خطابُ الكراهيةِ  ثيمة  الإعلام المعاصر

خطابُ الكراهيةِ ثيمة الإعلام المعاصر

موج يوسف

في العصور السابقة الخالية من التنكولوجيا الحديثة كان الشاعرُ ناطقاً إعلامياً عن قبيلته وأمته ، فكانت السُّلطات تخشاه، وكثيراً ما سمعنا عن شعراءٍ قتلتهم قصائدهم بسبب السهام المصيبة في خطابهم.ومع تطور التكنولوجيات صار العديدُ من الأشّخاصِ أداةً إعلاميّة مرهونة بيدِ مؤسساتٍ تُحرضُ على العنف ، وصارت حرباً عالمية ثالثة ،

بل والأهلية تحمل سلاحاً ذرياً هو بَثّ ( خطاب الكراهية) وهذه الثيمة المركزية لدراسة الباحثة د. ندى عمران بعنوان (خطاب الكراهية إحاطات وتجارب) الصادر عن دار العالم. وقد رصدت الخطابات الإعلامية في الصحف العربية عامة والعراقية خاصة ذات الخطاب المحرض على العنف والموجّه من قبل جهات معينة ، ممّا جعل الكراهية تسود كظاهرة وهذا ما قد يثير تساؤل عند القارئ هل لهذه الظاهرة دوام أم تزول مع رحيل مؤسسيها أم أن للقانون وأصحاب صناعة الرأي لغة أخرى؟ وقد تطلبت الدراسة أن تقف د. عمران عند ماهية الخطاب الإعلامي وخطاب الكراهية لتوضح أبعاده للمتلقي وهذا ما جعلها تستدعي مدارس تحليل الخطاب الخمس ( التوليدية التحويلية، اللغويات النقدية الفرنسية، الشكلية الروسية، وباريس السيميوطيقية) وقد استطردت على ذلك قائلة:( أن ما يفيد دراستنا هو انتقال مدارس تحليل الخطاب من الشكل إلى المضمون من خلال بحث البنية العميقة الدلالية عبر تحليل الوسائل التي يستخدمها الصحفي والإعلامي في إقناع الجمهور) ص22 . إن هذه المدارس قد اختصت بتحليل لغة الخطاب، فكما هو معروف إنَّ كلَّ نصّ حامل لعلامةٍ أو نّسقٍ وعن طريقه يتمُّ إيصال رسالة المخاطب ، وفي صدد هذا ترى الباحثة أن الخطاب الإعلامي هو منظومة من الرموز ، اللغة، الصور التي ترفق في أشكاله وهي الخبر ، والمقال ، والصور الكاريكاتيرية بل شمل حتى المسموع . وبرأينا إن خطاب الكراهية الإعلامي بشتى أنواعه جاء؛ بسبب تصارع الأيديولجيات بعد سقوط النظام السابق وهيمنة الأحزاب الكثيرة على مفاصل الدولة . وقد رصدَ أكثرُ الباحثين إن الإعلام العراقي أخذ منحى جديداً ؛ سبب عوامل عدة وقد أوجزتها د.ندى منها (تغير النسق السياسي وتطوير أدوات الخطاب الإعلامي ، تغير الدوافع والأهداف في العمل السياسي) وهذه مهدت لصنع خطاب الكراهية والذي تعزى دوافعه إلى اختلاف الأيديولجيات كما اسلفنا ، واسرع ظهور الانترنت في تفشيها ممّا وظّف لأجل صناعة الحرب وخاصة الحرب الأهلية في العراق . وقد لفتت الباحثة إلى عوامل أخرى قد كان لها دوراً في تفشي داء الكراهية الخطابي في العراق وهي ( العوامل التربوية ، والعوامل الثقافية ، والبنائية) في حين أفردت العوامل المتأججة بموضوع مستقل لأهميته وسنذكرُ للقارئ أهم شرارات العنف هي انتشار السلاح ، وقوة أدوات العنف ، والعزل والإقصاء لفئات معينة من المجتمع ، والتشرنق في دور القومية أو