باراك أوباما والذاكرة السعيدة في (أرض الميعاد)

باراك أوباما والذاكرة السعيدة في (أرض الميعاد)

د. نادية هناوي

( أرض الميعاد) هي مذكرات الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما التي جاءت في شكل كتاب كبير ضم أكثر من سبعمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير وصدر مؤخراً في نيويورك بطبعته الأولى. وعلى الرغم من قصر المدة التي مضت على صدور هذا الكتاب إلا إنه نال اهتماماً كبيراً من لدن مختلف القرّاء أميركيين وغير أميركيين

حتى سارع بعض مترجمينا إلى تعريب فصول منه ونشرها في صحف يومية أو في مواقع الكترونية مختلفة لاسيما تلك الفصول التي فيها يتناول أوباما القضية الفلسطينية ومسائل الإسلام والشرق الأوسط والإرهاب.

وأهمية الكتاب أنه جاء جامعاً المسائل الشخصية واليومية بالقضايا العامة والحساسة التي ما يزال قسم كبير منها ساخناً ومثيراً للجدل والظنون ومن ثم الاختلاف، بل عمد بعض المهتمين والمتخصصين إلى فرز ما في هذه المذكرات من شهادات أو اعترافات أو مكاشفات تتعلق بمسائل العرق ونظرية المؤامرة وتقبل الشباب للاختلاف وغيرها من الأمور التي بالإمكان وضعها في خانة التنبوءات أو التوقعات المستقبلية لما هو قادم من السياسة الخارجية للولايات المتحدة الامركية حول روسيا والصين أو ما له صلة بمفاوضات السلام في الشرق الاوسط، وعن ذلك يقول اوباما:" مع نهاية عام 2010 لو سألني أي شخص أين ستحدث الأزمة الرئيسة القادمة في الشرق الأوسط لقدمت له قائمة غنية من الاحتمالات". 

بيد أن للمذكرات بعداً آخر لا يقل أهمية عن هذه الأبعاد السياسية والستراتيجية وهو البعد الأدبي الذي تحفل به وقد كشفت عن وجه جديد لأوباما السارد الذي عرف مناحي هذا اللون من الكتابة السردية أو ما يسمى بأدب المذكرات. 

ولا يخفى أن كتابة المذكرات واليوميات والسير الذاتية صارت تجذب في الآونة الأخيرة اهتمام الناشرين مستقطبة مختلف الأذواق والمشارب القرائية. وهذا أمر طبيعي فلقد اهتم الإنسان منذ القدم بفعل الذاكرة مستعيداً الماضي خشية نسيانه. ويظل الرهان في هذا الفعل متوقفاً على مدى تشابك الذاكرة بالخيال الذي هو عبارة عن مسافة زمانية بين فعل التذكر وقصدية الاعتراف وفعل التاريخ الذي هو ليس الماضي حسب؛ وإنما هو الماضي المستحضر والحاضر المتجه نحو المستقبل الذي فيه نتجرد من الزمان كي نرى فعله فينا؛ أيّاً كان هذا الفعل حقيقةً أم مجازاً، واقعاً أم خيالاً. 

وما من أحد منا تأمل حياته وما مرَّ به خلالها من محطات؛ إلا شاهد شريطاً من الأحداث والوقائع يستحضرها في برهة من الزمن مستعيداً إياها استعادة قد تكون مثمرة حين يكون الفرد فيها قادراً على فك اشتباك ذكرياته، وقد تكون الاستعادة عقيمة حين يكون الفرد غير قادر على مقاومة النسيان فيختلط عنده المهم من الذكريات بغير المهم ويتشوش لديه ما هو كبير وعزيز من الذكريات التي كانت قد تركت في نفسه أثراً بما هو عادي انطمس ذكره فلم يترك أثراً قوياً داخله. 

والذاكرة التي تتفادى المحو والإضمار هي ( الذاكرة السعيدة ) كما يسميها بول ريكور وفيها تكون الاستعادة واعية ومقصودة فلا تعتريها مقاومة بل تحقق الراحة بكلية اجتماعية فيها الحقائق إثبات متعال وامتلاك لقواعد، بها تتمكن الذات من مساءلة نفسها مدركة أناها ومتعرّفة على فرديتها.

