التبرير لله.. أرجوحة العلاقة بين المتدين والمقدس

آراء وأفكار 2021/01/11 07:53:35 م

التبرير لله..  أرجوحة العلاقة بين المتدين والمقدس

 علي عبدالرحيم صالح

يعد التبرير أحدى العمليات المعرفية التي تمارسها المنظومة المعرفية لدى الإنسان ، إذ نحن مجبورين على وضع مجموعة من الأسباب للحوادث التي نخبرها كل يوم، لاسيما عندما نواجه الفشل وسوء الحظ وفقدان الحيلة في السيطرة على بيئتنا الشخصية والاجتماعية!!.

ورغم أن استعمالنا للتبرير يتم في السياق الشخصي (الخسارة في العمل)، والسياق الاجتماعي (سوء تصرف الآخرين معنا)، فأن هذه العملية تمتد إلى عمليات التفاعل الماورائي (الثيولوجي)، وأقصد بذلك تفاعل الإنسان مع القوى المقدسة (الله).

قد يبدو هذا الأمر غريباً لمن يقرأه إلا أنه حقيقة يمارسها المتدينين مع خالقهم، لاسيما عندما يجدون أن هذه القوى المقدسة قد تأخرت في الاستجابة إلى مطالبهم ورغباتهم ومظلوميتهم أو أنها أمتنعت عنهم، لذلك سنجد أن العبد سيبحث عن المبررات والمسببات التي دفعت هذه القوة الروحية في عدم تلبية دعائه وندائه، والإجابة على مجموعة من الأسئلة القلقة، أهما: لماذا تركني الله وحيداً في محنتي؟ وبما أن هذه المحنة تثير في داخل الفرد التوتر والحيرة وعدم الأمان، والتنافر المعرفي بين الصورة الجميلة التي كونها عن خالقه (الرحمة والعطف والمساعدة) والموقف الحالي، فأنه سيندفع نحو حل هذا التنافر في ضوء البحث عن الأعذار إلى قوة المقدسة، وتبرير تأخرها عنه. إذا تعد هذه العملية آلية تكيفية مهمة، لكونها تعمل على ديمومة العلاقة الروحية بين العبد وخالقه، والحد من مشاعر الخوف وانعدام الطمأنينة في نفس الفرد. سأحاول في هذا المقالة أن أتجرد من مشاعري الشخصية والدينية، ودراسة هذه العملية كما هي موجودة بالفعل لدى الناس، وتحليل الجانب النفسي للمتدين في ضوء أدراكه للقوة الروحية وتعامله معها، فضلاً عن ذلك أني لا أقصد دين محدد، لكون هذه العملية شاملة في جميع الديانات.

التبرير عبر النماذج الدينية الجاهزة

لو قمنا بتحليل الجماعات الدينية، فأننا سنجد أن لدى كل جماعة قوالب جاهزة من الأفكار والبنى المعرفية حول المقدس ، التي تتضمن صفاته وقدراته وكيفية خلقه للكون..وغيرها . ونحن بطبيعة الحال نتعلم هذه القوالب بشكل تقليدي من المؤسسات الاجتماعية مثل الأسرة والمدارس والمؤسسات الدينية، لذلك نحن في أغلب الأحيان نتعلم مفاهيم الله أكثر من تدبّر وتأمل هذه القوة الروحية العظيمة، وبهذا تعمل هذه المؤسسات على غرس طريقة معينة في التفكير حول الله، وزرع مشاعر الخوف والحذر عند محاولة تأمله أو التفكير به بطريقة أخرى، وبما أن هذه القوالب الجاهزة تحدد تفكير المتدين وتذهب به باتجاه واحد، فأن أي أزمة يواجهها المتدين، ستجعله يحلها وفق مخطوطاتها وأوامرها ونواهيها ، وهذا ما يحفزه على صنع مجموعة كبيرة من المبررات والأعذار إلى الإله عندما لا يجد الحل السريع والكافي لمشكلته، أو يبحث عن وسائل أخرى يحاول في ضوئها أقناع الله وتغيير رأيه والإسراع في مساعدته مثل كثرة الدعاء والصلاة وزيارة الأضرحة وذبح القرابين.وغالباً ما يعمل رجال الدين كحراس وأمناء في حماية هذه القوالب النمطية، وتعزيزها لدى أبناء الجماعة الدينية.

