للحياة..(جولة أخرى)

للحياة..(جولة أخرى)

علي الياسري

بخلطة ماهرة الإتقان بين الفلسفة وعلم النفس الممتزجة برشات تأثيرية لبعض ملامح حركة الدوغما، بعد أن تحرر المخرج توماس فنتربيرغ من ألتزامها العقائدي بطهرانية قواعد العفة لسينما أرادت أن تكون يوماً ما النقيض لكل الثوابت في الصناعة تنضج حكاية درامية لفيلم (جولة أخرى) يجتمع فيها الأصالة المحلية لطبيعة العيش في الدنمارك مع الدفق الشعوري لأوتار الأحاسيس الإنسانية التي يرتفع وينخفض إيقاعها على وقع الموسيقى والغناء في توقيتات محسوبة بدقة تُنمي حالة الشد والترقب لمصائر بشر اضطربت مساراتهم بفعل تراكمات الحياة ورحلتها.

"لا تنس أن تُحب نفسك" 

سورين كيركغور

تُهيمن الوجودية الروحية للفيلسوف الدنماركي كيركغور على المفاتيح الأساسية الفكرية والشعورية لتطور الشخصيات، فيما تحدد نظرية العالم النفسي النرويجي فين سكارديرود شكل الحدث وتناميه في مزيج اجتماعي يقف عند أزمة منتصف العمر لمجموعة مدرسين تبرز منهم شخصية مارتن مدرس التاريخ كمحور جوهري يدور معظم الفيلم حوله وهو يعيش إحساساً مكبوتاً بالوحدة والعزلة والإحباط وتبدّد الأحلام ما شكل عوامل سلبية تؤثر على عمله وعلاقته الأسرية مع الزوجة والأطفال. لم يكن زملاؤه ورفاق دربه بأفضل حال منه وإن تباين مستوى سطوة هذه الأحاسيس عليهم وفقاً لحالة كل واحد الاجتماعية. يجد هؤلاء الأصدقاء ضالتهم في نظرية سكارديرود حول الحفاظ على مستوى معين للكحول في الدم يولد به الإنسان وهو ضئيل لكنه ضروري لجعل البشر أكثر استرخاء وتوازناً وانفتاحاً على الحياة. على هذه الثيمة ستتطور قصة الفيلم لتوصيف طبيعة السلوك والتصرف بعد خوض تجربة تناول الكحول وتأثيراته على الفاعلية الشخصية والنشاط لكل شخص منهم. 

لم يكن (جولة أخرى) عن ثقافة الشرب الشائعة في الدنمارك كما تظهرها الحكاية شكلاً بقدر ما هو اقتراب موضوعي من الأسباب التي تدفع نحوه لتغيير مسار عيش واستعادة شيء من شعلة حيوية تبدّدت بفعل السنين. إنه التوق الى الشباب وعنفوانه تؤطره الرفقة الحقيقية برباط التكاتف الصادق وقت المسرات والمحن كما يؤكد ذلك مشهد الفيلم الأول وكذلك ختامه، وقبله العبارة التي تفتتح الصورة للفيلسوف كيركغور "ما هو الشباب؟ حلم. ما هو الحب؟ محتوى الحلم." فهو كناية عن الأمل والرغبة بالحياة والشغف لعيشها بلهفة عاشق يحمل في روحه كل الأماني والأحلام ووشائج الانتماء للفعل الإنساني النابع من القلب. 

