سرديات التأليه في الفكر الرافديني القديم

سرديات التأليه في الفكر الرافديني القديم

د. نادية هناوي

تشكل فكرة الاعتقاد بالآلهة في مجتمع وادي الرافدين القديم جزءاً لا يتجزأ من واقع حياة الإنسان، وهذه الفكرة ليست مخيالاً صنعته ذاكرة أو منظومة ذات سلطة؛ بل هو هاجس لا شعوري فردي أشعَرَ الانسان بأهمية الفكر وفاعليته في الحياة المادية وطريقة التعامل معها.

وقد تعاقبت هذه الأفكار عبر الأجيال من دون أن يُعرف لها مصدر معرفي ما أو مرجع موصوف بعينه لتكون المخيلة هي وحدها المعين الثر الذي أمد هذا الإنسان بطاقة فكرية فاعلة إشهاراً واستتاراً، مكنته من رؤية المغيب واستبصار الخفي وكأن المرئيات والمدركات الحسية كافة لم تكن تشغل باله وإنما شغله ما يكمن خلفها.

فكانت فكرة الروح والأرواح أهم ما فكّر فيه هذا الانسان ليقوده التفكير فيها إلى تجسيدها وتجسيمها لتكون مشخّصة محسوسة ثم قام بتأليهها فاتخذها( آلهة ) وبهذا فرض الإنسان الرافديني في بلاد ما بين النهرين على نفسه الاعتقاد بعالمين غيبيين مزدوجين: عالم مادي محسوس كآلهة مجسمة تُقدس وتُعبد وعالم روحي غير محسوس لكنه مُدرك عقلياً.

وتعمق الفكر الاعتقادي بالإلوهية ونمى وتطور بفاعلية كبيرة مضطردة حتى غدا الكون لا يفهم؛ إلا على وفق حركات جسدية تُؤدى بفاعلية لغوية في ظل أجواء محددة ومخصوصة وصارت فيما بعد بمثابة طقوس دينية أو اعتقادية لا يجرؤ أحد على الإخلال بها أو الخروج عليها.

وهذه الأفكار التي صنعتها مخيلة الإنسان لتطمئنه من عالم خفي غيبي غدت هي نفسها ترهبه وتذهله وتخيفه، فلا يجد بداً من التسليم لها من دون أدنى تفكير في التملص منها أو الاستعاضة عنها بغيرها. وما استحالة استبدال الأفكار التخييلية التي صنعها الإنسان الرافديني عن الروح إلا لكونها غيبية فترجمها في شكل أبنية لغوية لا عقلية تحولت إلى بنى استعارية ذات أبنية اجتماعية. وظلت علاقة هذا الإنسان بفكرة الروح بلا جذر تأصيلي أو مرجع واقعي أو رافد حياتي مرئي يمدها ويغذيها أو يحض عليها وإنما المخيلة الثرّة والعجيبة كانت هي مصدرها ومعينها.

ولأنها ترسبت في ذهنه كحتميات لذا أخلص الإنسان لها وبنى عليها حياته زمناً طويلاً ثم ترسخت كحضارة لتنتقل إلى حضارات العالم القديم فتأثرت بها أقوام جاءت وافدة بهدف الغزو والسيطرة كالأغارقة مثلاً فلم يستطيعوا إلا الانبهار والذهول فنقلوها وحوروها وأظهروها في مسميات جديدة وبأجواء أخرى تناسب حضارتهم وطبيعة شعوبهم.

ولأهمية المخيلة الاعتقادية في بلوغ الحكمة؛ فإنها ألهمت المفكر الرافديني القديم أن يبتكر لتلك الأفكار قوالب لغوية حيث لا ثغرة تفصل بين النوع البشري والكائنات الحية لتنشأ الحكاية الخرافية التي تدمج الواقع بالسحر وهي ما أطلق عليها الناقد الألماني ديرلاين اسم الفابيولا أي الحكاية التي تخلع على الكائنات الطبيعية وبخاصة الحيوان خصائص بشرية.

