في بداهة تجاوز مفهوم المثقف إلى مفهوم المتخصِّص

آراء وأفكار 2020/12/29 07:41:30 م

في بداهة تجاوز مفهوم المثقف إلى مفهوم المتخصِّص

 محمَّدحسين الرفاعي

[I] 

ثَمَّةَ تصوُّرات سابقة إلى مفهوم المثقف، تقع، بالاِنطلاق من علاقته بالمعرفة، والمجتمع، والسلطة، في ثلاثة، على أقل تقدير، هي الآتية:

يمثل التَصوُّر الأول تحديداً للعلاقة بين المثقف والسلطة على نحو بحيث هو يكون في كل مرةٍ الناقد- المعترض- الثوري الذي لا يهادنها- المثقف العضوي. ويتوفر التَصوُّر الثَّاني على أن المثقف لا بُدَّ من أن يكونَ العارف بكل شيء، والذي يعرف من كل الموضوعات المجتمعيَّة- والعلمية- والفلسفية الحدَّ الأدنى. العارف بالقليل من كل شيء، لكي يُصبح عارفاً موسوعيَّاً- المثقف الموسوعي. ويتضمن التَصوُّر الثَّالث المثقفَ بوصفه عقلَ الأمة- الملة، ومعلِّمها. أي ذاك العارف الذي يُرجع إليه في كل الموضوعات موضع الإشكال والتساؤل من أجل حلِّها- المثقف المعلم- المُصلح.

ولكن، ضمن أيَّة معانٍ يمكن أن نقف عند فهم مفهوم المثقف في العصر الحديث؟ والمعرفة العِلميَّة- والفلسفية الحديثة، بخاصَّةٍ بعد الثورة السيبرانية الأخيرة؟

[II]

إنَّ مفهوم المثقف إنَّما هو نتاج لعصر بعينه كان يتميَّزُ بوحدة المعرفة. عصر كانت المعرفة فيه واحدة. فلسفيَّاً، اِنطلاقاً من العلاقة بين مفهوم المثقف والمعرفة بعامَّةٍ، علينا أن نقف عند مفهوم المثقف اِنطلاقاً من العصر الكلاسيكي للمعرفة البشرية: في الوقت الذي كان الفيلسوف فيه عالِماً، ولا يكون عالِماً إلاَّ حينما يتوفَّر على معرفة بكل شيء. إذن هذا العارف بكل شيء فقط يُعتبر العالِم. إبستيمولوجيَّاً، اِنطلاقاً من وحدة المعرفة وتعدد المعرفة علينا أن نقف عند مفهوم المثقف اِنطلاقاً من ذاك الذي يمثِّلُ وحدة المعرفة، ولا يقع في تعدُّد المعرفة. أي ذاك الذي يتوفَّر على وحدة المعرفة على نحو بيبلوغرافي، والذي، بعد ذلك، بداهةً، يكون قد تجاوز تجاوزاً كُلِّيَّاً التعدُّد في المعرفة. إنَّه يريد أن يعرف كل شيء، ولا يكفيه أن يكون قد يمثِّل ضرباً من ضروب التعدُّد في المعرفة البشرية. سوسيولوجيَّاً، لا ثَمَّ كلام عن مثقف من دون العلاقة المباشرة مع الواقع المجتمعيّ، والمجتمع العامّ بعامَّةٍ. وهكذا قامت التصوُّرات والأفكار في فهمه بالعودة إلى الوظيفة المجتمعيَّة التي يقوم بتأديتها. فإذن كيف يمكن أن تتجسد هذه الوظيفة في الرابطة المجتمعية هذه؟

[III]

في الحقيقة تم تجاوز ثُنائيَّة [الإنسان العادي- والإنسان المثقف] بواسطة وحدة المعرفة، ومصادر المعرفة، وسهولة الوصول إليها، وتوفُّرها لكل الطبقات والفئات والجماعات والمجموعات، والإنسان بعامَّةٍ. ومع هذا الضرب من التجاوز، تم تجاوز مفهوم المثقف إلى مفهوم آخر هو مفهوم المتخصص. وهكذا، لا يمكن اليوم الحديث عن المثقف إلاَّ بوصفه قصيدة، أو رواية شخصية، مهما بلغت أهميتها. لماذا ذلك؟ وكيف يكون؟ 

