في ذكرى 8 شباط الأسود

آراء وأفكار 2021/02/17 10:20:36 م

في ذكرى 8 شباط الأسود

 د. مهند البراك

.2.

الزعامة مهما كان الثمن !!

إن تتالي الأحداث التي يمكن مراجعتها فيما كتب ووثّق العديد من رجال السياسة والفكر والثقافة الأفاضل لتلك الفترة . .

تُجمع كلّها على أن الناس عشية ذلك الإنقلاب كانت تحسّ وتعي أن نُذر أحداث مشؤومة كانت في سبيلها للوقوع، من مؤشرات متعددة ومتنوّعة، سواءً من ثكنات الجيش والمعامل، من الدوائر والكليات والمدارس أو من الأحياء، بل حتى المواخير وعلب الليل عرفت ماسيحصل من رواّدها ايّاهم وخافت وحذّرت . .

وفي ظرف مضطرب عاشته بغداد بين (اضراب) ليس كالأضرابات لعدد من الكليات، وبين (الإحتجاج) الوحشي على زيادة سعر غالون البنزين فلسين فقط (!!)، الذي أدى الى تحطيم وحرق عدد من محطات تعبئة البنزين وعدد كبير من السيارات وقطع الشوارع، ثمّ تطوّر سريعاً الى محاولات فرض غلق محطات التعبئة ومنع سير السيارات، مؤدياً الى اشتباكات بالهراوات والرصاص مع الأهالي .

وتصاعد (الأضراب) بالشقاوات وبالسلاح الذي لم يكن يُعرف مصدره آنذاك، وبتجاهل متعمد من دوائر الشرطة والأمن وتنمّر عدد كبير من منتسبيها على السياسيين والنقابيين والمواطنين حيث بدأت الاعتقالات من قبل الشرطة التي كانت في عدد كبير من القطاعات تحت إمرة الانقلابيين من السابق، إضافة الى تصاعد التهديدات العلنية والمبطّنة لكلّ من لايتفق معهم، بصيغ (يومكم قريب)، ( ولك والله مايبقى منكم احد . . سترون !!) ..

كانت كلّها وغيرها من المؤشرات التي تترقّب وقوع كارثة كان قادة البعث يسعون لها مستغلين سياسة (عفى الله عما سلف) من جهة، وسياسة ( ضبط النفس حفاظاً على الجمهورية) من جهة أخرى، وتفرّق القوى الوطنية، في ظرف وجدت فيه دوائر النفط والدوائر الكبرى، في البعث وسياسته حصانها الرابح آنذاك، الذي يذهب باحثون آخرون فيه، الى أنها هي التي ربّته وشجّعته لذلك . . منذ تصريحات قائده ميشيل عفلق للصحافة، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين أشار في خطاب ورسالة، ثم صلات مع عضو الكونغرس الأميركي الأسبق مكارثي ، يعده فيها بأن ” البعث خير عون لكم في الشرق الأوسط “(1)، في مرحلة الحرب الباردة، التي كانت ساخنة في العراق والمنطقة ( 2 ) .

من ذلك ومن غيره ( من قوائم الأسماء المعدّة التي شملت عشرات الآلاف من الرجال والنساء وآلاف أخرى لأقاربهم وأصدقائهم التي اكدتها الوثائق الغربية التي كُشِف عنها وفق قانون الوثائق، وروايات وكتب رفاقه ذاتهم، و من سلاح و إذاعة كانت تحرّض للقضاء على الشيوعيين . .) فان رواية حازم جواد من أن المذابح لم تتم الاّ بسبب مقاومة الحزب الشيوعي، هي رواية محرّفة بشكل صارخ، فإضافة الى العادة التي لم يتخلص منها هو و أمثاله، بوصم كل من لايتفق معهم بأنه شيوعي، فانه يحاول بروايته للتاريخ تلك، انتزاع أبسط حق للإنسان في الدفاع عن نفسه أمام من شرع بقتله وتصفيته، في ظرف دِيس فيه القانون وتهزّأت فيه الأعراف علناً و لأول مرة في بلادنا منذ الإطلاقات الأولى للأنقلاب، التي استشهد اثرها قائد القوة الجوية الزعيم جلال الأوقاتي .

