تحصيل الحاصل ومَنتجة المنتج في كتاب (بنية العقل التاريخي) لسعيد المرهج  2-2

تحصيل الحاصل ومَنتجة المنتج في كتاب (بنية العقل التاريخي) لسعيد المرهج 2-2

د. نادية هناوي

بسبب هذا الالتباس الى جانب التناقض في ما افترضه المؤلف من تعدد منهجي وما حاول التنظير له وهو معرفية العقل العربي وثوابته التجزيئية صار الكتاب عبارة عن كتابين منفصلين منظوراً ومحصلات حيث:

الكتاب الاول/ يبدأ من التمهيد وينتهي بنهاية الفصل الأول وعدد صفحاته( 109) صفحات. الكتاب الثاني/ يبدأ من الفصل الثاني وينتهي بنهاية الفصل الثالث وعدد صفحاته( 136) صفحة.

ومؤدى القول إن عدم المواكبة لما طرأ على نظريات التاريخ وفلسفاته من تطور هي التي جعلت مرجعية المؤلف مفككة تتأرجح تارة عند معتادية الدرس التاريخي الكلاسيكي حيث المجال المعرفي للتاريخ الإسلامي يقوم على القطع والاستقصاء بتوظيف العقل والنقل وأن التاريخ سردية كبرى تتجلى في ملحمية النص التاريخي وهذا بالضبط( موضوع الكتاب الأول) وتتأرجح تارة أخرى عند الما بعدية الحداثية التي فيها تحول التاريخ إلى سرديات صغرى وهذا بالضبط( موضوع الكتاب الثاني)

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم( النص التاريخي) استعمله شوشان وقصد به فحص البنية النصية للتاريخ، موضحاً أن" النصوص المسماة التاريخ أياً كان زمانها ومكانها لا يجوز النظر إليها على أنها خزائن للمعلومات؛ بل ينبغي التعامل معها على أنها مشاريع للبحث اللغوي والتحليل الادبي.. تُفحص من حيث تقاليدها السردية وستراتيجياتها البلاغية" (شعرية التاريخ الإسلامي، ص30) وهو ما تبناه شوشان بشكل واعٍ منتجة وانتاجاً، منطلقاً من مرجعية منضبطة بتنظيرات كولنجوود وريكور وهايدن غير ناسف بحثه بالتنظيرات الكلاسيكية للتاريخ. 

المحور الثاني : اللانوعية في الناتج والتحصيل /

لم تكن منهجية الباحث سعيد المرهج في قراءة سيرة الطبري ـ التي دوّنها ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء ـ سردية كما يوحي العنوان؛ بل كانت منهجية سياقية تَقرأ سيرة الطبري قراءة إسقاطية، فيها تتمركز الذات أي الطبري وليس النص التاريخي، لتكون الرؤيا مكوناً من مكونات التاريخ الإسلامي الذي هو سردية كبرى ص8. وهو ما سيتوكد في المبحث الثاني الذي فيه يصل المؤلف إلى تحصيل مفاده أن المدونة التاريخية الإسلامية هي التاريخ الكلي الذي فيه يتجلى وعي الذات الإسلامية تجاه الآخر الخارجي. 

ولا شك في أن ترجمة الحموي للطبري هي نمط كتاب إبداعي عرفه العرب في زمن متقدم سمي( فن الترجمة) وهو يدخل في باب الكتابة التاريخية البيوغرافية. ومن ثم لا يعود وقوف الباحث سعيد المرهج عند هذه الترجمة جديدا ليقول" مقدمة لدراسة فن الترجمة وكتب التراجم لما لها من أهمية كبرى ضمن المتن التاريخي الإسلامي"ص17 

فالتراجم العربية وأعلامها تمت دراستها وحوكيت أيضاً روائياً وقصصياً ومسرحياً، وهو ما فعله مثلاً لا حصراً الكاتب الفرنسي جليبرت سينويه حين أفاد من ترجمة ابن سينا التي كتبها تلميذه الجوزجاني فحوّلها إلى عمل روائي اسمه( الطريق الى أصفهان)

إن محاولة حيازة السبق في دراسة مجال دُرس أو لم يُدرس من قبلُ عربياً أو غربياً ثم اللامواكبة النظرية في دراسة ذلك المجال هو ما يجعل أي باحث يقع في محذورات كثيرة منها أن يضيع لديه الضابط المنهجي. وهو ما وقع فيه المؤلف سعيد المرهج أولاً في استدراكه على بعض استنتاجاته من قبيل تساؤله عن سبب اختياره المدخل الرؤيوي لدراسة سيرة الطبري ص17 وأجاب بأن الرؤى تشكل متناً سيميائياً فاعلاً يوجب عليه أن يسلط الضوء على أهمية الرؤيا في الفكر الإسلامي..هنا نتساءل أين هي القراءة العلاماتية وهو يعالج الموضوع معالجة فيها التاريخ مدونة كبرى؟ ومع ذلك فان تساؤله وجوابه يؤشران تنبهه إلى الالتباس النظري الذي وقع فيه. وثانياً في تضاده بين منهجيتين: الأولى سياقية ترى أن التاريخ سردية كبرى ملحمية والثانية نصية ترى أن التاريخ سردية صغرى. مما أدى إلى تشتت المقصدية أيضاً في توجيه البحث، أ هو في خدمة التاريخ أم هو في خدمة السرد ؟.