وما كان صانع الحكاية الخرافية الرافديني حراً في تأليفها بل هو يصنعها بوجود هاجس روحي يدفع عنه الخوف سواء من الطبيعة وتغيراتها المرعبة أو الجسد وتحولاته الفسيولوجية المفزعة، وبذلك صارت الخرافة شكلاً لغوياً تصب فيه بقايا معتقدات تصل في تاريخها إلى أقدم العصور.

ومن المتفق عليه أن هذا التفكير الاعتقادي كانت قد اعترته تطورات فتحول من شكل الحكاية الخرافية إلى شكل أكثر تطوراً هو الأسطورة كصورة حية للطريقة التي بها أتخذ العالم شكلاً ما. وكما أن الخرافة لا يكون فيها العنصر البشري فاعلاً من دون العنصر اللابشري حيواناً أو نباتاً فكذلك الأسطورة تحمل طاقة إبداعية هائلة تتمثل في أفعال خارقة غير مرهونة بالزمن الذي صُنعت فيه وإنما هي خارج الزمن الحقيقي. وعادة ما تدور ثيمتها في ما هو روحي بحثا عن المقدس لتغدو مكوناتها رموزا توقظ في الإنسان الرافديني أشكالاً مختلفة من المعاني تؤكد قدرة هذا الإنسان على التأمل والتفكير.

وبسبب رمزية العنصر الأسطوري، ما توقفت الأسطورة لحظة عن أن تعاش بصفة جماعية كتجربة تتم ممارستها باعتقادية صارمة وراسخة لا تقبل الدحض. وعلى وفق النظرة الجنسانية التي ترى أن الجنس في مراحل البشرية الأولى ما كان مقموعا تغدو الأسطورة في المجتمعات الرافدينية تفسيرا للتناسل والإنجاب والزواج ولهذا صارت المعرفة هي بغية الإلوهية المؤنثة حيث لا إقصاء ولا منع ولا محو في عصر البراءة الأولى عصر الانتاج والتشارك. وبفضل الأسطورة ورمزيتها صارت المخيلة لا تشتغل على الأفكار التجريدية لتجسمها وتموضعها في شكل مادي وإنما صارت تشتغل أيضا على ما هو واقعي وما له بعد مادي كتجسيد التجارب الإنسانية المهمة من حروب أو وقائع ذات صدى جماعي وتاريخي لتوثقها مازجة صدق الواقعة بسحر المخيلة.

وهذا ما نتج عنه فيما بعد شكل فني موصوف بأنه شعر ملحمي وما كان الاهتداء إلى هذا الشكل المكتوب شعراً ممكناً لولا سلطة الفكر أولا والرغبة في التعبير عن الواقع آخراً. وهذا الشكل يبني موضوعه على ما تراكم من المخيال الحكائي الشفاهي ذي الأخيلة الأسطورية لتقوم الملحمة بتجميع تلك الحكايات والأساطير ومن ثم كتابتها على وفق قالب شعري فكانت ملحمة جلجامش أقدم تمثيل على إبداعية العقل الإنساني الأول وتصوراته المخيالية التي تلقفتها الأقوام الأخرى شفاهياً في إطار سيرورة قدسية طوعية وطوّرت عبر هذا التلقف الأفكار التأليهية التي اعتري بعضا منها النسيان فتهافت وضاع مع مرور الزمن.

وطيلة المرحلة الشفاهية كانت السيادة للأنثى بوصفها الأم وكان الذكر هو الابن والوليد الذي أرادت منه الأم أن يشاركها ويدعم مركزها ويديم لها سطوتها ..فهل سيتحقق هذا لها أو أنها ستجد العكس أي أنه سيضعضع كيانها ليثبت وجوده بالضد منها ؟!!