الاّ إذا كان هو و من على شاكلته لايزال يعتبر نفسه، أنه هو القانون والمحكمة التي قررت قتل جحافل الوطنيين ، الأمر الذي فعله صدام ايضاً بعدئذ تاركاً بفراره المهين و حفرته كوارث ومآسٍ . . بل ويذهب أبعد في محاولة بائسة للنيل من سمعة الشهيد سلام عادل الذي لم يستطع أحد من الانقلابيين أن ينل ولو من خصلة ضئيلة من خصاله، فكرهوه وعذّبوه حتى الموت وضيّعوا جثمانه الطاهر كي لايكون مزاراً للوطنية وللتضحية بالنفس في سبيل قضية الشعب و الكادحين حتى الشهادة في العراق . . مخالفاً حتى الكبار من رعيله ذاك في اعترافهم وندمهم على ماجنوه .

لقد كان حكم البعث في شباط ـ تشرين 1963، معركة بين حزب البعث العفلقي وكلّ الشعب العراقي وحقوقه، بدأت بإعدام الشهيد عبد الكريم قاسم في دار الإذاعة وتحطيم منظمات الحزب الشيوعي العراقي قتلاً وتعذيباً وإخفاءً وتشريداً، ومرّت بمطاردة مناضلين تقدميين من القوميين العرب ثم بإعلان فصلٍ مأساويٍ أكثر تنكراً و وحشية مما سبق في الحرب ضد الشعب الكردي وكردستان، ثم المطاردة والتنكيل برجال الدين والمرجعيات من التي لم تنسقْ له ووقفت بوجهه . .

لتنتهي بهروب قادته الى الخارج والتسليم، وإلقاء السلاح والاعتكاف في المنازل بلا رقيب ولاحسيب، وكأنما كان عليهم إنجاز مهمة انتهت بعد تعديل قانون النفط وغيره وبعد أن توهّموا بانهم قد كسروا شوكة العراقيين ولو الى حين. الأمر الذي كرّره في الجوهر وتوهّم فيه صدام بعدئذ و لكن هيهات، و من المؤسف ان يتوهم به و يحمله سياسيون ممن يحكمون الآن . .

وإذ يهاجم حازم جواد جميع الأحزاب ومنها حزبه لأخطائها، بدون تفاصيل ولامسوّغات ، ولاتحديد للأسباب ولااقتراح للحلول، ولا ذكر للظروف التاريخية ـ الاجتماعية المتغيّرة، وبدون ولو محاولة لتحديد حجم الأخطاء . . الأخطاء التي نسي أنها لم تعد أخطاءً لدى حزب البعث العفلقي، الذي حكم في العراق بعد أن اغتصب السلطة بالقوة، وإنما هي جرائم وطنية كبرى بعد أن وصلت بحجمها وبالأعداد الهائلة لضحاياها، حجم الجرائم ضد الجنس البشري .

إنه لايتذكّر، أن حزبه الذي بدأ ببناء إرهاب وإجرام الدولة بحق أبنائها وبناتها للمرة الأولى بشكل لافت علني بـ (قوانين تحكم بالإعدام في 200 مادة) أو بلا قوانين . . و بحق المجتمع وأحزابه وقوميّاته و أديانه و طوائفه وسائر فئاته، خالقاً نموذجاً سيئاً لمفهوم الحزب السياسي في العراق، الذي أدى الى تشويه وتسميم الثقافة السياسية بمزجها بالأجرام، وربىّ أجيالاً على الانتهازية السياسية والفكرية والاجتماعية و النفاق و الكذب، التي صارت تسود كتلاً سياسية تحكم اليوم !

إنه يحاول أن يسدل الستار حتى عمّا عاناه عدد غير قليل من أعضاء البعث، لمعارضتهم قيادتهم سواءً في انقلاب شباط أو في فترة البعث الثانية التي انتجت (القائد) المجرم صدام، بسبب آلية عمل الحزب وحاجتها لشقاواته، والتي أخذت تصفيّ وبشكل مستمر معارضيه داخل الحزب أيضاً، الأمر الذي أدىّ الى اعتقالهم وتعذيبهم وتغييبهم، وإعدام عدد منهم بتهم لم تعرف حقيقتها، عوقبوا عليها بالموت وفق (القانون ) الذي لم يعرف أحد لحد الآن ماهو نصّه . .

