في حوار مع الفيلسوف الفرنسي دومينيك بورغ:

في حوار مع الفيلسوف الفرنسي دومينيك بورغ:

 وباء كورونا فرصة لإصلاح سلوكنا وسياساتنا

 مايحدث لنا هو تحذير خطير من الطبيعة

 الحياة على هذه الأرض ستكون أصعب بعد عشر سنوات

ترجمة : عدوية الهلالي

ربما تكون جائحة كورونا أزمة غير مسبوقة بالنسبة للأفراد ، أو تأكيداً لسلطة الدولة ، وقد تمثل حاجة ملحة لوضع الأسس لمجتمع أكثر تعقيداً وقادراً على الاستجابة لتحديات الكوكب ،لكنها تعد بالنسبة للفيلسوف والأستاذ الفخري بجامعة لوزان دومينيك بورغ فرصة لإصلاح سلوكنا وسياساتنا لابتكار حضارة أكثر عمقاً وتعاطفاً ..ومما جاء في الحوار الذي أجراه معه موقع ( لو تامب ) الالكتروني :

*يصيب الوباء الطبقات الغنية والفقيرة معاً . ألا يمكن اعتبار ذلك فرصة لإعادة اكتشاف الشعور المشترك بين البشر؟

- في الواقع ، يتجاهل فايروس كورونا الحساب المصرفي. لكن رد فعل المجتمع مرتبط إلى حد كبير بالطبقات الاجتماعية. فالأشخاص الذين يعملون بأيديهم هم الذين سيتأثرون. وعندما تكون مقيداً مع عائلة كبيرة في شقة صغيرة ، فأنت لست في نفس الوضع مع الشخص الميسور الذي يعيش في منزل به حديقة. كما أن الحجرالصحي يؤثر بشكل خاص على النساء المعنفات والأطفال المعتدى عليهم ...

* هل تعتقد أن هذه الأزمة ستستمر؟

- لن يختفي الفايروس بين عشية وضحاها ، هذا أمر مؤكد.. ولن يتم تطعيم ثمانية مليارات شخص في لمح البصر. لدينا ما لا يقل عن عامين لإنجاز هذه القضية .. ليس عامين من الحبس الصارم بلا شك ، ولكن عامين من إيجاد طرق لمحاربة الفايروس والتكيّف معه ... إنها أزمة مؤقتة ، لكنها ستزعج مجتمعاتنا واقتصاداتنا على المدى الطويل.

* ما هي التغييرات الهيكلية التي يمكن أن نتوقعها؟

- من الناحية الصحية ، من المحتمل أن يصبح ارتداء القناع في الدول الغربية عادة ، كما هو الحال في آسيا، فاليابان ، على سبيل المثال ، التي لديها قواعد صارمة للغاية للنظافة والصحة ، هي الأقل تأثراً بكثير من الآخرين ..هناك أيضاً تحديات سياسية واضحة جداً. ففي فرنسا ، يمكننا أن نرى بوضوح أن الدولة لم يكن لديها أي تخطيط...أما في الولايات المتحدة ، فسيكون الأمر أكثر خطورة ، لأن هناك 10 ملايين عاطل عن العمل! ستكون الكارثة الصحية هائلة إذن ، وبعد ذلك، سيكون لدينا أوبئة أخرى ، لأننا ندمر النظم البيئية. فحتى الآن ، كانت الخفافيش تزعجنا ، لكن الأخطار يمكن أن تأتي من مكان آخر. وسنكون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية التي تنتقل عن طريق النواقل ، خاصة الحشرات والعث ، مثل الملاريا ، فنحن ندخل فترة من الهشاشة الصحية وضعف الوعي ..