إننا، في المعنى الحديث للمعرفة، نكون أمام مفهوم المتخصص، الذي قام مع عصر الحداثة على مفهوم تقسيم العمل- التخصيص- والتخصص، بقدر ما نكون ضمن ممارسة فكرية بخاصَّةٍ تتمثَّل في حقل معرفي خاصّ. إنَّ الاِنتقال هذا، خلافًا لما يُتصوَّر، لم يقتصر على المعرفة العِلميَّة- والفلسفية بعامَّةٍ، بل اِنسحب إلى الحقول المعرفيَّة في مجملها.

[IV]

إنَّ اِنفتاح زمان جديد لا يمكن فيه أن تُصبح معرفةُ القليل من كل شيء سيِّدَ الفهم، بقي غير مفهوم عندنا، بوصفنا شكلاً من أشكال الممارسة العالَميَّة، في الثقافة، والاِقتصاد، والسياسة، من جهة، وإنَّ النظام السياسي المستبد، ما بعد دولة الاِستقلال، قد مارس شتى أنواع التحديد السياسي لإبعاد المجتمع عن إمكان تكوُّن، وتشكيل، ونشوء، المجتمع السياسي، المجتمع الذي يضطلع بقضايا المجتمع، من جهةٍ أخرى، وهكذا، وبناءً عليه صار المثقف كائناً مُصطنعاً مفبركاً من قِبَلِ السلطة، بوعيه أو من دونه، وبقي حقل الوجود لديه يُصاغ من جملة الضروب المُبعِدة له، وللمجتمع، عن قضايا المجتمع. يمكن الإشارة إلى معايير تحديد المثقف في بلداننا العربيَّة بواسطة التوقف على سبيل المثال عند: الشعر، وأشكال ممارسته المختلفة، والرواية وسيادة الرواية في عصر الأزمات المجتمعيَّة الحادة، والدعوات الكثيرة للقراءَة من دون تحديد معيار علمي- فلسفي للقراءَة، والندوات والورش والمؤتمرات التي تمتلئُ بالنقاشات التي تتعلَّق بكل شيء إلاَّ بمحاولات بناء المجتمع السياسي...وإلخ. وهكذا، يمكن أن نفهم بسهولة تلك الأسباب التي وقفت وراء مصادر مفهوم المثقف بواسطة ممارسات بعينها، دون غيرها. تلك التي توهمت الولوج إلى المجتمعيّ ولم تفعل غير الوقوف على عتبة الأزمة.

[V]

إذن، تتمثَّل إشكاليَّة المعرفة الحديثة في التخصص، وكيفه، وحدوده. وفي المقابل، يرتبط مفهوم المثقف اِرتباطاً مباشراً بمفهومين يُستخدمان كمعيارين في تحديد المثقف وتحديد الفعل المجتمعيّ الذي من شأنه. إنهما مفهوم الوعي، ومفهوم السلطة. ولكن، حينما نقف عند بناء إشكاليَّة المثقف، اِنطلاقاً من [حقل- الفهم] الحديث في بناء المعرفة، نكون مباشرةً أمام [المثقف- بوصفه- عقبة- مجتمعيَّة- أمام- المجتمع- السياسي]. إنَّه عقبة السلطة أمام المجتمع.

[VI]

لابُدَّ من أنْ نقف، من بعد ذلك، عند إعادة بناء تساؤل المثقف، ومفهوم المثقف، بعامَّةٍ، من جهة، ومِنْ ثُمَّ نعيد بناء إشكاليَّة المثقف بواسطة الاِنتقال من مفهوم المثقف، بوصفه قد صار عقبةً أمام المجتمع، إلى مفهوم التخصُّص الذي تتمثَّل وظيفته في بناء المجتمع- والإنسان، وبناء الدولة، أو المحافظة على الدولة العادلة، عَبرَ الممارسة العِلميَّة في الثقافة، والاِقتصاد، والسياسة، وبناء المؤسسات فيها. إنَّه، بعد ذلك، التَّساؤل الآتي: ما هي ممارسات الحجب التي تمارسها جماعات هووية في تجاوز مفهوم العاِلم في المعنى الحديث للكلمة، بواسطة سيادة مفهوم المثقف؟

