في القسوة

آراء وأفكار 2021/01/24 10:11:48 م

 في القسوة

 أكرم العكيلي

أصدر الصديق "كنعان مكية" كتاباً جديداً بعنوان "في القسوة". وأعترف بأنه كتاب لم أتوقف عن إعادة قراءة فصوله مراراً لما وجدت فيه من مراجعة وتحليل دقيق غير مألوف على الأقل لي شخصياً

لإلقاء الضوء ومعرفة واقعية تختص بجذور مشكلتنا المُزمنة بعذابات البشرية والقسوة المتبادلة والعنف تاريخياً واجتماعياً ودينياً وثقافياً وسياسياً والتي لانستطيع فصلها عن المشكلة الإنسانية التاريخية العامة والتي قد تختلف بين فترة وأخرى باختلاف واقع تاريخ الصراع  الإنساني بفصوله منذ بدأ مواجهته اليومية لتحديات الطبيعة التي اتسمت بالخوف ومحاولته إيجاد وسيلة بقاء  وتوفير أمن له ولعائلته وتطور الى  الجمعي  المتشارك في الهدف والعمل والإنتاج والهوية والى يومنا هذا .

وأرى أن المؤلف كان مصيباً في طرح موضوع القسوة والتعريف بها بوصفها موضوعاً سياسياً وفلسفياً وأخلاقياً، من خلال مسلسل سرد التاريخ الإنساني  المسجل وخاصة فيما يتعلق في ميراث العراقيين بالأساطير والفنون القديمة  والرواية  والتعريف بالقسوة التي أحيان نجدها تمارس بدرجة أقل  بالقمع الأسري والسطوة الأبوية أو العشائرية والظلم بكافة أشكاله والقهر والفقر المدقع الذي تزامن مع الفشل الاقتصادي.  وكل هذا ساهم في تجذير الإحساس بقبولها وممارستها اجتماعياً وعطل الوعي بأهمية الحرية وعلى نطاق واسع وكما ذكر الكاتب  جورج أورويل بتعريفه للقسوة  "حين ينتهي الضحية بحب الجلاد" وقبول الواقع المعاش. وأزعم بان "النفاق والتكبّر والعجرفة والغيرة والجبن التي نعيشها واعتبارها عادية "هي نتاج للقسوة والخوف من مواجهتها.

إن تشخيص الكاتب الدقيق لأسباب" النهضة الناقصة في المجتمعات العربية والإسلامية التي لم تتسق مع الأنوار التي استقتها من المجتمعات الغربية إنما قفزت فوقها ....."  فقد أردنا ثمار الثورة الصناعية والتكنولوجيا من دون فحواها الأخلاقي ونتاجها السياسي في حرية الشعب في الاختيار والتعبير واستيراد ديمقرطية معلبة تم طبخها  بوقت قياسي دون وجود قواعد فكر سياسي حقيقي تم بناؤه وتطويره كتعبير على مصالح طبقات المجتمع المنتجة تحوّلت لديماغوجية سلطة تجمعات دينية مارست التجهيل والتسويف والفساد المالي بداية باتباع سياسة توزيع المناصب وتكديس الوظائف وإغراءات الرواتب  ونشر الدعوة تحت شعار استعادة السلطة بدعوى " المظلومية" واستغلال  مشاعرالرد الطائفي على الظلم والقسوة ونشر ودعم مظاهر الطقوس الدينية المستوردة وغير المألوفة والتي تحوّلت الى كارثة  "أيديولوجيا وثقافة حكم " لم يتصدى لها أحد في بداياتها خوفاً من ردات الفعل وشجعت " الغالبية المظلومة" التي وجدت الفرصة والحرية والفوضى المتاحة دون رادع أخلاقي أو سياسي للاستحواذ على المصالح والمال العام دون وعي بدلاً عن المطالبة بالخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية وفرص العمل واعتبرت غنائم المال هي التعويض عن حرمانها من حقوقها لفترات حكم شمولي طويل والتي أدت الى " تسييس المؤسسات الدينية وتدويل القبيلة واستغلال العلاقات القبلية في الدولة".