ولا عجب أن هذا التضاد المنهجي سيساهم في عدم الدراية أيضاً بمقدار المجازفة التي على الباحث أن يتحملها وهو يحاول الخوض في ميدان ليس سهلاً فيه تفنيد الدور الملحمي للتاريخ الاسلامي ويتطلب منه وعياً بأهمية تداخل التخصصات. 

وعلى وفق هذا الوعي بالتداخل اختار شوشان تاريخ الطبري لأنه" عمل مركب من أعماله المتعددة وهو تجميع لمواد مستمدة من الكتب المقدسة والتفاسير والفلكلور" ص34 

بينما كان الالتباس المنهجي سبباً في عدم مبادرة الباحث سعيد المرهج الى الدخول إلى موضوعه مباشرة وهو تاريخ الأمم والملوك؛ وإنما ابتدأ بدلاً من ذلك بدراسة ترجمة ياقوت الحموي للطبري. مما زاد في البعد بين متن الكتاب وعنوانه الرئيس وأدى أيضاً إلى إضعاف الجانب النوعي فيه بهذه المعتادية في تناول فكرة القدر كموضوع عقائدي له علاقة بالحلم والكابوس لغوياً وبالنبوة اصطلاحياً وأن علاقة جبرية تربط بين الأحلام والرؤى والعقل التاريخي الإسلامي وحديث طويل تقوقع المؤلف سعيد المرهج فيه عند كتب التفاسير وما قدمته من تأويلات مستنداً الى مصادر الحديث الشريف كسنن ابن ماجة ومصادر عقائدية أخرى كبحار الانوار وفتح الباري. 

ولابد من التأكيد هنا أن الطيب الهبري فيما نقله بواز شوشان عنه كان قد درس فكرة القدر في تاريخ الطبري و"أن الغرض من تنظيم الأحداث والموضوعات في ثلاثة مشاهد تتخذ شكل ثلاثية ربما كان هو الايحاء بأن تلك الأحداث والموضوعات ترتبط بفكرة القدر"ص57 

لكن الباحث المرهج اتبع دراسة فكرة القدر بدراسة حياة الطبري من خلال عمل مخططات وأول مخطط هو( الرحلة العلمية / السيرة الحياتية / الجزاء) وثاني مخطط هو( السيرة/ الحكاية/ الرؤيا) وأن فيه ثلاث دوائر قصصية حيث الرائي في السيرة والحكاية تقليدي وفي الرؤيا هو تصويري. 

بيد أن المفاجأة كانت في هذا التحول المنهجي من التحليل السردي إلى المنهج السيميائي وكأن ثنائية( الرؤيا/ الرائي) لم تسعف المؤلف في بلوغ سردية النص فتركها ليتحول إلى سيميائية غريماس ومربعه محاولاً قراءة رؤيا الطبري قراءة سردية سيميائية معاً.

وهذا دليل آخر على الالتباس الذي حاول المؤلف مداراته بما افترضه من أن( حياة الطبري) حالة جزئية لها علاقة بالسياق العام الذي هو( التاريخ) كعلاقة اللسان بالكلام وأن في المربع السيميائي تتحرك الفواعل مع هيمنة النسق الأبوي على سيرة الطبري التي تسير في إطار الخضوع والضرورة والعامة والسلطان، ص40 ـ42 لينتهي إلى القول:"إن الطبري كان يمثل الدفاع عن التقاليد أو لنقل المدارس التقليدية وهذا ما جعله قريباً من السلطان" ص46ـ47 وهذا تحصيل مفروغ منه وتقليدي ليس فيها أية توصلات سيميائية. ويدلل قوله الآتي على تقليدية التحصيل:" من كل ما سبق نستطيع أن نتحدث عن مخطط قدري يحرك الذوات المترجم لها فليس للطبري سوى القدرة اما الاختيار فهو رسالة آلهية" ذلك أن الحوادث التاريخية مدونة بالعموم على وفق رؤية أيديولوجية يلتزم بها المؤرخ. 

وإذا كان التمهيد كله محصوراً في مدونة الحموي واقعاً خارج إطار العينة المراد التمثيل بها والتي حددها العنوان الرئيس وهي( مدونة الطبري التاريخية) فإن ما سيأتي من حديث عن (التطور التاريخي ..) سينحرف أيضاً عن تاريخ الطبري ليتوجه إلى تناول موضوعات لها صلة بالمؤلفات التاريخية الآتية: سيرة ابن هشام وكتاب التيجان وملوك حمير لوهب بن منبه وأيام العرب قبل الإسلام لابي عبيدة وسيرة ابن اسحاق وكشاف الظنون لحاجي خليفة. 

