هو ليس أنا، ولا أستطيع أن أوجد بدون هذا الشيء الخارجي" كما يرى هيغل.

نستنتج من كل ما تقدم، أن جوهر الروح الإلهية، هو الحرية، لأن هذه الروح، لا تكون واعية، الا بالقدر الذي تكون فيه وعياً بذاتها فقط. والحال، إن وعي الذات هذا، ليس شيئاً آخر غير وعي الحرية. صحيح القول بأن الحرية ملكة إلهية هو يقين يدافع عنه الدين أيضاً. لكن الدين يعبّر عنه عبر التمثلات التي تستلزم الإيمان، مما يعيق إمكانية الإمساك بالحقيقة العميقة للروح الإلهية، التي هي الحرية. ذلك لأن الفكر التمثلي، يحل العنصر الخارجي العرضي، الخاص بالتصور، محل الضرورة العميقة للمفهوم كأساسي للمعرفة. وحدها إذن، الفلسفة، باعتبارها فكراً محضاً، يقوم على استخدام المفهوم أداة للتعبير، ما يحافظ على تلك الضرورة الداخلية العميقة. ومما يجعلها طريقة المعرفة الأكثر اكتمالاً، كون الإنسان يتصرف، عبر الفلسفة، بطريقة حرة كلياً، لأن الفلسفة بذاتها تستلزم وعي الحرية.

والحال، إن ما تثبته الفلسفة، هو ليس فقط أن الحرية هي واحدة من ملكات الروح، بل أيضاً «أن جميع ملكات الروح الأخرى، لا تقوم إلا بفضل الحرية وأن جميعها تبحث عنها وتنتجها». وهيغل يدفع بعيداً هذه الأهمية الكلية للحرية، عندما يؤكد «أن واحدة من المعارف، التي تقدمها الفلسفة التأملية، هي أن الحرية هي حقيقة الروح الوحيدة» كما ورد مراراً على لسان هيغل .

وهذه الحرية ملموسة، جوهرياً، ومحكومة بذاتها، بمعنى أنها تتجلى في العالم الملموس وتصبح واقعاً فعلياً. فهي ليست وجوداً خاملاً منزوياً في مكان ما مجهول، إنما هي النقض الدائم لكل ما هو عنصر طبيعي وخارجي، وهي النقض الدائم لكل ما هو نقيض الحرية. ولهذا، فإن التاريخ الكوني، هو وحده، مجالها الخاص. وهذا يعني، بالضرورة، أن الإنسان، والإنسان خاصة، هو العنصر الطبيعي، الذي يتجلى فيه العقل الكوني، أي الله، ليصبح ممكن الإدراك. ذلك لأن الإنسان هو روح وعقل أيضاً. وبصفته هذه، فإنه العنصر الطبيعي الأسمى والأجدر بتمثيل الحقيقة الإلهية، التي هي الحرية.

وهذا الأمر يقود، بالضرورة، إلى اليقين بأن الإنسان، لا يستطيع، كذلك، أن يتقدم، الا بفضل الحرية، وأن كل ملكاته الأخرى، ليست إلا أدوات لحريته. حتى الحياة نفسها، «ليست ضرورية أمام مطلب الحرية العظيم».

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top