 لقد تمكن المؤلف من تحديد إشكالية المستقبل " بأنها ليست اقتصادية بالدرجة الأولى بل هي فكرية وأخلاقية ثم مؤسساتية سياسية " لتنتهي بالتساؤل " كيف نطلق سراحنا من هذا المأزق وعن  بداية مشروع وكيف يتطور؟" والتى أجابت عليه انتفاضة تشرين التي كنا نأمل "بتدفق الروح العراقية" التي تم تحييدها قبل أن يتم  مأسسة رأي عام معارض وتطويرها نتيجة لممارسة القوة و الاعتقالات وقتل المئات منهم بعموم منطقة الوسط وجنوب البؤس والتخلّف وانهيار الخدمات و الفقر والبطالة والتي  لم تتمكن الحكومة الجديدة التي وصلت بتضحياتهم بتحقيق وعود الكاظمي  بتحديد و محاسبة المسؤولين عن الاغتيالات والقسوة التي مورست ضدهم  قبل أن يتم شراء معظم قادتها وناشطيها بأموال الكتل السياسية ووظائف الدولة العميقة  التي سيطرت على القرار السياسي وكل مفاصل الدولة الأمنية والاقتصادية وضعف وتشتُّت الفكر المجتمعي والسياسي المعارض والمنظم. لقد نشأت جروح جديدة أضافت لجروح الماضي، فهل سننجح بتوثيق وتدوين الجرائم التي حصلت منذ تشرين 2019 كما نجحنا بتوثيق جرائم البعث والحكم الشمولي ومن سيقوم بتدوينها فيما ندعي من "حرية النشر والإعلام"؟ 

ومثنياً ومقدراً أسلوب طرح الكتاب لتلك التساؤلات الآنية التى نعيشها ومذكراً بعديد الأفكار والنقد الذاتي والشخصي  لممارسة المثقف العراقي "بعد الجريمة والحزن والحداد كيف نتعامل مع الماضي " و "......عالم المنظرين والمثقفين الذين لايعرفون غير المرور بغرور فوق سطوح الأشياء في أحسن الاحوال كما أفعل الآن"، فاني كنت آمل ومازلت أتمنى (وكما تمنى مؤلف الكتاب أيضاً) بأن تلجأ سلطة مابعد 2003 الى أن يكون لدينا " لجنة الحقيقة والمصالحة " التي أسس له الراحل العظيم نلسون مانديلا واستطاع من خلالها الحد من الصراع المجتمعي والرغبة بالانتقام التي طغت على مجتمعنا والدعوة له من خلال " المساءلة والعدالة " وتجذير الحقد الطائفي الذي أنتج كارثة داعش ونتائجها المدمرة .

وأخيراً، كنت أتمنى بأن يكون نشر الكتاب كوثيقة مكتوبة قبل عملية التغيير في 2003 ، حتى يمكن لذلك النشر (إنْ حدث) ،أن يسهم بتغيير الحد الأدنى  من التوجهات السياسية والاجتماعية التي سادت الفكر اللاسياسي المختطف وشوهت عملية التغيير المستوردة أساساً . كما أجد بأن الوقت مازال مناسباً لإعادة نص الكتاب بشكل مختصر ومباشر لمخاطبة العقل العراقي المجتمعي إعلامياً وتوفير وثيقة تعليمية تدخل في مناهج الدراسة لتنوير أهمية الموضوع كمعرفة تثقيفية وتعليمية لطلاب المراحل الأولية مع إضافة مواد منه تناسب كل مرحلة وصولاً للتعليم الجامعي بموازاة الجهد الإعلامي لنشر الوعي  المباشر بأسباب القسوة وسبل تجاوزها.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top