وإذا كان حزب البعث العفلقي أحد أحزاب وفصائل النضال القومي العربي التحرري في فترات سابقة، الاّ أنه وبسبب أفكاره الانتقائية وأساليبه القسرية الدموية والانقلابية العسكرية، وروحه الشوفينية المدمّرة وتعاليه القومي، كما جرّبته الناس طيلة سني حكمه، قد خرج على الرسالة الإنسانية النبيلة للنضال العربي التحرري وتحوّل الى أداة رئيسة للعسكرة والإرهاب في العراق والمنطقة العربية، منذ أن قام بانقلاب شباط 1963 وسخّر بكل الوسائل أعداداً من الشباب العربي للأنخراط في الحرس القومي و ما ماثله للقيام بمهماته القذرة .

لقد أهان البعث العفلقي الشباب العربي وخدعهم بإسم العروبة، وجنّد آلافاً منهم في وحداته الدموية التي أبادت وأعدمت ونزلت بالعراقيين ذبحاً عندما أضربوا وثاروا وانتفضوا، مزيّناً لهم أن ذلك من أركان النضال (العربي) ضد أعداء الأمة ! الأمة التي غيّرت مفاهيمها كتل حاكمة اليوم في ديماغوجيّاتها الجديدة و كأنها تسير على ذلك النهج ذاته .

وفي الوقت الذي لايوجد فيه نظام داخلي واضح معلن للحزب، للرجوع إليه في تسليط الضوء على تفاصيل آليات عمله ومناقشتها، عدا فقرات ومقولات كانت تعرض عند الحاجة، لم تكن سوى عبارات للدكتاتور البائد، فأنه في الواقع وطيلة عقود حكمه، اعتمد على أسلوب العنف والأكراه و التسقيط، في بناء منظماته . واعتمد على كلّ مامن شأنه تأمين سلطته وسلطة قائده فقط وكسر شوكة من اختلف معه ـ حتى داخله ـ دع عنّك من عارضه خارجه، مستعيراً الكثير من برامج وأساليب الحزب النازي في تحقيق نظامه الشمولي، وعلى مقولات محرّفة من التراث العربي والأسلامي، لخلق دكتاتورية الفرد بالكذب والخديعة والديماغوجيا التي صارت تُمارس الى اليوم من كُتل حكمت و تحكم في محاولة لتقليد الدكتاتورية للبقاء على كرسي الحكم لأطول فترة، و لم تبذل ايّ جهد في اعادة بناء ثقافة الشعب و أعادت بناء الإنسان العراقي، بقدر اهتمام قادتها بمصالحهم الأنانية و النهب .

ويرى كثيرون أن مصلحة البلاد وظروفها اليوم، تتطلّب من السيد جواد و رفاقه أن يتذكّروا جيداً ويتواضعوا ، في محاولة للتوصل الى تقييم علمي موضوعي، في وضع اليد على مكامن الأخطاء، ومكامن الجرائم، كما فعل عدد من أبرز رفاقهم، من أجل خدمة الحقيقة والتأريخ من ناحية، ومن أجل الوصول الى مصالحة بين مَن خُدع ومَن اضطر ومَن ندم، مع كل قوى الشعب الطامحة الى البناء والتقدم، وتقديم مجرمي الأمس و مجرمي الفساد و الإرهاب الى القضاء، ومن أجل التوجه لإعادة البناء الثقافي، الخُلُقي، السايكولوجي . والحضاري، ومعالجة مكامن التشوّه والخطر، والوقاية من الحلول العنفية والدموية و الفردية. في ظرف صارت تشكّل فيه المصالحة و الوحدة حاجة ملحّة للشعب و الوطن على أساس الهوية الوطنية المتساوية لكل ابناء الطيف العراقي.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top