ولما جاءت المرحلة التدوينية وكتبت ملحمة جلجامش احتلت فكرة التأليه والإلوهية دوراً مركزياً كون الروح العنصر الفاعل والمهم في بلورة الحياة على المستوى المادي والروحي كما أنها منحت المحتوى الموضوعي تفسيراً حيوياً فيزيقياً وميتافيزيقياً اعطاه جمالية إبداعية تسهل الحياة وتعين الإنسان على أداء أعماله ومواصلة حياته. والسؤال هنا لماذا هذا الاكتراث المنقطع النظير بالروح والآلهة؟ ولم شغلت الأفكار الميتافيزيقية اهتمام المفكر الرافديني ؟ أما كان له أن يقتنع بما يراه ويحسه كي يدرك ما حوله معتمداً على حواسه مستدلاً عليها ومقتنعاً بها ؟

هذا السؤال قد لا نستطيع الإجابة عنه ما لم نضع أيدينا على الانتاج البشري الفني الخالد في عالم الأدب وهو ملحمة جلجامش ونتلمس حضورية العنصر الألوهي في المخيال الرافديني ؟ وهل أن المفكر أراد لمخيلته أن توهمه بما يريده من حقائق لكي يطمئن ويصفو باله ؟ أم انه أراد لمخيلته أن توافق ما يبغي أن يعرفه وتترجم لغوياً ما يريده من أفكار عما هو غير مدرك كنهه ولما يستدل عليه بعد أم العكس بمعنى أن المتحقق الواقعي من الأفكار التي اعتقد بوجودها حقيقة وواقعا بحاجة إلى اشتغال فيزيقي وسيلته اللغة لتتم ترجمتها وتداولها ؟

لا خلاف أن الأساطير والحكايات التي نقلتها الملحمة أعطت الإنسان اعتقاداً ميتافيزيقياً واهماً في أنه يستطيع أن يفهم العالم وأنه يفهمه فعلاً ثم كان التأليه والتدين أو العقيدة الدينية هي البنية الفوقية العليا التي تفترض وجود عالم خفي قد يكون ماثلاً وقد يكون غير ماثل.. وما كان اهتمام الإنسان الرافديني بالوجود ليتبلور لولا فكرة الروح التي شغلت الإنسان الرافديني وجعلته يبحث باتجاهين اتجاه الأمومة واتجاه الأبوة.

الاتجاه الأول هو الأسبق وهو الأصل الذي منه صار المجتمع الرافديني مجتمعاً أمومياً وليس أبوياً لتكون أول وحدة إنسانية متكاتفة هي العائلة الامومية خلية المجتمع الأمومي الأكبر..والمبدأ الأمومي يجمع ويوحد والمبدأ الأبوي يفرق ويضع الحواجز والحدود المبدأ الأمومي مشاعة وعدالة ومساواة والمبدأ الأبوي تملك وتسلط وتمييز.

وإذا كان الناظر في الأساطير والحكايات العراقية( السومرية والبابلية والآشورية) سيجد نتاجا فكريا أساسه آلهة مذكرة ومؤنثة تتصارع وقد تتعاون، فما ذلك إلا لأنها تمثل مرحلة كتابية لاحقة لمرحلة شفاهية سبقتها كانت فيها الآلهة مؤنثة كانعكاس لما كانت الانثى آنذاك تحتله في المجتمع من موقع متصدر في الحياتين الدنيوية والدينية فكانت هي الكاهنة والآلهة والسيدة والرئيسة والحاكمة والمعلمة. وفي ملحمة كلكامش أفكار تم تدوينها وأخرى لم تدوّن ولاسيما فكرة أحادية الإلوهة وانثويتها التي ظلت تُتداول شفاهيا وتجاهلتها الملحمة كتابيا ومن ثم اعتراها الذواء حتى نُسيت فلم يوثقها لنا التاريخ القديم.