الطائفية أو الدينية . أيضاً عمل القادة السياسين على تعزيز حالة الإنقسام الاجتماعي عبر الخطابات الموجهة ، ولا شك أن هذه الخطابات كلها حملتْ رسائلَ وقد اصابت سهامها الهدف وهو عقل الفرد البسيط . وفي الفصل الثاني كان النّسقُ المركزي ( خطاب الكراهية في العراق) والذي صنعته الصحافة المحلية التي وقعت في أزمة مهنية متناسية قانون نقابة الصحفين 187 لعام 1969 وتعديلاته . غياب المهنية أعطى الحق الشرعي لسيادة فايروس التحريض فضلاً عن العنف الذي صار يمارس في العلن وعلى الشاشة المرئية أيضاً ، فيما قامت الباحثة بتشخيص اللغة المستعملة كثيراً في الخطابات المناهضة للسلام وهي موجودة في معجم مفرادات الكراهية في الإعلام العراقي وقد خصصت الفصل الثالث الذي يعدّ بؤرة الدراسة ـــ بحسب رأينا ـــ إذ كشفت المؤلفة عن هذي الألفاظ التي صلقت العنف وهي ( أبناء الزنا ضد الطائفة الشيعية وأبناء النكاح ضد السنيّة ، الأكراد الخونة أو التفجيرات التي تضرب الكاظمية لماذا لا تضرب الأعظمية ـــــ عبارة أحدى نائبات البرلمان ــــ التمرد السنّي ، السنّة البعثية ، السنّة الدواعش ) فضلاً عن استعمال الكاريكاتير الذي أشاع لغة الصورة ولون الكراهية وهذا ما يثير تساؤلنا مرة أخرى عن دور القانون في الفوضى والعنف ؟ وهذا من متطلب مهم قد وضعتْ د. ندى موضوعةً من الدراسةِ عن التشريعات القانوينة لحظر التحريض والعنف في وسائل الإعلام وقد أشارت إلى قانون الإرهاب العراقي رقم 13 لعام 2005 الذي يعدّ ( العنف والتهديد الذي يهدف الى إلقاء الرعب بين الناس وتعريض حياتهم للخطر والعمل بالعنف والتهديد على إثارة فتنة طائفية أو حرب أهلية أو اقتتال طائفي وذلك بتسليح المواطنين أو حملهم تسليح بعضهم الآخر) وقد رأتْ في هذا القانون إنَّ الكراهيةَ التي وقعت في نفوس الناس كانت تحت طائلته ، والذي يبدو لي مغاير لذلك ، منه أن لغةَ القانون غير حازمة لفرضه كذلك تبيح العنف بالخفاء وكأنَّ مشرعه جلّاد فكان أولى على الباحثة أن تخطاب مشرعي القوانين لإعادة النظر فيه إعادة وصياغته حسب مقتضيات المرحلة الحالية . وقد أشارت د. ندى في نهاية الدّراسة عن أزمة أخرى كان لها اليد الطولى في صُنع خطاب الكراهية وهي أن بعض وسائل الإعلام قد نشأت من رحم أنظمة طائفية فضلاً عن (أن أغلب القيادات الإعلامية تتولى مناصبها ليس وفق معايير الكفاءة العلمية وإنما في ظل اعتبارات شخصية وانتماءت حزبية ، ولا يوجد تنسيق وتكامل بين المؤسسات الإعلامية المهنية وبين المؤسسات الأكاديمية) ص81 . وهذه مشكلة ، بل هي الأخطر برأينا هيمنت ومن هنا نفتح الأفق لتسليط أقلام الكتّاب والباحثين لمعالجة هذه الأزمات ، فالباحثة افسحت المجال لدراساتٍ مستقبليةٍ تُعالج هذه القضايا .الدراسة مليئة بالتفاصيل الميدانية الهامة والتي هي من صميم أزمات الدولة العراقية . 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top