الفيلسوف الفرنسي آلان باديو : لايمكن اعتبار الوباء الحالي جديداً علينا

الفيلسوف الفرنسي آلان باديو : لايمكن اعتبار الوباء الحالي جديداً علينا

ترجمة : عدوية الهلالي

في لقاء أجرته معه مجلة لاسيانس الفرنسية ، تحدث الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي آلان باديو عن موقفه تجاه انتشار جائحة كورونا مجددا قائلا :

لطالما اعتبرت أن الوضع الحالي ، المتميز بجائحة فايروسية ، لم يكن استثنائياً للغاية. فمنذ وباء الإيدز (الفيروسي أيضًا) ، مروراً بأنفلونزا الطيور ، وفايروس إيبولا ، وفيروس سارس 1، ناهيك عن العديد من أنواع الأنفلونزا ، وحتى عودة الحصبة ، أو السل الذي لم تعد المضادات الحيوية تعالجه ، جنباً إلى جنب مع وجود مناطق شاسعة لا تخضع للعلاج الطبي ومع نقص الانضباط العالمي في أخذ التطعيمات اللازمة ، فأن ذلك يؤدي حتما إلى ظهور أوبئة خطيرة ومدمرة (كما حصل في حالة الإيدز ، الذي أدى الى ملايين الوفيات ) ...

وبصرف النظر عن حقيقة أن الوضع الوبائي الحالي يضرب هذه المرة على نطاق واسع ما يسمى بالعالم الغربي المرفّه إلى حد ما ، فلم أكن أرى رد الفعل يتجاوز الإجراءات الوقائية الواضحة والاهتمام بالحالات الطارئة. علاوة على ذلك ، لايمكن اعتبار الوباء الحالي جديدا لأنه يمثل في الحقيقة ، النوع الثاني من وباء سارس أو " المتلازمة التنفسية الحادة " والذي انتشر في عام 2003 ، وكان وقتها أول مرض غير معروف في القرن الحادي والعشرين ، لذلك ، فان من الواضح أن الوباء الحالي لايعني بأية حال ظهور شيء جديد ، أو لم يسمع به من قبل ، لأنه ينتمي الى نسل وباء سارس ، وهو مايؤكد فشل الدولة في علاقتها بالبحث العلمي الذي أسفر عن تلك النتائج من قبل ..

في غضون ذلك ، لم أجد شيئًا أفعله أكثر من محاولة الخضوع للحظرفي منزلي ، مثل أي شخص آخر ، وليس هناك ما أقوله أكثر من حث الجميع على فعل الشيء نفسه. ذلك أن احترام الانضباط الصارم في هذه النقطة ضروري للغاية لأنه يمثل دعما وحماية أساسيين لجميع الأشخاص الأكثر تعرضًا للوباء كالكوادر الطبية الموجودة مباشرة في الخطوط الأمامية ، وكبار السن وكل اولئك الذين يذهبون للعمل ويتعرضون لخطر الاصابة بالعدوى، لكنني لاأرى جهودا كبيرة لتشكيل فكر جديد يدعو الى " الإغاثة الشعبية " التي يتطلبها الوضع كما أن البعض لايفكر في محاربة المأساة بشكل جدي بينما يغرق البعض الآخر في التشاؤم وهو يرى نهاية العالم ..وهناك من يعمل وفق قاعدة " أنا أولا " الذهبية للايديولوجيا المعاصرة والتي تشير الى استمرار الشر الى أجل غير مسمى ..

في مايخصني ، أرى أن محنة الوباء في كل مكان تقضي على النشاط الجوهري للعقل ، وإنها تجبر الأشخاص على العودة إلى الآثار المحزنة والتصوف ، والتكاثر ، والصلاة ، والنبوءات واللعنات - التي سادت في العصور الوسطى عندما اجتاح الطاعون العالم ..