وإذا كان التاريخ القديم قد حفظ لنا الملحمة كأول نتاج إبداعي أنتجته المخيلة البشرية إلا إنه لم يحفظ لنا ما كان قبل الملحمة ولم يفلح في توثيقه. ولعل من حسن الحظ أن ما أبدعه الإنسان البدائي من أفكار آمن بها روحياً وجسدياً ومثّلها أدبياً لن يتلاشى بل إبداعه يترسب ويتراكم في صيغ جينالوجية لاشعورية فسّرتها نظرية كارل يونغ في اللاشعور الجمعي مؤكدة أن الأفكار المنتجة في عصور سالفة مما صنعه الأجداد في ماضيهم الغابر سيظل يعيش معنا لان الفكر يُنتقل ويُتوارث ثقافياً من جيل إلى جيل كونه مخزوناً في ذاكرتنا الجمعية في مستودعات ثقافية ليس بمقدورنا أن نجتثها أو نتنكر لها لأنها تعمل فينا بطريقة فاعلة لا شعورية.

وعلى وفق هذا المنظور النفسي سنكون مطمئنين إلى أن ما كان متداولاً في بلاد الرافدين من أفكار في عصر ما قبل الكتابة المسمارية سيظل متناقلاً جينالوجياً عبر الزمن كما أن ما لم يوثقه التاريخ المدون سيكون متوارثاً ثقافياً عبر الأجيال.

ولعل هذا المنظور هو الذي يفسر لنا كيف أن الشعر ظل جزءاً من إبداعاتنا على مر العصور لا يمكننا أن نفر منه و لا يمكنه أن يفارقنا فهو معجون في ذواتنا كموروث انتقل إلينا طواعياً ولا مناص لنا من الامتثال له لا شعورياً إبداعاً أو إعجاباً ..

ومن وجهة نظر انثربولوجية فان أشكال اعتقاداتنا الشعبية والفلكلورية وأعرافنا القولية والفعلية ما هي إلا من صنيع ذلك الفكر الاعتقادي الخرافي والأسطوري المترسب في أذهاننا على شكل ميراث انتقل إلينا من حضارة كانت فيها الآلهة والكائنات الخارقة تلعب دور الوسيط بين القوى العليا والإنسانية السفلى.

ولما كان أثر الفكر الديني حاضراً دوماً في حياة الإنسان الرافديني صارت لهذا الفكر تمثيلات أدبية نثرية وشعرية. وإذا كان شعب ما بين النهرين هو أول من اهتدى إلى الكتابة فمن الذي أرشده إليها؟ أ يكون للأفكار الميتافيزيقية أثر في إنعاش الذهن الشفاهي فحمَلَه على الكتابة على رقم من طين؟

إن نظرة متفحصة في بنائية الحكايات الخرافية والأسطورية ستوضح أن الفواعل السردية أو المسرودات كانت في الأغلب أنثوية. وكانت المرأة الرافدينية في أداء دورها الامومي تمارس فعل الإهداء والتعليم لا الإغراء والتأثيم محتلة في مراحل ما قبل الكتابة مركزية هائلة جعلت منها العنصر الذي يسيّر الآخر ويوجهه، ولو أخذنا الحكايات التي دوّنت خارج إطار ملحمة جلجامش لوجدنا العنصر المؤنث ذا مكانة أعلى مما صورته الحكايات المكتوبة فيما بعد كما أن الطبيعة الفكرية وليست الصياغة الشعرية التي تقدمها الملحمة تدلل على أن الآلهة المؤنثة قد مرّت بمراحل حتى غدت في هذه الصورة التمثيلية وبقولبة شكلية لغوية.

وعلى الرغم من أن تلك القوالب انحازت لصالح المذكر إلا أنها لم تستطع أن تلغي ذلك الامتداد الفكري للمخيلة النسوية في مرحلتها الشفاهية فقدمته في شكل شعري هو في حقيقته مجموعة حكايات خرافية وأسطورية تمت شخصنتها بإلوهية أمومية ضمن عالم وهمي ميتافيزيقي فيه النساء فاعلات ومسيطرات جنباً إلى جنب الفواعل الرجالية الإلهية والبشرية حتى أن المادة الفكرية التي تمثلت في الولادة والإخصاب والخلق والأمومة كانت قد تغلغلت في كل مقطع من مقاطع الملحمة ومفاصلها. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top