وإذا ما بحث أحدنا في ذاكرته عن ماضيه الذي عاشه؛ فإن أفعال التذكر والتفكر والاستذكار والاسترجاع والاعتراف هي المنظومة التي بها نقاوم النسيان محاولين العودة بذواتنا إلى ما مضى وقد غدا واحدنا منقسماً إلى كيانين يسأل أحدهما الآخر: من أنا ؟ من أنت؟. 

ولقد ميّز بول ريكور في الذاكرة السعيدة ما هو جماعي وشخصي بسبب كوجيتو: ""أنا أفكر الذي فيه تكون "ذاكرة الأشياء وذاكرتي أنا نفسي تتطابقان: هنا التقي أنا ذاتي عينها أني أتذكر نفسي وأتذكر ما فعلته متى وأين فعلت ؟ وأي طبع شعرت به حين كنت أفعله ؟. 

ومن يقرأ مذكرات أوباما فسيجد أن كتابته لمذكراته هي من نتاج الذاكرة السعيدة التي يحسن السارد استعمالها وتتخصص أفعالها بالاستذكار والاعتراف والاستدعاء كتعبير عن مسيرة حياة حاشدة تبدأ بطفولة عابرة وطبيعية وتنتهي برئاسة هي الأبرز والأقوى عالمياً. 

وإذا كان من غير اليسير التفريق بين ألوان الكتابة في الأدب الشخصي؛ فإن ما يميز كتابة المذكرات عن كتابة السير الذاتية أن السيرة كما يرى فيليب لوجون هي حكي استعادي يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص وذلك عندما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخه الشخصي بصفة خاصة بينما تتخصص المذكرات في التجربة الشخصية التي تبتغي تذكر الآخر منبثقاً معها مترجماً فيها التاريخ اقتناعاً بأن قدر الإنسان هو تأمل الحياة من البداية إلى النهاية من أجل فهمها وقد تموقع الصدق في تقديم هذه التجربة وتصنيفها وتأملها والتعليق عليها باسترجاع مراحل العمر مع التركيز على مرحلة بعينها أو تجربة من التجارب الحية والممتدة باستعمال السارد الذاتي بضمير الأنا :"لقد أثقل الصراع الإسرائيلي علي شخصياً .. اعتقد أن هناك رابطاً جوهرياً بين تجارب السود واليهود؛ القصة المشتركة عن المنفى والمعاناة لقد حملني ذلك على أن أكون مؤيداً لحق الشعب اليهودي في أن تكون له دولته الخاصة به ومع ذلك فأنه من سخرية القدر أن هذه القيم نفسها جعلت من المستحيل بالنسبة لي أن أتجاهل الظروف التي أجبِر الفلسطينيون على العيش فيها في الأرض المحتلة" ولقد حظي الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بتركيز واضح في هذه المذكرات، وفيها نقل لنا أوباما تفاصيل محاورات ومشاهدات واكتشافات بعضها جدير بالتأمل، فمثلا يقول عن إحدى زياراته لإسرائيل وهو أمام حائط المبكى يحشر ورقة كتب فيها دعاء لنفسه وعائلته:"احنيت رأسي أمام الجدار..وضعت يدي على الحجر الجيري الناعم، وأنا في تأمل صامت، ثم حشوت قطعة الورق الخاصة بي ودفعتها عميقاً في شق في الجدار، ..افترضت أن هذه الكلمات كانت بيني وبين الله فقط، ولكن في اليوم التالي كانت هذه الكلمات منشورة في صحيفة إسرائيلية قبل أن تُنتشر إلى الأبد عبر الإنترنت" وبالطبع لا يريد أوباما بهذه الذكرى ثلب الصورة التي رسمتها إسرائيل لنفسها أمام العالم؛ وإنما هو يذكر ذلك من باب أن الرئاسة جعلته شخصية عامة ومن ثم فإن من حق الجميع أن يطلعوا على خصوصياته. 