التنبؤ بالمقدس

إن محاولة المتدين في التوصل إلى مجموعة من الإعذار للقوى الدينية التي تأخرت في تقديم العون له، هي في الحقيقة عبارة عن سلوكيات يحاول في ضوئها المتدين توقع كيفية تعامل الله معه، ولو ذهبنا إلى أبعد من ذلك سنجد أن المتدينين بصورة عامة لديهم نزعة حول تشكيل مجموعة من التنبؤات والفرضيات حول كيفية تفكير الله، وكيف سيستجيب لنا في بعض المواقف، ومتى سيقدم على عقابنا، ومتى يسامحنا ويعفو عنا ويكافئنا. وبهذا فان التبرير لله هي محاولة لصنع وديمومة هذه التنبؤات، وحتى لو لم تكن هذه التنبؤات صحيحة وصادقة بدرجة كافية، فأن صياغة هذه التنبؤات هي طريقة للشعور بالأمان والراحة والسيطرة على البيئة الخارجية.

العبد أم المقدس وأنماط التبرير

لو لاحظنا المبررات التي يصوغها المتدينين حول تأخر المساعدة الإلهية، لوجدنا هناك فروق فردية وأنماط متنوعة من التبريرات، إذ قد يعزو بعض المتدينين أسباب تأخر المساعدة إلى مشيئة الله ورغبته، وامتحانه، في حين يعزوها البعض الآخر إلى خصائصهم وأفعالهم السيئة التي قاموا بها في وقت سابق، لذلك تتأرجح هذه المبررات بين العبد والخالق. فضلا عن ذلك أن تدبر أفعال الناس، وتأمل أفكارهم، ومشاعرهم تصل بنا إلى أربعة أنواع من المبررات، هي:

أ.التبرير القائم على العفو: محاولة المتدين وضع مبررات ومسوغات للقوة المقدسة لا تؤدي إلى الانحراف عنها، وتقوم هذه المسوغات عن قناعة المتدين ورضاه بقدره وحبه إلى مقدسه (الله)، فهو يعتقد أن هناك هدف عظيم ومعنى وراء هذا الابتلاء.

ب. التبرير القائم على الخوف: محاولة المتدينين تجنب عزو أسباب تأخر المساعدة إلى القوة المقدسة، نتيجة شعورهم بالخوف والحذر وتوقع العقاب، لذلك يقومون بأسقاط المسببات على ذواتهم، وتحمل كافة مسؤولية أزماتهم رغم أنهم ليسوا المسبب الرئيس في حدوثها. 

ج. التبرير الأسطوري: محاولة المتدين عزو أسباب مشكلته إلى قوى شريرة تحارب المقدس، وتعكر صفو علاقته مع عباده ومحبيه.

د. التبرير الغاضب: محاولة الفرد تعليق كل خطاياه وفشله وأزماته على المقدس، والاعتقاد أنه السبب الرئيس في حدوث ذلك، لذلك يشعر بالظلم والغضب الشديد، الأمر الذي يدفعه إلى الابتعاد عن المقدس أو الانفصال عنه.

التبرير وديمومة الفقر والخضوع

لا تزال الشعوب الفقيرة تُساق بشعارات مشيئة الرب، ففي ظل طمع الأحزاب الدينية التي ابتلعت الحكم السياسي في الدول العربية، ما زال كهنوتات رجال الدين تسيطر عليهم بخطابات وروايات زائفة، وإلقاء مسؤولية جوعهم وتخلفهم وصراعاتهم إلى مشيئة الرب التي ترغب في امتحانهم، وتشذيب خطاياهم عبر أوهام الابتلاء والصبر، فبينما يشبع رجال الدين بطونهم وخزائنهم وفروجهم نجد أن المساكين يلوذون بكثرة الأدعية والصلاة والشكوى للمقدس، متناسين (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). وبهذه الطريقة تستمر الشعوب بالرضوخ، والاستكانة إلى قيود التبعية، والاحتماء وراء المشاعر الزائفة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top