تخبو فنارات الذات بفعل تراكمات الخيبة وقيود المسؤوليات الحياتية ليتحول هذا الانجراف عن المسار مع الوقت الى إحباط مكتوم يجد لحظته في منتصف العمر حين تبدأ مراجعات نفسية موجعة تنعكس منها مرارة عدم القدرة في الوصول لتلك الأنساق الوجودية المُحتفية بعنفوان الشباب وطموحاته الزاهية. فالاستسلام للشرب لم يكن سوى هروباً مؤقتاً من الاكتئاب والبؤس مثلما حاول مارتن وأصدقاؤه، ليحققوا نجاحات محدودة قبل أن يخرج الأمر عن السيطرة كنهاية حتمية لهكذا فعل، فيتحطم كل شيء ثم تختمه مأساة صادمة. لقد سعى الفيلم ليوضح لنا أن الحب والسعادة لن يتواجدا بقعر زجاجة الخمر بل في الإدراك لمعنى الحياة من خلال ضخ الدفء والعاطفة فيها بالتمسك بما لدينا من روابط أسرية وصداقات ومسؤوليات اجتماعية والسعي لحمايتها وتمتينها لتستطيع العيش حتى في أصعب الظروف. كما أنه يُبين لنا بشكل جلي أن استيعاب العمر ومتطلبات كل مرحلة منه جزء من تصالحنا مع ذواتنا، وإن امتلاكنا للجرأة في مواجهة المشاكل والشجاعة لمعالجتها والقدرة على النهوض بعد كل خيبة جزء من تنمية البهجة والطمأنينة الروحية التي ستفضي الى قناعات الهناء بما حققناه. 

كلما انغمس المخرج فنتربيرغ في بيئته المحلية ونسقه السينمائي الذي خرج بأسلوبه الحالي من عبائته إلا وحقق النجاح بشكل أكبر. رأينا ذلك في فيلمه المميز (الصيد)، وها هو يعيد الكَرّة مع (جولة أخرى) حيث يتجلى نقاء الدوغما في التنامي المحكم للسرد وقوة نسيج السيناريو والأداءات المُبهرة لطاقم التمثيل. فهو يلعب على تجليات الشعور المرتبط بتراث تقاليد دنماركية تمثل ثقافة أصيلة تنسجم مع اِلهامات الذائقة المتجذّرة مجتمعياً كالأغنية الوطنية والنمط الحياتي، تتوافق فيها لغة الصورة بمهارة مع رحلة الشخصية وحركتها الدرامية حيث الكاميرا المحمولة غير المستقرة التي تعرف متى تقترب وأي لحظة تحتاج للابتعاد والسكون. لا ينسى بين فينة وأخرى استخدام الظلال وبعض الألوان كالازرق الداكن للتعبير عن الحزن والألم المكبوتين، فيما كان الاحمر الناري الممتزج بالأصفر لإظهار الشغف وكبداية جديدة للحياة. حتى سلسلة اللقطات الوثائقية جاءت منسجمة سردياً وبصرياً مع طبيعة الحدث وتطور فعل الشخصية، فبدى أن معانيها ومقاصدها تتجاوز الحد التوثيقي المباشر الى أبعاد درامية ممتزجة بسخرية غير المتوقع والتي يتعملق الممثل مادس ميكلسن في استخراجها من شخصية مدرس التاريخ (مارتن) الواقعة تحت وطأة الفقد كصدى لا يمكن فصله للمشاعر المضطربة وألم المعاناة من صدمة الموت لأبنة المخرج فنتربيرغ (إيدا) –ينتهي الفيلم بإهداء لها- بعد أربعة أيام من بدء التصوير وهي التي كانت سبباً مباشراً في دفعه للعمل على إنجازه. قبل وفاتها بحادث سيارة ، كان (جولة أخرى) حكاية عن تاريخ الشرب وكيف سيكون العالم بدونه، وبعد تراجيديا رحيلها أعاد المخرج وزميله توبياس ليندهولم كتابته ليغدو باباً يفتح طريقاً للحياة. 

الفيلم مسعى لتذوق طعم المشاعر الإنسانية وتجديد العلائق واستجلاء الأحاسيس من منظور مرحلة عمرية أكثر نضوجاً. لا يقدم موعظة أخلاقية ولا يسعى للتبرير بل يطرح الإنسان بكل أوضاعه وسلوكياته المتأرجحة بين الفعل الجيد ونقيضه ليشكل كل ذلك صورة العيش وجوهر الحياة. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top