القاتل الصامت يتمدّد.. ولا حلول على أرض الواقع..المساحات الخضر تحوّلت إلى فوضى سكنية

القاتل الصامت يتمدّد.. ولا حلول على أرض الواقع..المساحات الخضر تحوّلت إلى فوضى سكنية

 تدهور الزراعة والجفاف وراء تنامي التصحّر

 إعداد/عديلة شاهين

تقلصت المساحات الخضر في العراق خلال السنوات الأخيرة بشكل واضح، واختفت آلاف الأشجار التي كانت تغطي أحد الأجزاء الغربية من بغداد، وفي القرب منها محافظة الأنبار التي تضم أراضي صحراوية شاسعة تمتد حتى الحدود السعودية والأردنية، هذه المساحات الصحراوية تعد مصدراً لعشرات العواصف الترابية التي تضرب العاصمة والمحافظات المحاذية للأنبار ومنها كربلاء في وسط العراق.

شيئاً فشيئاً بدأ التصحر يقترب من المدن مع اندثار بساتين النخيل والحزام الأخضر الذي كان يراد منه حماية بغداد من العواصف الترابية.

والتصحّر الذي يقال عنه أنه قاتل يتمدّد بصمت، عرفته منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمي بانه "ظاهرة تحوّل الأرض الخصبة الى صحراء"، حيث تصنف مظاهر التصحّر في العراق الى عدة أنواع منها تملّح و تغدق التربة، و تدهور الغطاء النباتي، و تكون الكثبان الرملية مما أدى الى تدني مساهمة الناتج المحلي الزراعي بالناتج المحلي الإجمالي و هجرة الفلاحين لأراضيهم و انقراض العديد من المجاميع النباتية.

وتشير وزارة الزراعة إلى حاجة العراق إلى أكثر من 16 مليار شجرة لإحياء المناطق التي تعاني من التصحر.

فوضى سكنية 

المستشار السابق للجنة الزراعة النيابية ومستشار وزارة الزراعة عادل المختار أوضح لـ(المدى) أن لدى العراق مساحات كبيرة صالحة للزراعة، تقدر ب 24 مليون دونم، ولكن ما زلنا نعاني من مشكلة تراجع المساحات المزروعة بسبب أزمة المياه التي يعاني منها العراق، وقلة الأمطار أيضاً من أسباب تدهور الزراعة في العراق بالإضافة الى ضعف المردود الاقتصادي للأراضي الزراعية لأن انتاجية الدونم الواحد من محصولي الحنطة والشعير قد تصل مثلاً الى نصف طن فقط، وفي هذه الحالة سيكون الربح قليل أيضاً.

وعن تجريف الأراضي، أضاف المختار: أنه لو اطلعنا على دول العالم لوجدنا معظم دول العالم قامت بتجريف الأراضي الزراعية و حوّلتها الى عمارات سكنية تتضمن حدائق و منتزهات و اماكن للعب الاطفال، و لكن في العراق تم تقطيع الأراضي الزراعية و تحويلها الى عشوائيات سكنية أو قطع أراضي سكنية بمساحة 50 متراً أو 100 متر، وهذا يعد تدميراً للواقع الزراعي، فاذا ما تم تجريف الأراضي و تحويلها الى عمارات سكنية سيتم توفير الماء و الكهرباء لأن لكل عمارة سكنية نقطة ماء ونقطة كهرباء واحدة أما أذا ما تم تقطيع الأرض وبيعها كبيوت فلكل بيت نقطة ماء و كهرباء مما قد يزيد من استهلاك الماء و الكهرباء و يؤدي الى فوضى سكنية.

وقال المختار: على سبيل المثال لو اتجهنا نحو خط سريع الدورة في بغداد، لوجدنا مساحة كبيرة لبساتين محروقة ومهملة، لم تتم الاستفادة منها كبساتين عامرة، ولم يجر تحويلها إلى مجمعات سكنية تعكس الوجه الحضاري للعاصمة.

وحول أهمية المساحات الخضر قال المختار: الغطاء النباتي مهم جداً في تحسين الواقع البيئي، فكلما زاد الغطاء النباتي كلما تحسنت البيئة وقلّت نسبة الغبار في الجو وتراجع التصحر، و من الممكن أن يعود الغطاء النباتي في بلدنا كالسابق عندما تزيد انتاجية الدونم الواحد حتى تصل الى 2 طن، و على سبيل المثال إذا كان سعر الطن الواحد من محصولي الحنطة أو الشعير 560 ألف دينار فسيكون الربح في ال 2 طن في الدونم الواحد مليون و 120 ألف دينار، و هذا المبلغ يعد مربحاً جداً للفلاح وعامل تشجيع له للزراعة.