*هل يمكننا قراءة ما يحدث لنا كشكل من أشكال التحذير من الطبيعة؟

-نعم. لا يسعنا إلا تفسير ما يحدث لنا على أنه نتيجة الدمار الذي ألحقناه بالبيئة. هناك صلة مباشرة بين تدمير البيئة وتغير المناخ والأوبئة. لكنها لم تصل بعد إلى الجمهور، إذ يجد الناس صعوبة في فهم أن هذه مشكلة بيئية. فلطالما اعتقدنا أننا فوق الطبيعة ، وأنه من خلال تقنيتنا واقتصادنا ، يمكننا تحرير أنفسنا منها. واليوم نتذكر ضعفنا. لكن هذا التذكير ،وهذه الأزمة الصحية ، على الرغم من كونها مروعة وقاتلة ، لا يمكن مقارنتها بما ينتظرنا.

*ما الذي ينتظرنا؟

- سيكون متوسط زيادة درجة الحرارة على الأرض بمقدار درجتين بحلول عام 2040. الآن ، وهذا يعني أنه في بعض المناطق ، لعدة أيام في السنة ، يمكن أن تتراكم الحرارة والرطوبة بطريقة تشبع قدرات التنظيم الحراري للسكان. بعبارة أخرى ، ترتفع درجة حرارتك ، ولا يمكنك بعد الآن إطلاق الحرارة من جسمك: وسوف تموت. قد يحدث ذلك في بعض المناطق بين المناطق الاستوائية والهند والبرازيل وبعض الدول الأفريقية .اليوم نحن نخشى ألا يصل الطعام إلينا ، ولا نخشى أن يتم إنتاجه بشكل غير كاف. لقد انخفضت محاصيل الذرة والأرز في أستراليا اليوم في نهاية موسم الصيف بنسبة 66٪. لذا تخيل وجود هذا في العديد من الأماكن حول العالم ، اذ يمكن أن يكون لدينا نقص في المعروض حقاً. وهذا النقص ، كلما زادت درجة حرارة الكرة الأرضية ، زاد احتمال حدوثه.

*هل يعني ذلك أن هذه المأساة الصحية هي أيضاً أزمة بيئية؟

- بدون شك. يقول خبراء النظام البيئي إن الفايروس يأتي من الخفافيش ،. ولكن بسبب تدمير مساكنها،اقتربت الخفافيش من مساكن البشر والحيوانات الأليفة. ويضاف إلى هذه الظاهرة اختفاء الأنواع. كل هذا يؤدي إلى ظهور أمراض حيوانية المصدر ،أي تلك الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر.

*دعا الفيلسوف الألماني هانز جوناس في عام 1979 إلى "إستكشاف الخوف".اذ قال إن الاستماع إلى أنبياء الهلاك أفضل من الاستماع إلى أنبياء السعادة. هل يمكن أن يكون الخوف مستشاراً جيداً؟

-نعم. لكن العالم تغير بشكل كبير منذ عام 1979. في ذلك الوقت ، توقع هانز جوناس التحديات التي قد تمتد عبر الأجيال. وبعد أربعين عاماً ، ما كان يعتقد أنه يؤثر على البشرية بعد أجيال ، طال أولئك الذين كانوا حاضرين بالفعل عندما كتب. استكشاف الخوف هو شكل معين من أشكال الخوف الذي نتحكم فيه ويجب أن يؤدي إلى العقل ، والتفكير ، والرغبة في المعرفة والعمل.

*هل أدت الأزمة الى إقامة تحالف بين السياسي والباحث؟

-لا يلعب العالم على الإطلاق نفس الدور في مايخص الصحة والبيئة. فعندما يتعلق الأمر بالصحة ، فإن التشخيص لا ينفصل عن الوصفة الطبية. ثم يصف عالم الأوبئة نوعاً من السلوك العام . أما في مايخص البيئة فيجب أن تحشد قضية المناخ الخبراء العلميين من جميع مناحي الحياة وعلماء الأحياء وعلماء البيئة ، إلخ.ثم يحدد العالم أصول المشكلة ، ويشير إلى السياسيين الذين يعملون على أساسها ، لكنه لا يقول شيئاً عن الكيفية التي ينبغي أن يديرونها بها. فعلى السياسيين تقع مسؤولية تحديد الستراتيجيات اللازمة .