حتى إذا حلل المؤلف مقدمة تاريخ الطبري وجد فيها ثنائيات تشكل دائرة إقصاء للآخر ودائرة تكامل مع الذات وأنها أي الثنائيات تعطي صورة لطبيعة التفكير الإسلامي الذي حرك فعل التدوين التاريخي تأكيداً لحجم التمييز بين ما هو زماني ولا زماني لكنه بعد ذلك مباشرة سيفند ما تقدم جازماً أن" لا يمكن إدراج الطبري خارج إطار الاتجاه النقلي، وهذا الأمر له مدلوله الكبير في دراساتنا لتاريخه"ص63 فكيف توصل الى هذا الجزم وهو قبل ذلك كان قد قطع بوجود ثنائية العقل/ النقل الجدلية في كتابة هذا التاريخ؟!

وإذا كنا تغاضينا عما سيعتاده المؤلف فيما سيأتي في كتابه من ميل الى اقتباس نصوص طويلة من تاريخ الطبري وأردافها بتحليلات قليلة؛ فاننا لن نتغاضى عن مقولات يتعامل فيها المؤلف مع التاريخ كعلم وليس كخبر أو حكاية معتبراً المؤرخ الإخباري هو المخبر عما هو تاريخي، أو أن تجزيئية التاريخ تأتي من أجل كليته( التاريخ الكلي) التي فيها تهيمن المركزية الإسلامية وأنها" مركزية مسيطرة على الكتابة التاريخية"ص102 ليكون تاريخ الطبري "تاريخاً للذات الاسلامية المتضخمة (خير أمة أخرجت للناس) التي لا تستطيع تجاوز نفسها في النظر فهي مركز الكون وما سواها زوائد لا يضر في شيء تجاوزها"

وكان الأجدى بالمؤلف أن يُعنى بسردية التاريخ قبل أن يؤاخذ الامة على مركزيتها ثم يفند تلك المركزية مناقضا نفسه، قائلا:" إذا ما نظرنا الى عصر الطبري فاننا ندرك اهمية هذه الصورة لزمن لم يعد العرب يستطيعون فيه المحافظة على ثغورهم لقد اكلت الفتن الداخلية قلب العالم الاسلامي" ص103

وبالانتقال الى الكتاب الثاني ( الفصل الثاني ) يتغير التوجه المنهجي وتكون المنتجة النقدية موجهة نحو السرد من ناحية التشكل الخبري/ الحكائي للمدونة التاريخية أي ( تاريخ الطبري) وعلى الرغم من هذا العرض لمقولات هيغل وكوليجوود وريكور وهيدجر والعروي ووايت؛ فإن ذلك كان بلا معيار او بالاحرى بلا فائدة . فلقد حسم المؤلف رأيه في تداخل السرد بالتاريخ من مفتتح الفصل قائلا:" يبيح لنا القول إن التاريخ الاسلامي كان حكاية كبرى( حكاية الخلق او الوجود) "ص111وهذا النفي الاخير هو بمثابة اثبات لحقيقة مراده الذي به حاول مداراة الشرخ الواضح والتعارض البين في المنتج النقدي داخل كتابه ليكون المتحصل كتابين مستقلين عن بعضهما. 

ولا يغيب عنا أن بواز شوشان درس هذه السردية في تاريخ الطبري في إطار (السرد التاريخي) الذي لا يعني نقل الحقيقة كما هي انما كما يتصورها المؤرخ نفسه موظفا مفهوم المحاكاة وقانون الاحتمال الارسطي. وأردف ذلك بتحليل البناء الفني للنص التاريخي كصيغة وصوت بمفهوم جينيت وكيف أن السارد يختفي خلف سارد سابق يروي عنه أو سلسلة رواة مختارا حوادث بعينها من تاريخ الطبري ليحلل ما فيها من سرد تاريخي كحادثة مقتل عثمان وحادثة السقيفة ومعركة صفين واستشهاد الحسين.

أما المؤلف المرهج فحاول تحليل الثلاثية السردية المفروغ منها وهي وجهة النظر وبناء الفضاء وبناء الشخصية من خلال عرض نصوص طويلة من تاريخ الطبري مقابل تحليلات ضئيلة تفتقر الى التعيين النوعي مستعملا عبارات( في هذا المتن نرى ../ نقف هنا../ هنا نرى../ نحن هنا أمام..) 

إجمالا نقول : كان للمؤلف أن يتحرى المنهج الذي يتلاءم مع فكرة كتابه وهي تداخل السرد بالتاريخ ويحقق فيه وحدة عضوية مقدمة وتمهيدا وفصولا وخاتمة بدل أن ينشغل بدراسة( القدر والرؤيا والرائي والحاكمية الايديولوجية ) وهو متن تناوله الدارسون من قبل كثيرا .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top