تدهور الأراضي الزراعية 

و في معرض رده على سؤالنا بشأن أسباب تدهور مساحات الأراضي الزراعية، قال الدكتور قاسم تبن بزون من الدائرة الفنية لوزارة الصحة و البيئة _شعبة تدهور الأراضي: إن تدهور الأراضي الزراعية متعلق بعدة عوامل أبرزها العوامل الطبيعية، منها الجفاف و انحسار المياه و ارتفاع درجة الحرارة و التغيرات المناخية و عوامل بشرية متمثلة بالإدارة السيئة للأراضي .

وأضاف: يوجد لدى وزارة الصحة و البيئة مقترح إنشاء أحزمة خضر حول المدن و إنشاء حزام اخضر على الحدود الفاصلة بين العراق و السعودية و بمساحة كبيرة و لم يدخل المقترح حيز التنفيذ بعد، حيث ما تزال الدراسة مستمرة من قبل المديريات التابعة للمحافظات حول المساحات التي تعرضت للتصحر و الأراضي الزراعية المتصحرة.

و أشار الدكتور قاسم الى أهمية تنمية الغطاء النباتي و إعادة تأهيل المراعي الطبيعية و تنمية الغابات المتدهورة و إنشاء أحزمة خضر تحيط بالمدن أو في الأراضي المتصحّرة المحاذية لدول الجوار التي تعتبر مصدراً للغبار و الرياح الموسمية التي تنشأ بسبب العواصف الترابية .

ولفت إلى أنه من الممكن مساعدة المجتمعات المحلية و توفير موارد اقتصادية لهم بإدخال مشاريع تنموية و مستدامة تساهم في تحسين الوضع المعيشي في المناطق الريفية للتقليل من هجرة الفلاحين الى المناطق الحضرية ، و استخدام الزراعة الذكية و هي من أحد العوامل الناجحة في الزراعة و ذلك باستخدام التقنيات الحديثة في الزراعة و البذار لتكون في خطوة واحدة بدلاً من عدة خطوات لتقليل الحراثة و تشتت التربة السطحية أو تراكم الأملاح ، و يتوقف تراكم الأملاح في التربة على نوعية المياه المستخدمة في الزراعة ، لذا من الواجب عدم استخدام مياه المبازل لأغراض الزراعة.

خطة التكيّف الوطنية 

وتطرق الدكتور مختار خميس حبة / المدير التنفيذي لمنظمة المناخ الأخضر العراقية الى موضوع بالغ الأهمية قائلاً: إن لدى وزارة البيئة عدة مشاريع تتوقف على التمويل كالأحزمة الخضر حول المدن و طمر الأراضي الرملية و زراعة بعض المناطق ، و إن مدى نجاح هذه المشاريع يتوقف على التعاون الجاد بين الحكومة و القطاع الخاص و منظمات المجتمع المدني ، لأن كل طرف من هذه الأطراف لا يستطيع العمل بمفرده ، و عليه لا بد من تكاتف الأطراف الثلاثة لتحقيق الأهداف المنشودة ضمن البرنامج الحكومي ، و ما تزال أغلب المشاريع محصورة بالدولة فقط و دور كل من القطاع الخاص و منظمات المجتمع المدني يكاد ضعيف ، أيضاً من ضمن المشاريع التي بدأت مؤخراً من قبل وزارة الصحة و البيئة العراقية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة و تابعتها منظمتنا ، مشروع خطة التكيّف الوطنية لمجابهة الآثار الخطيرة التي يتعرض لها العراق جراء آثار التغيرات المناخية لأن العراق من الدول التي تأثرت بالتغيرات المناخية كارتفاع درجات الحرارة عن معدلاتها الطبيعية و انخفاض مستوى هطول الأمطار ، مما أدى الى تفاقم الجفاف و تدهور الأراضي الخصبة و زيادة الكثبان الرملية هذه العوامل مجتمعة ألقت بظلالها على حياة الإنسان و صحته و اقتصاده ، و سيتم من خلال خطة التكيّف الوطنية التخطيط الستراتيجي القائم على التوقعات المستقبلية و تحديد أهم آليات التكيّف مع المناخ مع التركيز على تعزيز القدرات المؤسساتية و التقنية و المالية لضمان إدماج احتياجات التكيّف متوسطة و طويلة الأجل في التخطيط الإنمائي الوطني .