*نحن نشهد تحولاً كرنفالياً للتسلسلات الهرمية. فالاقتصاد يخضع ، بشكل مؤقت بالطبع ، للسياسة. ما الذي يمكن أن يكون عليه المستقبل؟

-ما يحدث لنا يغير مسؤولية حكامنا تجاه الأزمات. الآن سيكون من الصعب عليهم التظاهر بأنهم لا يستطيعون تغيير الآلة الاقتصادية. سيكون هناك اختلاف جذري بين ما قبل الوباء وما بعده.

*هل سيحدث اكتشاف ضعفنا فرقاً؟

-يمكننا أن نأمل ذلك. لأن هذا هو الدرس الآخر للفايروس، لقد اعتقدنا أنه يمكننا عزل أنفسنا عن الطبيعة والسيطرة عليها. ومع ذلك ، فإننا نشهد عودة قوية وعنيفة للطبيعة ، للتفاعلات بين مجتمعاتنا والنظام الأرضي. ونحن نتعلم من جديد ، من خلال أجسادنا ، أننا يمكن أن نختفي. وهذا البعد من التجربة لا يستهان به.

*البعض يتحدث عن أزمة حضارية. أليس هذا مسيئاً؟

- لا! لقد اختارت حضارتنا الغربية المبالغة في استخدام الآلة لتحقيق الراحة المادية ونجحت على أكمل وجه ، لكنها انتزعتنا من وادي النقاء الى أرض حارقة ومليئة بالفايروسات ..لقد فعلنا ذلك لأننا أصبحنا مفتونين بالمادة ، ومن الواضح انه يجب علينا تغيير تصوراتنا والعودة الى حضارة التعقيد حيث يتم تقييم السلوك والسياسات وفقًا للعديد من المعاييرالمختلفة .

*هل سنكون أقل حرية غدا؟

-يجب علينا بالتأكيد ألا نعود إلى ماكنا عليه من قبل ، أي عندما انتصرت المجموعة على الفرد. لكن علينا أن نعترف بأن بدون هذه الأشياء المشتركة لا توجد حياة على الأرض. كما أن إصلاح الحياة يعني رفض أن يقرر كل فرد أسلوب حياته. يجب أن تسود هذه المسؤولية نفسها حسب اعتقادي بمواجهة هذا المشروع الضخم الذي ينتظرنا.

*لكنك تدافع عن تقييد حرياتنا؟!

-تقوض أنماط حياتنا استدامة الكوكب. ولكن لا يزال لدينا حرية الفكر والعبادة وتكوين الجمعيات وما إلى ذلك. هذه الحقوق أساسية. أما إعادة تعريف أساليب حياتنا ، فلا يجب أن تعتمد على تعسف القلة ، بل يجب أن يتم تحديدها في إطار ديمقراطي على أساس معرفتنا العلمية.وإذا التزمنا بذلك، فسنحل فقط 30٪ من المشكلة.

*ما الذي يجعلك متفائلاً؟

-لا يمكننا أن نكون كذلك. الحياة على هذه الأرض ، شئنا أم أبينا ، ستكون أصعب. لكن لا يزال لدينا إمكانية ، لمدة عشر سنوات ، لمنع الأسوأ. بعد ذلك ، ينتهى الأمر.

*في هذا الصدد ، هل يعتبر الفايروس حليفاً؟

-إنه يكشف عن العلاقة العنيفة بين مجتمعاتنا والأنظمة الطبيعية التي تدهورت. عندما تقرأه بهذه الطريقة ، يمكنك أن ترى تحذيراً خطيراً من الطبيعة. وبما أننا على عتبة عقد يدعو فيه الخبراء والعلماء إلى تغيير أسلحة المواجهة، فإن فايروس كورونا هو حليف غير عادي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top