فرناندو سافاتار:  نحن نتعامل مع شيء ليس له تقدير أو استخفاف، ولكنه يتبع عمليّة طبيعيّة

فرناندو سافاتار: نحن نتعامل مع شيء ليس له تقدير أو استخفاف، ولكنه يتبع عمليّة طبيعيّة

ترجمة: منعم الفيتوري

الفيلسوف الاسباني فرناندو سافاتار تحدث عن فايروس كورونا وما سيكون عليه العالم بعد الوباء في إطار مشروع رقمي تم التّرويج له في مهرجان هاي.

تساءل الفيلسوف بقسوةٍ عن الذين يعتقدون أنّ هذا الوضع الذي تمرّ به الإنسانيّة، غير العادي، بأنّه حالة حرب. وأكّد بأنّ هؤلاء الذين يريدون تطبيق أساليب الحرب هم "السياسيون الذين يفكرون دائماً في الحروب؛ لمعرفة ما إذا كانوا جنرالات عظماء أم أبطال عظماء".

وبهذا، فإن سافاتار شدّد على أنّ "هذا خطر جماعيّ، وليست حرباً. فهذه المخاطر الجماعيّة لا تشبه الحروب على الإطلاق، كالزلازل والفيضانات. فهذه ليست حرب، فالحروب شيء آخر، إنها تقوم على الشرّ وعلى الأعداء والخصوم، وفي هذا الوضع لا يوجد خصوم. نحن نتعامل مع شيء ليس له تقدير أو استخفاف، ولكنه يتبع عمليّة طبيعيّة".

أيضاً، يوصي سافاتار بعدم الإصغاء إلى العسكريين الذين يديرون الدول في حالات الحروب. "علينا أن نصغي للعلماء، الناس الذين نعرفهم. الذين الذين لن يطلبوا منّا أن نُخرج المدافع إلى الشارع، هؤلاء سيعطوننا حلولاً وعلاجات".

سافاتار، الذي كتب حوالي ٥٠ عملاً، والذي حصل على الدكتوراه الفخرية مراراً وتكراراً، يصفُ الطبيعة بأنّها أليّة رائعة في أشياء كثيرة، لكنّها قاسية. "في الطّبيعة لن تجد رحمةً. الطّبيعةُ لا ترحم الكائنات. لاشيء يدمّر ويعذّب الكائنات بقدر ما تدمّر العمليات الطبيعيّة نفسها".

كما يشير الفيلسوف الذي كان يعمل ضمن حركات مدنيّة مختلفة تحارب الإرهاب إلى أنّ مخاطر الطبيعة لا تكافح إلا عبر العلم والمعرفة. "تصبح حياةُ الإنسان حياةً عندما نطبّقُ العلم".

"ما نأمله جميعاً أن ينتهي هذا الوباء عمّا قريب، وأن نتمكّن من لم شمل أحبابنا مرة أخرى. فالعزل الصحي يساعدنا على تغيير حياتنا، وأن نكون أفضل، وأن نحوّل أنفسنا إلى أُناس جدد. ليست لي نيّة في تعديل وتغيير حياتي. في الواقع أفتقدُ ما كان لديّ. بالتأكيد، فإنّنا سنستمتع بالحياة أكثر بعد ذلك".

- كيف تساعدنا الفلسفة في التعامل مع الوباء الذي نعاني منه عالميّاً؟

انظر، الآن ما يحتاجه الناس هو القفازات والكمامات"الوجه" وقبل كلّ شيء، الكشوفات التي يتم إجراؤها على جميع السّكان لمعرفة المصابين حتى لا ينتشر بين الآخرين. أما الفلسفة فهي قضيّة لدى البعض. ولا أعتقد أننا نعطيها أولوية في الوقت الحالي، وعلينا أن لا نكرّس جهدنا للفلسفة حاليّاً. ما علينا القيام به في الحال هو مساعدة الناس بما يلزمهم كي يحافظوا على صحّتهم وحياتهم. لذا، ما يقلقني مثل معظم المواطنين: المرض، الذي لا أعتبره شيئاً ميتافيزقيّاً. في حين أنه من الصحيح أن هناك أوقات أفكّر فيها مع النّاس الذين أُهملوا، والذين يعانون أمراضاً أُخرى، وبطبيعة الحال، الأزمة الاقتصاديّة التي ستأتي بعد ذلك. بما أنّ معظم الشّركات والمطاعم والمتاجر التي ستُغلق للأبد، وسيكون الكثير من الناس دون عمل.

