رأي بالاجنبي: عالم مختلف للغاية

آراء وأفكار 2021/01/23 10:02:22 م

رأي بالاجنبي: عالم مختلف للغاية

 جين سالدانها*

 ترجمة : عدوية الهلالي

تاريخياً ، أجبرت الأوبئة البشر على الانفصال عن الماضي وتخيل عالم جديد تماماً ،ووباء كورونا ليس استثناءً ، بل إنه بوابة بين عالم وآخر ، لذا يجب أن تتغير الطريقة التي تعمل بها الأطراف المتعددة لاستيعاب هذا العالم المختلف للغاية . لقد اختبر وباء كوفيد -19 حدود التعاون الدولي، ولا يزال دعم البلدان النامية ، على وجه الخصوص ، غير كاف، إذ تأثرت هذه البلدان في وقت مبكر جداً بالاقتصاد السياسي والأوبئة..

وفي مواجهة أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية ، تعاني اقتصادات هذه الدول من قيود غير مسبوقة على قدرة مواردها المالية العامة المحدودة بالفعل على تلبية الاحتياجات الاجتماعية والصحية الفورية ، وستكون للخيارات التي يتم اتخاذها اليوم عواقب وخيمة. فمن غير المقبول تجاهل حجم المعاناة الإنسانية التي أفرزها الوباء. ويجب أن يشمل برنامج الإصلاح الملائم برعاية الأمم المتحدة صندوق النقد الدولي لمعالجة المشاكل الهيكلية التي ساهمت في مضاعفة الديون في جميع البلدان النامية.. بالإضافة إلى ذلك ، يجب على الدول الغنية أن تفي أخيراً بالتزاماتها الخاصة بالمساعدة الإنمائية الرسمية ، كما يجب تصحيح الاختلالات في موازين القوى داخل المؤسسات الدولية من أجل الاعتراف بشكل عادل باحتياجات وحقوق ثلثي سكان العالم الذين يقيمون في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. وما لم يتفاعل المجتمع الدولي بشكل حاسم اليوم ، فإن أجندة 2030 واتفاقية باريس ستكون عرضة للخطر بشكل لا يمكن إصلاحه ، ولابد هنا من رؤية للتنمية تتمحور حول حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وأهمية المناخ ..

ومن غير المرجح أن يعود العالم بعد كوفيد 19إلى مجده السابق، فالعديد من الاتجاهات التي بدأت بالفعل في الاقتصاد العالمي تتسارع تحت تأثير الوباء كما هوالحال بشكل خاص مع الاقتصاد الرقمي ، مع ظهور ممارسات جديدة مثل العمل عن بعد والتعلم عن بعد والتطبيب عن بعد وخدمات التوصيل..

ونتيجة للتقدم التكنولوجي ، ولظهور طرق جديدة للتفكير في الصحة والسلامة ، سوف تستغرق الاقتصادات وأسواق العمل وقتاً للتعافي وستشهد بالتأكيد حالة تحول. ومع تضخم هذه الاتجاهات ، دفعت حقائق الأزمة الحالية إلى التشكيك في العديد من المعتقدات ، والتي يمكن أن يكون لها تأثير على الخيارات طويلة الأجل للاقتصاد والمجتمع. فيمكن أن تكون هذه المواقف تجاه الكفاءة مقابل المرونة ، ومستقبل الرأسمالية ، وتكثيف النشاط الاقتصادي والحياة ، والسياسة الصناعية ، وطريقتنا في التعامل مع التحديات العالمية التي تتطلب إجراءات عالمية وجماعية ، مثل الأوبئة وتغير المناخ ، أو دور الحكومات والمؤسسات ،فقد انتقلت المسؤولية بشكل عام من المؤسسات إلى الأفراد. ومع ذلك ، تواجه النظم الصحية تحديات وغالباً ما يُنظر إليها على أنها فاشلة إذ يمكن للطريقة التي تدعم بها المؤسسات الأفراد أن ترى تحولاً طويل الأجل من خلال تدابير الحماية وعقد اجتماعي أكثر شمولاً. وكما أظهر التاريخ ، يمكن للخيارات التي يتم اتخاذها في أوقات الأزمات أن تشكل العالم لعقود قادمة.وما سيبقى أساسياً هو الحاجة إلى العمل الجماعي لبناء اقتصادات تضمن النمو الاقتصادي الشامل والازدهار والأمن للجميع..

وسيحتاج العالم بعد الموجة الأولى من كوفيد -19 إلى أن يكون أكثر شمولاً ومرونة واستدامة،إذ نعيش اليوم في عالم تتزايد فيه التفاوتات داخل البلدان وفيما بينها ، بسبب السباق الاقتصادي والفقر الذي يعيش فيه جزء كبير من القوة العاملة، فقد عانى عدد كبير جداً من البلدان من الصدمات الخارجية التي سببها فايروس كورونا المستجد (كوفيد -19) دون حماية اجتماعية شاملة ، ولا وجود نظام صحي عام قوي ، وبدون خطة عمل لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050 وبدون اقتصاد حقيقي مستدام ..وقد ساعد مؤتمر بريتون وودز ، الذي عُقد بينما كانت الحرب مستعرة ، على إرساء أسس عقد اجتماعي ما بعد الحرب.. لقد أعاق الضبط المالي الأعمى إدارة الديون وخفضها بعد الأزمة المالية العالمية ، وسيضعف مرة أخرى قدرتنا على التعامل مع الأزمات الصحية والاقتصادية في المستقبل. وقد يؤدي عالم كوفيد -19 هذا إلى نشوء الإرادة المشتركة ، إذا تميزت بالطموح المتبادل والتضامن العالمي ..ويبقى الدرس الأكثر قيمة من وباء كوفيد -19هو الحاجة إلى مواجهة التحديات التي تؤثر على البشرية جمعاء معاً..

 

*مدير الشبكة الأوروبية للديون والتنمية

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top