دعونا نتفق على أن نبدأ بتعريف المشكلة ، التي يتم تعريفها بشكل سيئ للغاية ، وبالتالي معاملتها بطريقة سيئة للغاية أيضا اذ يبدو الوباء معقدًا لدرجة أنه دائمًا ما يكون نقطة اتصال بين المحددات الطبيعية والقرارات الاجتماعية ومن الضروري فهم النقاط التي يتقاطع فيها المحددان ، ورسم النتائج...على سبيل المثال ، من المرجح أن تكون نقطة انطلاق الوباء الحالي من الأسواق في مقاطعة ووهان الصينية التي لا تزال تعرض الحيوانات للبيع في الهواء الطلق كالخفافيش وهي الفرضية الأكثر قبولاً حتى الآن فضلاً عن انعدام النظافة ، ثم انتقال الفايروس من نوع إلى آخر من أنواع الجنس البشري..ويمكن اعتبار الانتقال المحلي بين الأنواع الحيوانية والبشر هو نقطة نشأة القضية برمتها..يلي ذلك تلك القضية الاساسية في العالم المعاصر وهي وصول رأسمالية الدولة الصينية إلى المرتبة الإمبراطورية ، أي وجودها بشكل مكثف وعالمي في السوق العالمية. ومن ثم شبكات البث التي لا تعد ولا تحصى ، قبل أن تتمكن الحكومة الصينية من احتواء القضية عن طريق احتجاز مقاطعة بأكملها ،تضم أربعين مليون شخص - وهو ما ستفعله في النهاية بنجاح. ، ولكن بعد فوات الأوان لمنع الوباء من الانتقال الى بقية انحاء العالم ..

بعد ذلك ، سندخل المرحلة التي تعمل فيها الدول على كبح هذا الانتشارمحلياً . وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحديد يظل محلياً بشكل أساس ، على الرغم من وجود بعض السلطات العابرة للقوميات ..

وهنا نأتي إلى تناقض كبير في العالم المعاصريحدث بسبب الاقتصاد ، فلا تزال القوى السياسية وطنية في الغالب. كما أن التنافس بين الإمبريالية القديمة (أوروبا والولايات المتحدة الأميركية) والجديدة (الصين واليابان ...) يحظر أي عملية لدولة رأسمالية عالمية. وقد كان الوباء أيضاً فترة حدث فيها هذا التناقض بين الاقتصاد والسياسة. حتى الدول الأوروبية فشلت في تعديل سياساتها مع الفايروس في الوقت المناسب..وضمن هذا التناقض نفسه ، تحاول الدول القومية مواجهة الوضع الوبائي من خلال احترام آليات رأس المال قدر الإمكان ، على الرغم من أن طبيعة المخاطر تلزمها بتعديل أسلوب وأفعال السلطة.فمن المعروف منذ زمن طويل أنه في حالة نشوب حرب بين البلدان ، يجب على الدولة أن تفرض ، ليس فقط بالطبع على الجماهير الشعبية ، ولكن على البرجوازيين أنفسهم قيوداً كبيرة ، من أجل إنقاذ الرأسمالية المحلية. وقد تم تأميم الصناعات تقريباً لصالح إنتاج أسلحة.كما يتم تعبئة العديد من البرجوازيين كضباط ويتعرضون للموت. ويبحث العلماء ليلًا ونهاراً لاختراع أسلحة جديدة. ويطلب من العديد من المثقفين والفنانين تأجيج الدعاية الوطنية ، إلخ.

وفي مواجهة الوباء ، فإن هذا النوع من رد الفعل أمر لا مفر منه.وهذا هو السبب في أن استعارة الرئيس ماكرون لعبارة ، "نحن في حالة حرب" ، صحيحة مايعني أن الدولة مجبرة أحياناً على تنفيذ ممارسات أكثر استبدادية ، لتجنب كارثة ستراتيجية..وكل هذا الخطاب هو نتيجة منطقية تمامًا للوضع ، والهدف منه هو كبح الوباء لكسب الحرب ، مع البقاء في النظام الاجتماعي القائم. إنها ليست كوميديا بأي حال من الأحوال بل ضرورة يفرضها انتشار عملية قاتلة تتقاطع مع الطبيعة (واعني بذلك الدور البارز للعلماء في هذه القضية) والنظام الاجتماعي (واعني بذلك التدخل الاستبدادي من الدولة).

لكن في هذه الأثناء ، لا يزال من العدل أن نقول هنا إنه لم يتوقع أحد ، بل حتى تخيل ، تطور وباء من هذا النوع في فرنسا ، ربما باستثناء عدد قليل من العلماء المعزولين. اذ اعتقد الكثيرون أن هذا النوع من الأوبئة كان سارياً في أفريقيا المظلمة أو الصين الشمولية ، ولكن ليس في أوروبا الديمقراطية .

ويمكن الحصول على درس من مرحلة الوباء وهو أن تاثيره الاقتصادي والسياسي على الدول أكبر بكثير من التأثير الصحي ، ولكن ، علينا أن نمنح الفضل وبشكل خاص للحقائق العلمية وللآفاق الراسخة لسياسة جديدة تجمع بين الاهتمام بالآثار الصحية والتاثيرات الاقتصادية والسياسية للوباء ..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top