و ذكر د. حبة لـ(المدى) أن من بين أهم المخاطر التي يواجهها العراق لأنه دولة مصب هي مشكلة شُح المياه و انخفاض مستوى نهري دجلة و الفرات نتيجة ما تقوم به دول المنبع تركيا و إيران من بناء السدود الأمر الذي أدى الى قلة تدفق المياه الى النهرين مما أدى الى تأثر الزراعة و تهديد الحياة في الأهوار و محافظات جنوبي العراق ، فاذا ما تم تأمين المياه ستنجح الزراعة و بالتالي سنقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة التي تتضمن ثاني أوكسيد الكاربون (( co2 و أوكسيد النيتروز (n2o) و الميثان (ch4) التي تسهم كثيراً في زيادة الاحترار و تغير المناخ و هي موجودة في الغلاف الجوي و تتميز بقدرتها على امتصاص الأشعة التي تفقدها الأرض و هي الأشعة تحت الحمراء مما يساعد على تسخين الجو و تفاقم الاحتباس الحراري .

الاستيراد أكبر مشاكلنا !

فضلاً عما تم التطرّق إليه ، وجدت المدى ضرورة مقابلة د.علي تموين عجيل / مهندس زراعي أقدم الذي تحدث عن أسباب تراجع المساحات الخضر قائلاً: 

تقسم المساحات الخضر في العراق بشكل عام الى قسمين هما الأراضي الزراعية و النبات الطبيعي ، و إن تراجع المساحات الخضر في الأراضي الزراعية يعود الى عزوف الفلاحين عن الاستمرار في الزراعة نتيجة عدم جدوى المردود الاقتصادي للمنتجات الزراعية المحلية و الاستيراد غير المدروس للمنتجات الزراعية و رخص ثمنها مقارنة بالمنتوج المحلي مما أدى الى زيادة الطلب على المنتجات المستوردة ،و أدى ذلك الى جلب الآفات و الأمراض الزراعية من الخارج و انتقالها الى المحاصيل الزراعية في العراق مما زاد من النفقات و المصاريف من قبل الفلاحين لمواجهة الآفات الزراعية .

لافتاً الى أن بعد أحداث عام 2003 اتجه أبناء المزارعين الى امتهان المهن العسكرية و هجروا أراضيهم وأدى ذلك بالتالي الى قلة الأيدي العاملة في المزارع ، أما بالنسبة للنبات الطبيعي فان عملية الاستثمار الصناعي في بعض مناطق العراق تمت دون الحصول على موافقات من قبل وزارة الصحة و البيئة مما أدى الى انحسار أجزاء كبيرة من المساحات الخضر و الأنواع النباتية في تلك المناطق و التي تعد كنزاً من الكنوز الطبيعية ، و شكّل هذا الانحسار تهديداً للتوازن البيئي في تلك المناطق .

كذلك عدم وعي المواطن بأهمية الموارد الوراثية النباتية و القيام بأعمال الحرق و القطع الجائر للأشجار و تحويل المساحات الخضر الى مناطق سكنية دون وعيهم بدور الغطاء النباتي في تقليل درجات الحرارة و قيام الأشجار و النباتات بامتصاص غاز ثاني أوكسيد الكاربون و القيام بعمليات التبخر و النتح التي تلطّف الأجواء .

و رأى د. عجيل أن سقوط أشعة الشمس على مناطق عارية لا تمتلك غطاءً نباتياً"الذي يعتبر كمصد لأشعة الشمس" يؤدي ذلك الى امتصاص الأشعة من قبل التربة و إعادتها للجو كحرارة كامنة تزيد من حرارة الجو ، و إن ظاهرة انحسار المساحات الخضر أدت الى تقليل فرص العمل لأصحاب المهن التي تعتمد على المنتجات الزراعية مثل صناعة الكراسي الخشبية و بعض التحفيات الخشبية و غيرها من الصناعات ، أضف الى ذلك تأثير الظاهرة على أصحاب المهن الزراعية و تركزهم في المدن مقارنة بالريف .