- لكن حاليّاً، على النّاس أن يفكروا في الماضي وبداية المرض وكيفيّة مواجهة المستقبل، أليس كذلك؟

جيّد. أرى بأن على الناس الذين عُزلوا أن يفكّروا كثيراً، لكن لا أعلم. البعض يغنّي، والبعض يكتب، والبعض الآخر يشاهد سباقات الماراثون. لكن على أي حال إذا كنت تمتلكُ عادات أو هوايات فكريّة، فلربّما تفكّر في الفلسفة، نعم. ولكن بالتأكيد لا إلزام في ذلك. يمكنك أن تكرّس نفسك للأدب والفنّ.. فالشيء المهمّ هو الثقافة. أما الفلسفة فهي جزءٌ صغير من الثّقافة. والأشخاص الذين يمتلكون ثقافةً معيّنة ولهم اهتمام بها طوال حياتهم هم بالتأكيد أكثر استمتاعاً بها هذه المرّة دون الحاجة إلى تفويت أشياء كثيرة. الأدب والفنّ والسينما والموسيقى، هي أدوات ينبغي أن تشغل وقتنا داخل المنزل.

- ما هي الكتب التي توصي بها في الوقت الحالي لدراسة الفلسفة؟

بشكلٍ عام، لا يمكنني أن أقترح فيلسوفاً أو أي كتاب من كتبه؛ لأنّني لا أعرف اهتمام أيّ شخص، وما يقرأ. يعتمد ذلك على المواضيع ومسائل الحياة التي يريد كل فرد أن يعالجها. ولكن، لا ينبغي أن تكرّس نفسك للفلسفة، إطلاقاً. لا الآن ولا الأبد.، الشيء المهمّ، أكرّر: هو الثقافة.

- ما الذي سنستفيده من هذه الأيّام؟

جيّد. لا شيء على الإطلاق. عندما ينتهي هذا الوضع سنكون سعداء للغاية، وببساطة نريد استعادة حياتنا السابقة. ولكن ينبغي لنا أن نستفيد من شيء ونضعه نصب أعيننا كثيراً: أكثرنا من التذمّر خلال حياتنا السابقة، ولم نكن نعلم أننا نتمتع باستقرار معيّن في جميع المجالات. على أيّ حال، علينا أن نترك التذّمّر والجدال مع من حولنا، الّذين هم أعزّاءٌ لدينا ومهمّون في حياتنا.

- هل أصبحت عاطفيّاً سيد سافاتار؟

لحظة، ماذا تقول؟ مستحيل! لا أرغب في أن أقوم بما كان متكرّراً مؤخراً: أولئك الذين يحاولون مع الفلسفة والشيء الوحيد الذي ينشرونه هو استنتاجاتهم الأخلاقيّة. عبارات من مثل: "نحن نعيش خطأ، علينا تغيير طريقتنا في الوجود، الخطأ يكمن في أنانيّتنا، وفي عدم احترامنا للبيئة". جيّد، لاحظ، لا! كانت الأوبئة موجودة منذ بداية البشرية، وبالتأكيد لن تختفي. هذا على أقرب تقدير، له خبث وقسوة، ولكننا نمتلك طرقاً عديدةً للتعامل معها. الذي لا أستطيع فهمه أننا نخمّن كما لو كنا نعيش في العصور الوسطى، ونرى بأنّ الوباء إنما هو عقاب إلهي!

لا يمكن أن نسمي العقوبات الإلهيّة، عقوبات طبيعيّة. لا أطيق ما يعتقده الأخلاقيّون، من أننا اكتشفنا مدى أهميّة الآخرين لنا. يشبه الأمر أنّ علينا أن ننتظر عصرنا في القرن الحادي والعشرين وأن يصيبنا الوباء كي نكتشف أهميّة الآخرين! سابقاً، كان يُعتقدُ أنّ الكوارث، سببها عقوبة إلهيّة. قيل أنها كانت عقاباً؛ لأنّ المجتمع كان شبقيّا، واستسلم لملذّات الجسد وكرّس نفسه فقط للزنا والجشع. عندما كان هناك وباء كان يُعتقد أنّه حال انتهاءه، لن يعود النّاس للزّنا أو للجشع مرّة أخرى. في الحقيقة، فإنّ الناس ظلّوا على ما هم عليه. وحاليّاً سيحدثُ نفس الشّيء. وسنكون مجموعةً من الأنانيّين مرّة أخرى.

- إذاً يمكن أن نكون قد أخطأنا! بطريقةٍ ما أو بأخرى، فإنّنا لن نصل إلى السّعادة.

بالأمس، قرأت شيئاً مهمّاً: من غير المعروف ما إذا الإنسان سعيداً أم لا حتى اللحظة الأخيرة. يمكنك أن تصدق أنك سعيد أو أن إنساناً آخر سعيد، لكن لا يمكنك بتاتاً أن تتأكّد من السّعادة، لا سعادتك ولا سعادة إنسان آخر؛ لأنّنا نعيش جميعاً في عالم هشّ!