[VII]

على سبيل المثال، حينما نبحث عن الوظيفة المجتمعيَّة للمثقف في ثورة تشرين 2019. وهي ثورة لأنها حركةٌ مجتمعيَّة قد اِستطاعت أن تدفع بالاِستياء المجتمعيّ العامّ من رجال تسلُّطٍ- قد أتوا بالصدفة عَبرَ الدبابة الأمريكية إلى مستوى اِستلام السلطة، ومؤسسات الدولة، وقد مارسوا نهباً لهذه المؤسسات- إلى وضع المشكلة المجتمعيَّة داخل الوعي. إنَّها، أي ثورة تشرين تمكَّنت من أن تضع هذا الاِستياء المجتمعيّ العامّ في مسارٍ ذاهبٍ إلى أقصى حد ممكن على صعيد الوجود المجتمعيّ. إنَّه الأزمة المجتمعيَّة Societal Crisis.

[VIII]

بالتالي نحن أمام حركة مجتمعيَّة توفَّرت على إمكان أن تفتح أمامنا الوعي المجتمعيّ في تناول مجموعة من المشاكل الحادة مجتمعيَّاً. يمكن أن نذكر منها، على صعيد بِنيَة الاِقتصاد: النسب العالية في البطالة، والمجال الوحيد لكي يقتات الإنسان في العراق، وهو التوظيف في القطاع العامّ؛ وعلى صعيد بِنيَة الثقافة يمكن أن نقف عند السقوط المجتمعيّ الكُلِّيّ ضمن الجماعات الهَوَويَّة (التي تقوم على هَويَّة مغلقة)، وعلى صعيد بِنيَة السياسة يمكن النظر إلى معيار الفعل السياسي، والممارسة الذي يتمثَّلُ (المعيارُ) في التملُّقِ الواضح لجماعة هووية معية، أي جماعة تقوم على ضرب من ضروب فهم الهَويَّة وقد أتت بهذا الفهم إلى مستوى الحاضر المجتمعيّ وتريد أن تصادره.

[IX]

إنَّ المثقف قد اِنكشف في ثورة تشرين. وهكذا، تتجسد الوظيفة المجتمعيَّة للمثقف ضمن إمكانين مجتمعيين لا ثالث لهما: إمَّا المثقف في خدمة الجماعات الهووية تلك، إمَّا المثقف في خدمة نفسه. ولا يبقى من بعد إلاَّ المثقف الفرد، ذاك الفعل الثقافي الذي هو ليس أكثر من أفراد. وهكذا لا نتوفر على إمكان أن نقول المثقف بعامَّةٍ، بعدَ أن صار المثقف، بداهةً، خارج الزمان الحديث، والوجود المجتمعيّ في العصر الحديث. لماذا ذلك؟

[X]

بعد الثورة السيبرانية، لا يمكن أن نتكلم عن الإنسان العادي من جهة، والمثقف من جهةٍ أخرى؛ وإذا أردنا البحث عن المثقف، في عصر العالَميَّة الجديدة هذا، نعثر عليه مباشرةً، إنَّه الـ Google... وهكذا نكون مباشرةً أمام جماهير مثقفة ليس فقط لا تحتاج المثقف؛ بل إنَّه يُعتبر قد فقد مُبَرِّر وجوده المجتمعيّ عندها. فنكون ثانيةً مباشرةً أمام ثُنائيَّة أخرى، جديدة كُلِّيَّاً، هي ثُنائيَّة الإنسان وقد صار يمكنه أن يملك كل معرفة بكبسة زر، والإنسان- المتخصص الذي يقف طويلاً لفهم موضوع بعينه بواسطة الاِختصاص الدقيق. لذلك، أشدِّد مرة أخرى، إنَّه لا يمكن أن تُبنى الدول بواسطة المثقفين.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top