و استكمل د.عجيل حديثه بذكر الحلول الممكنة لمواجهة تراجع المساحات الخضر و التصحّر ذاكراً اياها في النقاط التالية : 

1 - دراسة الموارد الطبيعية في مناطق الغطاء النباتي و تقييمها و فهم أوضاعها البيئية و اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنميتها و تطويرها و حسن استغلالها بهدف استعادة و تنمية الغطاء النباتي 

2 - الإكثار من زراعة النباتات المهددة بالانقراض إكثاراً نسيجياً و ذلك بهدف الحصول على أعداد كبيرة منها و مقاومة و مطابقة وراثياً للأصناف المحلية و ذلك يتم في مختبرات زراعة الخلايا و الأنسجة النباتية وإعادة زراعتها من جديد في موطنها الأصلي .

3 - التعاون العلمي و الفني مع المنظمات و الجامعات العربية و الاقليمية و الدولية التي تعمل في مجال حماية البيئة و تنميتها عن طريق عقد المؤتمرات و الندوات العلمية .

4 - سن القوانين و التشريعات الكفيلة بحماية و تنمية الغطاء النباتي و الغابات و المراعي الطبيعية ، و يتم ذلك من خلال منع الرعي الجائر و قطع الأشجار و التحطيب العشوائي و البرامج الرياضية و السياحية و الصناعية العشوائية .

5 - إلزام السلطات المحلية و الجهات المسؤولة ذات الاختصاص بمراقبة تطبيق و تنفيذ القوانين و التشريعات الخاصة بالحفاظ على الغطاء النباتي و بصورة صارمة .

6 - دعم المزارعين من خلال البرامج الإرشادية و البرامج التدريبية ، إضافة الى دعمهم بتوفير الأسمدة و المبيدات .

أمانة بغداد تدعو الجهات الأمنية

حتى وقت قريب كانت العاصمة بغداد تتمتع بمساحات خضر واسعة انحسرت أجزاء كبيرة منها وذهبت لصالح المولات ومرائب السيارات، مثلما حصل مع متنزه 14 تموز في زيونة والذي حوّل الى مول قيد الإنشاء منذ خمس سنوات، فضلاً عن غياب التخطيط الحضري والعمراني الذي يأخذ بنظر الاعتبار المحافظة على المساحات الخضر وزيادة مساحاتها، الأمر الذي دعا مجلس محافظة بغداد، الاعتراف، بالارتفاع الملحوظ في ظاهرة تجريف الأراضي الزراعية، محذراً من كارثة بيئية تحدث نتيجة فقدان المساحات الخضر.

عضو المجلس نزار الربيعي، قال في حديث صحفي، إن تجريف الأراضي الزراعية يشكل خطراً من الناحيتين الاقتصادية والبيئية على العاصمة بغداد. مضيفاً: أن نسبة التلوث في المدينة بدأت ترتفع، وهناك تصاعد مضطرد للتلوث في المياه والهواء، نتيجة ضياع المساحات الخضر، محملاً أمانة بغداد مسؤولية ذلك.

أمانة بغداد بدورها أكدت اتخاذها إجراءات مشدّدة لمنع عمليات تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها لمجمعات سكنية عشوائية، مطالبة الوزارات والجهات الأخرى المعنية بالتعاون معها وعدم السماح بالتجاوز على الاراضي التابعة لها .

وذكرت مديرية العلاقات والإعلام، أن أمانة بغداد حريصة كل الحرص على منع أي حالة تجريف للبساتين والأراضي الزراعية، وقد دخلت في مشكلات قانونية وتحديات مباشرة مع المخالفين. مضيفة: أن ما يجري الآن من حالات تجريف يحتاج الى مزيد من التعاون من قبل الوزارات المعنية التي تعود لها بعض البساتين والاراضي الزراعية المعرضة للتجاوز عبر تأمين الحماية لها من خلال التنسيق والتعاون مع القوات الأمنية الماسكة للأرض لمنع أي تجاوز قد يحصل على تلك الأراضي.

كما دعت أمانة بغداد القوات الأمنية بأن يكون لها دور حازم وشديد في متابعة الجماعات التي تعمل على تجريف الأراضي الزراعية والأراضي التابعة للدولة ومساندة الملاكات الخدمية في جهودها الرامية إلى تعزيز الواقع الخدمي والحفاظ على التصميم والنسيج العمراني للعاصمة بغداد والحد من عمليات التجاوز على الشوارع والساحات والفضاءات الخالية.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top