ولأن لأوباما صورة معتادة في أذهاننا كسياسي ناجح ورئيس محنك وشخصية مختلفة لها كاريزما خاصة أوصلت صاحبها الى البيت الأبيض كاول رئيس أسود في تاريخ أميركا يكون هذا البيت هو (( أرض الميعاد A Promised land )) العنوان الذي فيه تتمظهر الذاكرة السعيدة بدلالتين: الأولى دينية تعيدنا إلى النبوءة التوراتية التي فيها نستذكر العهد الذي تحقق في المسيحية والإسلام كخاتم للنبوة ومصداق للعهد الإلهي وقيل إن العهد كان لبني إسرائيل لتكون الأرض الموعودة من النيل الى الفرات مما سمي ببلاد الهلال الخصيب وقيل هي فلسطين التي ارتبطت في أذهان اليهود بأورشليم والهيكل ومملكة داود. والدلالة الأخرى رمزية وفيها يتمثل كل استشراف لما هو مغيب والهي.. وهو ما وظف أدبياً في كثير من الأعمال الروائية التي تناصت مع قصة السبي البابلي وهدم الهيكل على يد الملك نبوخذنصر مثل رواية( أرض الميعاد ) للكاتب الروسي يوري كوليسكوف ورواية( أرض شنعار) للكاتب المصري علاء إسماعيل. 

وهاتان الدلالتان الدينية والرمزية تبرزان في الفصل الأول بشكل مباشر تحت عنوان جانبي هو( الرهان) وفيه يتحدث اوباما عن المكان الأكثر روعة الذي رآه وهو (البيت الابيض) بحدائقه وابوابه وقاعاته واعمدته فكان محتما عليه أن يمشي الهوينا "كنت أمشي بشكل مختلف وأرى في صف الأعمدة الوعي التاريخي يخطو مع خطواتي وضربات قدمي محسوبة وحذرة وفي كل يوم ألوح للحارس بالزي الرسمي داخل الباب الزجاجي ثم انزلق إلى الباب الجانبي للمكتب البيضاوي لأحصل على جدول أعمالي" بينما تبرز دلالتا العنوان في الفصول الستة الأخرى بشكل غير مباشر مؤكدتين مقصدية الكاتب في جعل كتابه مذكرات وليس سيرة ذاتية، يقول أوباما في المقدمة :" أردت أن أحكي في شكل قصة شخصية قد تدهش الشباب فتتغير نظرتهم للحياة" وهو إذ يتحدث عن أجداده ووالدته وطفولته ودراسته ومحطات من اهتمامه المبكر بالسياسة فإنه أيضا يتساءل :" لماذا كنت مزاجياً في التعامل مع الحقيقة ؟ وهل نحن أمة لنا حريتنا ومساواتنا المتوفرة للجميع؟ ونجده ينتقد أيضاً" نحن في تمرين إنه الوقت لأن نتجاهل أسطورة ماضي أميركا.. نحتج على موت الرجل الأسود الأعزل.. علينا أن نتعلم أن نعيش سوية ونتعاون مع بعضنا بعضاً ونحترم كرامة الآخرين" كما يعترف أن فعل الكتابة نفسه مخيف حين لا يذهب كما نخطط له يقول:" أجد عقلي في مقاومة سردية ..لم أرد أن انزل الى الخلفيات أو اضع نهايات.. أنا أكره الحواشي ..والنهايات الختامية" 

ويعزز الثيمة العنوانية الايحائية الاستهلال الشعري الذي هو عبارة عن مقطعين قصيرين موحيين: الأول مقتطع من روحانيات أفرواميركية فيها الحرية هي التذكر والتذكر هو الحرية: ( أوه.. طر لا تتأطر / طر أبداً لا تتأطر / فهناك مخيم اجتماع في أرض الميعاد ) والمقطع الآخر للشاعر روبرت فورست وفيه التذكر هو اللانهاية واللانهاية هي التذكر. 

وبالحرية واللانهائية اللتين حققهما الاستهلال تكون الذاكرة السعيدة قد استمدت الدعم الذي يهيئها لأن تنطلق ساردة خبرات الأنا وحياتها وهي تكتب نفسها متشابكة مع الآخرين اعترافاً منها بأن فعلها الذاكراتي ليس شخصياً حسب؛ بل هو جماعي أيضاً. وإذا أضفنا الى العنونة والاستهلال هذا الاقفال بالصور الفوتوغرافية الكثيرة والمعبرة عن لحظات الأنا السعيدة تكون الذاكرة قد قدمت مذكراتها كاملة ودائمية لكن من دون ختام أو نهائية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top