قال أرسطو: بريام ملك طروادة بدا سعيداً تماماً، وكان رجلاً في سنّ الشيخوخة. لكن ظلّ يعيش الحرب، حيث فقد عائلته ومملكته. ولهذا يقول المثل الإسباني: " إلى النهاية، لن يكون أحد سعيد". ربما ستسعدُ بعد الموت؛ لأنّك ستصبح غير محصّن. بالفعل فالأموات غير محصنين؛ لأنّ لديهم كلّ شيء في الماضي. السّعادة لا تتوافق مع الحاضر. إما أن تكون من الماضي، أو على أملٍ أن تأتي إلينا في المستقبل. ولهذا السبب فإنّني أتحدّثُ عن الفرح بدلاً من السّعادة، التي تبدو لي كلمة مبالغ فيها بشكلٍ مفرط.

- بالاضافة إلى من هم مبتذلون وأخلاقيّون، هناك فئة تفكّر في الخوف والموت!

لا أحد يقضي حياته يفكّر في الموت، ولا ينبغي للمرء أن يفكّر في الموت؛ لأننا بهذه الطريقة لن نتمكّن من العيش. ومن يذهب إلى المستشفى من يوم لآخر، فسيرى المنظر طبيعيّاً، وسيُدرك أنّ الموت موجودٌ دائماً. والآن، نراه بوضوح أكبر، كأننا نخافُ من شيء محسوس، ويسبّبُ لنا ألماً. نتخوّف من شكل من أشكال الموت الذي يقترب منّا، ويمكن أن يفقدنا أحبابنا. ولكن بمجرّد أن نعبر، سننسى ذلك، وسنحتفظ به في الدّرج. لا أثقُ في التغيير الكبير للبشريّة. تغيّرت البشريّة عندما كان هناك وباء الطّاعون في أوروبا، والّتي عملت بوكاتشيو لكتابة ديكوميرون، وما تبقى من ذلك. ثمّ عاشوا بطريقةٍ أو بأخرى، ولكن بنفس الطّريقة.

- بعض من الإجراءات العشوائيّة لمكافحة الوباء الذي يبدو من المحتمل أن يبقى معنا إلى الأبد، والطريقة التي نتعامل بها للتواصل مع الآخرين والسلطات، مختلفة. هل سنجد مزيداً من الأمن، في مقابل حريّة أقلّ؟

آمل أن لا تستمرّ هذه الإجراءات التي كان يتعيّن على كورونا تنفيذها إلى الأبد. أتمنّى أن لا تتغير حركتنا وعلاقتنا مع الحريّة بشكلٍ جذري.

آمل أن تستمرّ بذات الطريقة حتى نتمكّن من استعادتها. هناك عدة أشياء تمّ فرضها علينا بشكلٍ متعسّف، ولهذا السبب وحده، وهو سبب تعسّفي، أتمنّى ألا يتمّ الاحتفاظ بها. كان هذا ما نحتاجه. لا، لا.. آمل عند انتهاء الحجر ألاّ يشعر النّاس كثيراً بالذّهول الشّديد، وألا ينسوا كلّ ما حقّقناه كمجتمع من حيث الحقوق والحرّيات.

- يعدّ الاتصال عن بعد والتّباعد الاجتماعي بمثابة معايير عامّة ومقبولة نوعاً ما. ماذا سيجري للتفاعل الاجتماعي الذي كان لدينا؟

آه، يابنيّ أنت تكبر. وهذا ما في الأمر، لكن لا تقلق. وأيضاً هذا ما تدور حوله الحياة. لكن دعنا نرى: ربّما لمن هم في سنّي، أي كبار السن، نعم! وهو غريبٌ بعض الشّيء عنهم. لكنّني أعلم أنّ الشباب يعتاد على التفاعل عن بعد، على الإنترنت، والواتس آب... وبالنسبة لأشياء من هذا القبيل لا يبدو هذا الو١ع غير واقعي إطلاقاً. فوسيلة الاتّصال حقيقة في نفسها. وبالتأكيد، يتمّ التواصل اليوم، بشكلٍ رئيسي عبر الإنترنت. وجها لوجهٍ يمكننا مقابلة مائة أو مائتي شخصٍ في حياتنا. وعبر الإنترنت يمكننا أن نلتقي بالآلاف. لا أعرف إن كان ذلك ميزةٌ أو عيب حقّاً. ولكنني أعتقده اختبارٌ جيّدٌ أوليّاً.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top